بين أغبرة الماضي وأقنعة الحاضر !!

٢٠١٢١١٢٨-٠١٠٧٢٦.jpg

تتطاير الأغبرة في المكان، فثمة أطفال لازالوا يلهون خلف الكرة، ورغم حرارة الجو وخشونة الأرضية إلا أنهم حفاة، ومع ذلك الوضع القاسي إلا أنهم في قمة الفرح والبهجة، ولو سألتَ أحدهم حينها عن ما يتمناه في تلك اللحظة، لأجابك بكل ثقة أتمنى أن لا تشغلني عن ممارسة هوايتي المفضلة، لذا كنا نقضي الساعات في اللعب غير مكترثين لما سوى ذلك.

ولازلتُ أحتفظ بتفاصيل تلك الحقبة، وكأنها شريط مصور أسترجعه في أوقات الخلوات والحنين إلى الماضي، من صورة الملعب المجاور لمستشفى التوليد، إلى أدق التفاصيل التي واكبتنا في أوقات المرح والشقاوة.

ففي مرةٍ من المرات وبينما نحن في وطيس اللعب بالكرة، وقد تتطاير الغبار بسبب نشوة الحماس، إذا بطبيبة من المستشفى واقفة عند المدخل تتابع لعبنا ولهونا بكل اهتمام، تبين لنا ذلك من ابتساماتها المتواصلة، ومن تركيزها الواضح، وهي وكباقي الطبيبات في المستشفى أوروبية خمسينية العمر.

فما لبثتْ حتى نادتنا بتلويحاتٍ يدوية، وما لبثنا حتى لبينا نداءها مهرولين، فإذا بها تحمل “كرتوناً”، وقد مُلئ بأحذيةٍ رياضيةٍ لا قِبل لنا بها، عندها قامت بتجربة الأحذية على الأرجل المتسخة بتراب الملعب، حتى أوجدت لكل واحدٍ منا حذاءه المناسب، عندها أمسك كلٌ بحذائه منطلقاً إلى منزله، بفرحةٍ غامرة وغنيمةٍ وافرة.

زاد اهتمام الطبيبات بنا، فبعد الأحذية الرياضية، جاءت الهدايا والهبات كالشوكولا والألعاب، فلا يمر أسبوع إلا وقد غنمنا شيئاً مميزاً، حتى ما إن بلغنا رأس السنة الميلادية، إذا بهن يقمن بدعوتنا لحفلةٍ مخصصةٍ للأطفال، مع توصيةٍ وتذكيرٍ بوفرة الهدايا التي لا تفوت، وفعلاً نجحن في إغرائنا، فقد أصبحت الحفلة شغلنا الشاغل وهداياها حُلمنا الآتي.

جاء اليوم الموعود، ولازلنا نحمل لهفة الأطفال للهدايا الموعودة، تَجمَّعنا في الملعب، وانطلقنا على بساط الأمنيات إلى حيث ملائكة الرحمة وواهبات السعادة، عند البوابة كُن في انتظارنا بهدايا استفتاحية، كانت عبارة عن ألعاب متنوعة لم توجد في أسواقنا المحلية حينها، لذا كان وقعها علينا كبيراً، وبسبب ذلك غمرتنا فرحةٌ عارمة قبل البدء بطقوس الحفلة.

واكب الهدايا الاستفتاحية التقاط عدة صور فورية، كان صداها عميقاً في النفس، فعندما تهبك إحداهن هديةً نادرة، وتقوم الأخرى بتدوين تلك اللحظة في ذاكرتك من خلال الصورة، فإنها بذلك تحفر اللحظة وتوابعها في مخيلتك، وكأن الواقع حلمٌ جميلٌ تتمنى الاستمرار فيه، وفيما بعد يكون الحلم واقعاً تتلمس أحداثه الماضية.

فخامة الحفلة وبهرجاتها جعلتنا نعيش في عالم خيالي، يفوق تصورنا ويتجاوز استيعابنا بل ويُسحر جوارحنا، تخلل ذلك غناء إحداهن بالعربية، بعبارات لم نستوعبها للوهلة الأولى: “كل شيءٍ جميل في بيت أبي”، وكأنهن يُردن تثبيت العبارة في مخيلاتنا، قبل الانتقال إلى الفقرة التالية، والحقيقة أن الشطرالأول “كل شيءٍ جميل”، كان مطبوعاً مع أول هدية تلقيناها منهن.

أما الشطر الآخر “في بيت أبي” فقد أولناه على أنه بيت أبيهن الحقيقي، ولكن التأويل تلاشى مع الفقرة التالية، عندما بدأن في عرض فصول مسرحيةٍ تحكي قصة عيسى وأمه مريم عليهما السلام، ومحاولتهن من خلال المسرحية تثبيت عقيدة الثالوث أو التثليث في مخيلتنا “وهي أن الأب الموجود في السماء، قد تجسدت كلمته في الابن وهو المسيح، وكان وسيطا بينهما الروح القدس”.

فرغم غدق هداياهن وإسراف بهرجتهن في الحفلة، ورغم صغر سننا وطراوة فهمنا، إلا أن فكرة التثليث لم ترقَ لأحدنا، وكأنها لقمة فاسدة دخلت جوف عقولنا، فما كان منها إلا أن استفرغتها على الفور، مع انسدادٍ في النفس لتقبل ما يردد، وإن كانت مكافأة الترديد مجزية للغاية، عندها تحركت فينا فطرتنا الأزلية، وتربية آبائنا البسطاء، فأخذنا نردد:”قل هو الله أحد، الله الصمد، لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد”.

مع تفهمي لموقف الطبيبات في سعيهن لنشر دينهن أو عقيدتهن، إلا أنهن اخترن المكان الخاطئ، والأشخاص غير المناسبين لهضم عقيدةٍ تخالف التوحيد والفطرة، تجسد ذلك بعد سنين مضنية من محاولات متكررة لزرع فتيل التثليث، مع الأمهات من خلال محاضرات تعريفية، أو الأطفال من خلال الهدايا والألعاب، والتي باءت كلها بالفشل الذريع، لأنها لم تستطع اختراق فطرة طفل صغير، فما بالكم بمن ترسخت لديهم العقيدة.

تلت تلك السنين سنيناً أكثر نضجاً بين الطرفين، إذ التزمت الطبيبات بدورهن الطبي والإنساني في خدمة مجتمعٍ ناهض، مع يقينهن واستيعابهن لعقيدة هذا المجتمع، وكأني بهن وقد رسمن خطاً أحمر لأنفسهن لا يمكن تجاوزه، وفي المقابل كانت الأمهات يعاملن الطبيبات كصديقات لهن، دون خوفهن من اختراقٍ مفاجيء لجدار عقيدتهن المحصن بفطرة الإسلام.

كانت تلك القصة بداية فهمي لمروجي الأفكار والعقائد، فعقيدتنا لم تحتج لمقدمات وهدايا كي تتبلور فينا، فهي موافقة لمنطق العقل السليم، عكس الأفكار الهدامة التي تحتاج الكثير من المراوغة والتلون، فغايتهم تبرر وسيلتهم، وظواهرهم لا تطابق دواخلهم، ونواياهم مناقضة لصورهم الظاهرية، فما سياسة الأبواب المقفلة وجلسات الخلسة إلا تصديقاً لما ذكرت.

تعلمت من تلك القصة أن الذي لا يعلن فكره في النور وفي وضح النهار، إنما يحاول إخفاء العيوب والتشوهات التي تعتري منطقه، ومن يحاول رسم استراتيجيةٍ للاستدراج هو ذلك الذي فشل فكره في استدراج العقول بالحجة والمنطق، وهو يعلم علم اليقين بأنه لقمة فاسدة في جوف مجتمعٍ يحسن النوايا ويقابل الإحسان بالإحسان، وأعلم علم اليقين بأن مجتمعنا عصيٌ على كل فكرٍ شاذ وشديدٌ في وجه كلِ هادم.

(فهل وصلت الرسالة ؟!!)

لكمة تويترية !!

٢٠١٢١١٠٨-٠٠٢٥٤٦.jpg

تنوع الشخصيات واختلافها يثريان حياتنا كثيراً، فكل شخصية تتميز بصفات جسدية وذهنية وسلوكية خاصة بها، نابعة من الجينات الوراثية كالشكل واللون والصوت، أو مكتسبة من المحيط الاجتماعي كلباقة السلوك وأخلاق التعامل.

وروعة التنوع بين بني البشر تخلق حالة فريدة من الانسجام بين المختلفين، فكلٌ يرى نواقصه الكامنة قد عولجت عند الآخرين، أو يرى إيجابياته الواضحة قد فقدت عندهم، فحالة الانسجام تتبلور حينما نُشبع حاجاتنا المفقودة بحاجاتهم الموجودة، وبين المفقود والموجود قصة تكامل بين الشعوب منذ قديم الزمان اقتصادياً واجتماعياً أوحتى انسانياً.

ومقولة أن الإنسان اجتماعيٌ بطبعه، تثبت حاجة الانسان لأخيه الانسان، إما حاجةً مادية تخلصه من وضعٍ ما أو تعينه على قضاء أمر ما، وإما حاجة معنوية تسد نواقصه المكنونة بتبادل الأفكار واكتساب الآراء والتعرف على الثقافات، فيثري نفسه بلآلئ الآخرين، ويمدهم ما استطاع برصيده المحفوظ.

وبعيداً عن المثالية، فمجريات التاريخ الحقيقية لم توافق بشكل تام النظرية الاجتماعية، فهناك حالات تغلب فيها الأنانية والانكماش على النفس، حباً لها أو خوفاً عليها، وفي حالة الخوف تظهر مخالب الدفاع الحادة، فتكون على شكل دفاعٍ مستميت بلا إدراكٍ عقلي، أو تكون هجوماً استباقياً لكل المختلفين أو المخالفين.

وفي خضم طفرة التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي، لا زال البعض متمسكاً بذلك السلاح المقيت والأسلوب الرخيص في هجوم مخالفيه، فلا مبررات تفسر فعلهم، ولا براهين ترجح رأيهم، فسيوفهم مسلولة بلا تعين، وقصفهم عشوائي بلا تحديد، وكأني بهم في حلبة مصارعةٍ فكرية، لكماتها سوء الألفاظ، وركلاتها دناءة الأسلوب.

ومحصلة كل جولة مجهولة للمهاجم، ففي الغالب كل رفسه ولعنه لا تحرك ساكناً في الطرف المقابل، بل أنهم يمضون في قافلتهم غير مكترثين لزوبعات الآخرين ومطبات الحاقدين، منشغلين بفكرة أرادوا ترويجها بطريقة ما، مبتكرين أساليب ووسائل تسهل مهمتهم، قابلين بهدايا الخصم المجانية بصورةِ دعايةٍ مستمرة، فهم مادة يومية عند خصومهم التقليديين، دون إدراك الأخير لفعله العكسي في صراعه الفكري.

وبرزت تلك الصراعات واضحةً في حلبة “تويتر”، كونها تستوعب أكبر عددٍ من المصارعين، وكونها تختصر اللكمات واللعنات بقليل من الكلمات، فتكثر حوارات تصفية الحسابات، وتروج تكميم الإبداع بحجة الدفاع عن الحق بمفهومهم الخاص، بينما تظل الغالبية الصامتة في صمتٍ مستثار، مستمتعين بتبادل اللكمات، منتظرين ردة فعل الآخر.

لا أجزم بأن الصامتين هم أكبر المستفيدين، ولكني أرى أن الصورة لديهم أكثر وضوحاً ممن هم في داخل الحلبة، وأجزم بأن الطرفين لا يدركان رأي الصامتين في صراعهم الدائر، وكثيراً ما ينخدع أحدهما بكثرة التهليل والتصفيق ظناً منهم بأنها علامات التأييد والنُصرة، وفي الحقيقة ما هي إلا استثارة لتقديم المزيد من متعة السب واللعن.

ومن وجهة نظرٍ خاصة، أرى أن الطرف المتهكم في حواره بتكرار والمستعين بأدواتٍ يراها فتاكة هو الخاسر الأكبر، وإن كان يدافع عن الحق، فالحق لا يحتاج لأسلوبٍ باطلٍ للدفاع عنه، وبسبب هذا الأسلوب قد يُرى الحق باطلاً، أو يُرى الباطل حقاً، فالنفوس بطبيعتها تميل لنصرة الأضعف والمغلوب على أمره، فلا تجعلوا الحق باطلاً والباطل حقاً بأسلوبكم الدنيء في حواراتكم الفكرية.

(اللهم أرنا الحق حقاً وأرزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وأرزقنا اجتنابه)

إليكما مع التحية !

٢٠١٢٠٩٢٧-٠٠٤٩١٢.jpg

الليل الكالح فرض علينا سواده، فلا يمكن رؤية شيء غير ذلك الظلام الدامس، والسكون لف المكان فكل من معي في السيارة هم في سباتٍ عميق، وكأني أقود سيارة الحياة إلى حيث لا أدري.

تلك الحياة التي ولجتها باكياً وكل من حولي في سرور وفرح، حتى بدأتُ أتلمس الطريق حبواً، فما لبثتُ حتى تلقفتني تلك الأيدي الحانية، محاولةً تثبيتي واقفاً، وكأن وقوفي حفلتهما المنتظرة، ولأني وكباقي الأطفال تأسرني ضحكاتهما وطريقة تحفيزهما، فقد حاولت الثبات مدة تصفيقهما وتهليلهما لي.

وها أنا أصل إلى المدرسة بسرعة تفوق استيعابي، وها هي تلك الأيدي ممسكة بيديَّ وترافقني إلى أول يوم دراسي، وها هي أعينهما تراقبني بينما أجلس في فصلي الأول، بينما تظل نظراتهما ممسكة بي ولا تريد الفكاك أو الفراق، حتى يطمئنا على اندماجي الكامل وتقبلي المكان ومن فيه.

وبعد سنوات أستيقظ بنشاط غير معتاد، فاليوم هو يوم ماراثون الجري وقد قررتُ المشاركة، سوف أعدو ورفاقي بدءاً من الكورنيش ومروراً أمام منزلنا حتى نصل إلى المدرسة، وها هي تلك الأيدي تتلقفني منذ الصباح الباكر، وقد جهزوا لي ما سأرتديه، وفي أثناء ذلك أمطروني بنصائحٍ رياضيةٍ وطبيةٍ ونفسيةٍ، يراد بها تمكيني من إكمال المسافة دون أدنى أذى قد يصيبني.

بدأنا الجري بسرعاتنا القصوى، ولأنها روح المنافسة وشقاوة الأطفال لم ندرك بُعد المسافة، إلا وقد اقتربنا من منزلنا، وإذا بتلك الأعين تترقب وصولي وقد طال انتظارها، لا لتأخيري، بل لقلقهما الدائم والمستمر، فكانت تلك لحظة تطمين مؤقتة، يعودان بعدها إلى حالة القلق والانتظار حتى أعود إلى المنزل.

كان ذلك دأبهما، اهتمام بي وقلقٌ علي، وحبٌ تنوعت أشكاله، فهما من غمرتهما فرحةٌ تفوق فرحتي عندما حصلت على الشهادة الثانوية، وفي الوقت ذاته هما من سهلا لي طريق النجاح، فهما من زرعا فيني حب العلم وتقدير المعلم، وهما من أزاحا عني الهموم والمصاعب، وهما من ألبساني طمأنينةً وراحةً كنت في أمس الحاجة إليهما، وهما شحنة الحنان التي أتزود بها قبل أن أحتاجها.

وهما الآن رفيقي دربي الغائبين لحالتهما الصحية، لذا أستوحش قيادة الحياة دون نورهما، ولكني في المقابل أعيش معهما أحلى الذكريات، كُلما هربت من واقعي وألتحقتُ بهما في الماضي الجميل.

أتلمس ذلك من تلك الأيدي التي تبدو أكثر وهناً من أي وقتٍ مضى، ولكن دفئها باقٍ كما في الأيام الخوالي، فرُغم فقدها العنفوان والقوة إلا أنها تظل متشبثة بقوة الحب والحنان، وأتلمسه من تلك الأعين المليئة حباً وسحراً، فلا أكاد أبادلهما النظر، حتى يبدأ حديث الأعين، حديث العتاب بسبب الاشتياق، وحديثُ القلق والاهتمام، حديثُ نكران الذات في هذا الوضع الصعب، حديثٌ أنا محوره على الدوام، ذلك الحديث الذي لم ألتفت إليه إلا بعد فوات القطار.

لم أدرك وضعي معهما إلا بعدما هدأت دوامة الاهتمام والحب رغماً عنهما، عندها أدركتُ منبع الحب الحقيقي وسر الاهتمام الزائد، عندما جاء دوري في رد الجميل لهما، ذلك الجميل الثقيل ثقل الجبال الرواسي، لم ولن أستطيع رده، إلا ببعض الأفعال التي قد أوهم نفسي بأنها جزء من رد الجميل.

فيا ويح نفسي ويا ويلي إن لم أُدرك برهما، وهو أقل القليل في بحر تضحياتهما من أجلي، فكم من ألمٍ كنت سبباً فيه، وكم من قلقٍ انتابهما بسببي، وكم من شيء حرما نفسيهما منه لأجل حصولي عليه، وكم من عينٍ ذرفت أو سهرت لأجلي، وكم مرةً كنت سبب حزنهما، وكم من المرات أغضبتهما، وكم هي الأيام التي غفلتُ عنهما.

أسأل الله أولاً الرحمة والغفران، والعفو عن كل تقصيرٍ في حقهما، وأسأله العون والتوفيق لبرهما، وأرجو منهما العفو عن ما كان مني، فأنا المقصر المعترف بذنبي الراجي لرحمة ربي ومغفرته.

(ربِ ارحمهما كما ربياني صغيرا)

مثاليون بالفطرة

٢٠١٢٠٩٠٥-٢٣٤١١٩.jpg

من الفطرة تعلق الطفل بشخصيةِ الوالدين أو المعلم، أو إحدى شخصيات التلفاز البطولية أو أحد لاعبي الكرة المشهورين، يبدأ بالإعجاب والانبهار ويرسم صور وردية مثالية لها، ويبالغ لدرجة يهب فيها من يُعجب به نرجسيةً مطلقة.

ونتيجة لذلك، فقدوته في الحياة هو أحد هؤلاء، فهم المثل الأعلى، وهم الصورة الذهنية المثالية لما سيكون عليه عندما يكبر، ولأنها مرحلة الطفولة البريئة، فقد يحمل تصوره الكثير من حسن الظن، والعديد من قصص البطولة الخيالية، فتترسخ في ذهنه تلك الصورة النقية، الخالية من العيوب والشوائب، والفائضة عن إمكانيات البشر الطبيعية.

والحقيقة أنهم عكس ما يتوقعه الطفل ويتصوره، فهم بشر يخطئون ويصيبون، وقد يكونون للخطأ أقرب، وفي أحسن حالات المثالية يكونون أفضل من أقرانهم بصفات معينة، لا تصل إلى درجة العصمة والكمال التي يتصورها الطفل.

وهذا سبب صراع المراهق مع محيطه، عندما يسعى جاهداً لإثبات مثالية شخص ما، فلا يصدق الوقائع، ولا يرى الحقائق، إلا تلك الصور الخيالية الطاغية على نظرته وتصنيفه له، فقد حَفَرَ مثاليته في ذهنه منذ الطفولة، أو حفره المجتمع من خلال التعظيم المبالغ، والترسيخ الممنهج لشخصية بعينها، على أنها المثل الأعلى والأوحد.

وتلك النظرة المبالغة تعتبر بمثابة قنبلة موقوتة، قد تنسف كل مباديء وقيم تلك الشخصية في لحظة ظهور الحقيقة، فالمُعجب انبهر بالشخصية ونرجسيتها قبل النظر إلى القيم والأخلاق والمباديء التي يبني عليها أفكارها، تماماً كالذي ينبهر ببالونة كبيرة عملاقة، فشكلها الخارجي يوحي بالضخامة ولكن حقيقتها أنها فارغة من الداخل إلا من الهواء.

من الجيد أن يتخذ أبناؤنا قدواتٍ لهم، على أن نغرس فيهم حقيقة هؤلاء، فلا معصوم إلا الرسول (صلى الله عليه وسلم)، وما هم إلا بشر مثلنا، لا يخلون من الزلات والأخطاء، ومن الجيد أيضاً توعيتهم بالقيم والمبادئ التي يحملها من أعتبروا مثاليين قبل مناقشتهم في صفات الشخصية الظاهرية.

صفة التعظيم والتطبيل لازمت المجتمع العربي قديماً وحديثا، فكم من ظالمٍ أُعتبر من الأبطال، وكم من سفاحٍ شُبه بالخلفاء والصحابة، وكم من عالمٍ أُعتبر علمه مُطلق الحقيقة، فلا يجوز الرد ولا يُسمح بأخذ العلم من غيره، حتى أصبح مجتمعاً “ببغاوياً” يردد ما يقال له، لذا افتقد عمق التفكير وتحليل المواقف، وظل في حالة ترقبٍ دائمة للحل المثالي من الشخص المثالي.

وأعتقد أن حالة الاتكالية الفكرية سببها دهاء النخبة وثقافة المثالية، تلك الثقافة التي بسببها أوجدنا طبقيات زائفة، نصبنا على كل منها شخصيات اعتبرناهم قمماً فوقنا، وارتضينا القاع تحتهم.

(ولازال الحوار مستمراً من خلال تعليقاتكم)

أسرار أنثى

٢٠١٢٠٨٣٠-٠٠٤٥٤٢.jpg

في نظر الرجل، تظل الأنثى سراً من أسرار الكون، يصعب استكشافه، وذلك لفطرة الكتمان لديها، فصندوق الكنز مقفل أمام الداخلين لعالمها الخاص، والباحث عن ذلك السر المكنون أو الكنز المحفور، عليه الانغماس في عالمها حد الذوبان، عندها فقط قد يُرأف لحاله، ويسمح له بالاطلاع على ملامح ما قد يكون عليه الكنز بلا تفاصيل، فتفاصيله جزء من الروح، لا يُستغنى عنها إلا بفقد الروح عند الموت.

وفي نظره، سر جاذبيتها يكمن في غموضها، فقد أحاطت عالمها باكسسواراتٍ لا معنى لها، وبأزياءٍ مبالغ فيها، وبمساحيق تخفي ملامحها الحقيقية، حتى بدت غريبة عن نفسها وغامضة في محيطها، ويزداد تشبثها بغموضها يوماً بعد يوم، مستقويةً به على الذكر الأقوى جسدياً، والأضعف أمام حالة الغموض المثيرة.

لذا كان همه البحث عن مفتاح القفل، ليفتح به قلبها على مصراعيه، فيعلن احتلاله وسيطرته الكاملة، فيتربع على عرشه بلا منازع، محققاً غريزته الفطرية في الاستحواذ، ممتلكاً أنثى بكل ما فيها حتى أسرار النفس وهماساتها، فيسد بذلك حالة الضعف أمامها.

ولكني لم أرَ رجلاً أعلن وصوله للسر المكنون، لذا ظل لغزاً محيراً يصعب تفسيره، ولازال الرجل يعيش حالة انبهار بغموضها، ولازالت تسعد بانبهاره بها، فتلك الحرب الباردة مستمرة بين المعسكرين، معسكر الغامضات، ومعسكر المنبهرين.

ومن المناسب أن أحكي لكم قصة قرأتها، تصف حال الرجل مع غموض المرأة، قصة ذلك الرجل المحب للإثارة والاستكشاف، حين قرر معرفة غموض المرأة وكشف أسرارها المستورة، فما كان منه إلا أن ذهب إلى حكيم لعله يجد صندوق الأسرار، ولكن الحكيم صده ورده، قائلاً:لن أُعطيك الجواب جاهزاً، وعليك بالبحث والمخالطة حتى تصل لما تبحث عنه.

رحل مستجيباً لنصيحة الحكيم، قاطعاً شرق البلاد إلى غربها، ومن شمالها إلى جنوبها، مخالطاً نساءاً شتا، ومن ألوانٍ مختلفة، وطبقات متفاوتة، هدفه معرفة ما تخبئه هذه المخلوقة في نفسها، وتدفنه في قلبها، ولكن المخالطة والمعاشرة لم تؤتي أكلها، فلم يعرف إلا القشور المتشابهة بينهن جميعاً.

وبعد زمن رجع إلى الحكيم، مترجياً إراحة باله، وإشباع فضوله، وإجابة أسئلته، قابله الحكيم:لن تجد عندي الجواب، فقد كنت قبلك وطوال سنين عمري أبحث في أعماقهن، ولم أصل إلى السر والجواب، فكنتَ أنت بصيص الأمل، حين طلبتُ منك الإتيان بالجواب، فقال الرجل:ومن انت أيها الحكيم؟!، قال:”أنا التجربة الماضية، أنا التاريخ، أنا من عاشر النساء، وعرفت ثورتهن وغيرتهن، وضعفهن وقوتهن، وقوة عشقهن، ومدى خيانتهن واخلاصهن، ولكنهن لغز في جميع أحوالهن”.

ولأني أنحاز للرجال، فأعتقد بأن ثمة مؤامرة في حرب الغموض الوهمية، خططت الأنثى طوال السنين والأعوام لترسيخه في مخيلته، حتى تتغلب على استضعافها، وتلفت أنظاره، وتشغل تفكيره، فهذا غاية مرادها، وقمة سعادتها، ومن مصلحتها استمرار نظرة الغموض هذه، ولا تنسوا أيها الرجال:”إن كيدهن عظيم”.

وفي المقابل سيطرت الإثارة والفضول على تفكيره، فصدق وهم الغموض، واستثار لكشفه، فأصبحت الأنثى الغامضة بالنسبة له شكلاً بلا جوهر، ومفاتن بلا مشاعر، وسلعةً للتنافس والمتعة لا أحاسيس تحترم، ولأنه فشل في الوصول إلى أعماق الغموض، أصبح أكثر ضعفاً أمام جمالها أو استجمالها، وأكثر قوة مع من تبدو واضحة أمامه، صريحة في مشاعرها وأحاسيسها، من وهبت حياتها ونفسها له، وكرست سنينها لنيل رضاه، وضحت بالغالي والنفيس كي تصل بأسرتها لبر الأمان، فرفقاً بالقوارير أيها الرجال.

احساس معاق

٢٠١٢٠٨٢٢-٢٣٣٠٣٢.jpg

يظلون في عتمة الحياة قسراً، ذنبهم الوحيد أنهم ولدوا وهم فاقدو السمع أو النطق أو البصر، أو لأن حركتهم سقطت فأطرافهم لا تستجيب لأوامر أدمغتهم، أو لأنهم مشوهون خلقياً، وفي كل الحالات فهم لا يستطيعون مجاراتنا محادثةً أو حركةً أو استيعاباً أو حتى شكلاً، وقد تجتمع كلها عند شخص، فيُعامل على أنه كومة لحم فُرضت على الحياة.

لم أعتبرهم كومة لحم، وفي ذات الوقت لم ألتفت إليهم كثيراً، حتى ذلك اليوم الذي شاء الله فيه أن يُبصرني بما أجهل أو أتجاهل من أمرهم، عندما اتصل بي صديقٌ، طالباً مرافقته لزيارة ابن عمه الذي تعرض لحادث منذ سنة ولا يزال في المستشفى، في الطريق حكى لي أسباب الحادث ومسبباته، ذلك الحادث الذي قد يتعرض له أيٌ منا، فيكون مصيره كمصير ابن عم الصديق أو أشد.

ولا أعلم ما الذي دفعني لتقمص دوره، وكأني من تعرض للحادث، وكأننا ذاهبان لزيارتي لا زيارته، لذا انتابتني رهبةٌ من معرفة حالته الأخيرة.

دخلنا عليه تباعاً، شابٌ في العقد الثاني من العمر ممدد على السرير، مددتُ يدي للسلام، لم يستجب، فلم يمد يده ليصافحني، ولكنه اكتفى بابتسامة وبعبارات الترحيب، وفي ثنايا الحديث تبين لي أنه يعاني من شلل كلي، وأن العضو الوحيد الحي في جسمه هو رأسه، ونتيجة لذلك لم تصدر منه أية حركة غير الكلام، وسرد تفاصيل الحادث.

هنا بدأتُ في نفسي بطرح مقارنة بين حالته قبل الحادث وبعده، فمن شابٍ بعنفوانه وقوته وجاذبيته، يرى مستقبله المشرق في انتظاره، إلى مشلول الأطراف والآمال، وإلى رقم بلا قيمة في حياة أسرته ومجتمعه، وإلى شابٍ دفن مستقبله قبل أن يُدفن.

حاصرتني أسئلة كثيرة، عن شعوره وإحساسه، وعن نظرة الناس له بعد الحادث، وعن نظرته للمستقبل، ولأنها أسئلة غير لائقة في هذا المقام، لم أطرحها إلا على نفسي، ولأن حالة التقمص لم تكن حقيقية، صعب علي بلوغ إحساسه وشعوره، واكتفيت بشعور الحزن والأسى على شابٍ في مقتبل العمر، حكم عليه القدر بأن يعيش مشلولاً، فيما تبقى له من رصيد العمر.

خرجتُ من المستشفى حاملاً معي تساؤلاتي الكثيرة، سارحاً في عالمي الافتراضي، باحثاً عمن يوصلني إلى الإحساس والشعور عندما نكون معاقين، عندما يُنظر إلينا بعين الشفقة والرحمة، لا بعين الاحترام والتقدير، وعندما نُركن في الزوايا بلا دور ولا أهمية، وعندما نكون عالة على الأحباب لا سنداً ولا ذخراً لهم.

بعد هذا الموقف بدأت بحثي الدؤوب عنهم في كل الأماكن والمناسبات، وأصبحتُ أطيل النظر إلى تفاصيل تصرفاتهم، لعلي أستخرج منها إجابات أسئلتي الضائعة، ولعلي أعرف شيئاً عن عالمهم الخفي بالنسبة لي.

ساعدتني ذاكرتي على استرجاع بعض صورهم، كصورةِ زميل الدراسة حين يُشبعه المُدرس ضرباً وبصفةٍ يومية، كونه لم يحفظ ما طُلب منه، والحقيقة أن سبب صمته عن التسميع، هو حالة الانطواء المرضية التي لازمته، والتي تجعله حبيس الصمت مع أي محيطٍ إلا أسرته والمقربين منه، وتكرار تلك الصورة لأكثر من سنتين دون إدراك هيئة التدريس لحالته الصحية، رسخت في مخيلتي جهل وتخلف منظومة التعليم لدينا.

وصورة ذلك الطفل المرمي في ساحة البيت، وكأنه يريد مخاطبة أقرانه، ليلعب أو يتبادل الحديث والضحك معهم، هكذا كانت توحي نظراته وتلويحاته، فعندما نضحك يبادلنا الضحك، وعندما نركض تلاحقنا نظراته ولكنها لا تقوى على الإمساك بنا، لأننا تجنبناه غير مدركين لما يختلج في صدره، وحركته المتواصلة لم تفلح في إيصال أية رسالة مفهومة، فكان بعضنا يتفنن في الاستهزاء والنيل منه، والبعض يتعمد اجتنابه والابتعاد عنه.

وصورة ذلك الطفل المقيد بالسلاسل أمام البيت، خوفاً منه أو خوفاً عليه، خوفاً أن يُؤذي أو خوفاً من أن يُؤذى، والغريب بأني لم أسمع أو أرى منه ما يثبت تخوفهم، ولكنه وكأي سجين مقيد كان دأبه التخلص من قيوده، لذا لم يكف عن الصراخ، ومحاولة الهروب إلى حيث لا يدري، فبأي ذنبٍ يُقيد طفلٌ كهذا.

آلمتني تلك الصور حين استحضرتها، لقسوة المحيطين بهم، فبدلاً من مساعدتهم والأخذ بأيديهم، يكونون عاملاً إضافياً لشقائهم وتعاستهم، وسبباً في منعهم من مجرد الإحساس بمن حولهم، فضلاً عن البحث لما يجلب السعادة والطمأنينة لهم.

من شرفة السكن الجامعي، رأيت مجموعة من المكفوفين، وقد جاؤوا لحضور فعالية تخصهم في الجامعة، ولحسن حظي أنهم كانوا يمرون أمام الشرفة يومياً ذاهبين إلى المطعم أو عائدين منه، مرةً سمعتُ تعليقاتهم المضحكة، ومرةً سمعت أغانيهم الرائعة، يمشون في طابور منظم، وأجمل ما فيهم أنهم لا يكترثون لنظرات من حولهم، وهذا ما كان يجعلهم أكثر عفوية وانطلاقاً، ولذا نراهم أكثر فصاحة وأبلغ حديثاً، رأيتُ السعادة تغمرهم والفرحة تلازمهم، ورأيت همماً عالية وطموحاً واضحاً، ولا أبالغ حين أقول بأني لم أر في حياتي مجموعة من الشباب، بهذا الانسجام وبتلك الروح.

وفي أحد المطاعم وبينما أنا في انتظار الوجبة، إذا بطفلٍ يقترب جاراً كرسيه المتحرك، محاولاً لفت انتباهي وإحداث أي حوار، فرغم رعشته المستمرة، وفقده الاتزان والسيطرة، إلا أنه يحمل في ثناياه صفةً فطريةً في البشر، وجرأةً في الإقدام يفتقدها الأصحاء، صافحته ملامساً تلك اليد الضعيفة، وتلك الأصابع المتشابكة، وعانقتْ عيني تلك العين البريئة، الممتلئة بالفطرة والحب.

عندها حاولت مجاراة تلويحاته فلم أفلح واكتفيت بالمتابعة والابتسامة، وقام “النادل” بما لم أستطع، فظلا يتخاطبان بلغة الإشارة التي لا أفهمها، والمفاجأة حين أخرج هاتفه من جيب الكرسي، وبدأ في كتابة بعض عبارات الترحيب، فكلما كتب كلمةً رمانا بنظرةٍ منتظراً ردة الفعل، وكلما أبديت إعجابي بما يكتب، طار فرحاً محدثاً ضحكات مدوية، مصحوبةً برقصة الفوز، وكأنها جائزته المستحقة، ووقود جهده المبذول، فكان ذلك درساً مجانياً لي في كيفية التعامل معهم، ومدى تأثير التشجيع والتحفيز على نفسياتهم.

توالت الصور والمواقف التي جمعتني بتلك الفئة الرائعة، فكانت أكثرها روعة مشاهدتهم على منصات التكريم، خريجين من جامعةٍ أو كلية، أو موظفين استحقوا التميز فالتكريم، وأكثرها قسوة عندما رأيتهم يُمنعون من فعل ما يودون، خوفاً عليهم أو خوفاً من نظرة الناس، غير مدركين للأثر النفسي السلبي لفعلتهم.

تخيلتُ إحساسهم لو أنهم ولدوا في مجتمع يتقبلهم ويُراعي وضعهم، فيعاملون معاملة الأسوياء حينها سيكون دور المجتمع تسهيل الحياة عليهم من خلال توفير وسائل يحتاجونها، تعويضاً للنقص الجسدي عند كلٍ منهم، وتمهيداً لقيامهم بدورهم الطبيعي في مجتمعهم ومحيطهم، مطلقين العنان لعفويتهم البريئة، كاسرين أي قيد يمنعهم من الفرح والمشاركة والتعبير، مؤمنين بالقدر الذي قد يجعل من أي شخصٍ معاقاً مثلهم أو أسوأ.

عندها ستغمرهم أحاسيس البهجة والسرور، والثقة بالنفس، ونسيان كل عراقيل الحياة ومعوقات الجسد، وحب المجتمع والمحيط الإيجابي الذي غمرهم بالمساندة والعون، والذي يدفعهم إلى المكان الطبيعي لأي فرد فيه، حيث العمل من أجل تقديم الأفضل للوطن الغالي.

(ودامت أحاسيسكم مفعمة بالحب والامتنان)

سوق رمضان

20120718-235325.jpg

بعد جولتها حول شهور السنة، ها هي طائرة الأيام تهبط مجدداً حيث أريد، وها أنا ككل مرة، أتلهف شوقاً لدخول ذلك السوق العامر، حيث الخير حاضر والربح وافر، وحيث تزداد الطاعات وتكثر النفحات، وحيث الأجر مضاعف والشياطين أضعف، وحيث الدمعة أقرب للعين من ذي قبل، وحيث موائد الرحمان تفرش في كل الأنحاء، ذلك هو سوق “شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن”.

السوق الذي تجارته مع الله مباشرةً، وسلعه كثيرة، منها الصلاةُ والصومُ والصدقةُ، وسائر العبادات التي تقربنا من الخالق، ويكفيك أن تعلم بأن قيمة الصوم مجزية جداً، فالمكافئ هو الله، مصداقاً لقوله تعالى في الحديث القدسي: “كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به”، وسنستلم قيمة الصوم كاملة يوم القيامة، بلا نقصان أو تنقيص.

ولمن يبحث عن العروض، ففي رمضان عرض لا يُفوت، انه عرض “ليلة القدر” وما أدراك ما ليلة القدر، تصور عبادة ليلة تكون خير من ألف شهر، وألف شهر تعادل ثلاث وثمانين سنة، وبما أننا أيقنا بأن متوسط أعمارنا بين الستين والسبعين، فإن تلك الليلة كفيلة بحصولنا على أجر عباداتٍ يعادل أجر عبادات سنين أعمارنا، بل وقد يزيد.

إن كانت تلك مكافآتنا المؤجلة إلى يوم الحساب، فهناك أخرى حاضرة وفورية، تستلمها النفس والروح نقداً وعداً، فاسأل العُباد عن سر حبهم للعبادة، واسألهم عن سر شغفهم الواضح لصيام نهاره وقيام ليله، وعن سر بذخ الاطعام وإدامة الصدقة، وعن سر توهج الوجوه نوراً وسكينة.

واسأل المشائين في الظلم إلى المساجد، ما بالهم تركوا الفراش؟!، ولما هجروا الراحة؟!، بما يحسون وما يستشعرون؟!، تبدو دوافعهم عظيمة، ومحفزاتهم جديرة، ولأني أدرك بأن راحة الأنفس وطمأنينتها تنسينا مشقة الأجسام ومتاعبها، من ذلك استنتجت أن السر في راحة النفس وفرحها بعد الخشوع، وبالتالي لذة الطاعة وحلاوة الإيمان، فهما كالشهيق والزفير لعباداتنا، ودونهما تكون عباداتنا بلا روح، وهما جنة المؤمن في الدنيا وربحه العاجل الوافر.

“وكان ابن تيمية يقول: إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة، وقال ثابت البناني: كابدت الصلاة عشرين سنة وتنعمت بها عشرين سنة، وقال بعضهم: سقت نفسي إلى الله وهي تبكي، فمازلت أسوقها حتى انساقت إليه وهي تضحك.”

(اللهم بلغنا رمضان، وانعم علينا بلذة الطاعة وحلاوة الإيمان)