عاشق المحراب

كتبتُ هذه الورقة بعد رحيل ذلك الوقور ذو الوجه المضيء … وكأن نوراً سماوياً قد ارتسم على محياه … وسكينةً ايمانية قد سيطرت على جوارحه …وقلباََ معلقاً بالصلاة قد سكن صدره … فقد عُرف خليلاً للمحراب … في ذلك المسجد العتيق …… فكان دأبه أن ينسل من المجالس … إلى مقامه أمام المصلين … ومما لا يغيب عن مخيلتي رحلة العُمرة التي كان يقود ركب الأهل فيها … في شوقٍ ولهفةٍ نلحظهما على كل جوارحه، وابتسامات روحٍ لم تفلح مشقة الطريق من كتمانها، ظل على حاله حتى شاخ … فسلم الإمامة لغيره … إلا أنه لم ينفصل عن تعلقه والتزامه بركن المسجد الذي اعتاد الجلوس فيه … حتى خُيل إلي في يوم رحيله من الدنيا … وكأن هذا الركن يئن ويبكي صاحبه …

https://youtu.be/_Sclj8EDMh4

عقارب وأقارب

لا أوافق على التعميم المقصود في مقولة “الأقارب عقارب”، وكأنهم يشملون كل قريبٍ في هذه التهمة، وأفضل استبدالها بمقولة “عقارب الأقارب” لما فيها من تخصيص، فكم عقرباً مندساً بيننا، ينفث سمومه كلما تعكرت العلاقات وبدأت المشاحنات، فلا يتردد في إظهار كرهه المكنون، وإشهار حقده الدفين، فيصبح رأساً لتلك الحربة التي تطعننا، وسبباً لقطيعة قد تمتد لفترةٍ ليست بالقصيرة، ولا مجال عندي لتبرير فعلته وإن أحسنتُ الظن حد التعامي، وسيبقى شره هاجساً يؤرقني كلما مرت بنا سحابة سوداء، فللأقرباء حقوق وواجبات وعلى الكل المحافظة عليها كي تستمر العلاقات بقوتها ومتانتها، وإلا فكل منعطفٍ نتخاصم فيه هو منحدرٌ لثوابتنا وقيمنا وأخلاقياتنا، وعلى العقلاء التدخل في هذه المعارك فهم الدرع الأخير لتقريب وجهات النظر وبالتالي اجتناب تلك الفجوة البغيضة فالبقاء على ما تبقى من حب وود قبل بلوغ ذلك السُم حداً مميتاً …

فيديو : عقارب وأقارب

عقارب وأقارب

صورة مشوهة

قضيت أيامي متجنباً محادثته … فكيف أساير من لا أتقبل صفاته المَقيتة وكل ما ورد إلى مسمعي من نعوتٍ تسيءُ أخلاقه وأفعاله… وبعد سنين وبعدما ثبتت تلك الصورة السوداوية في مخيلتي … شاء الله أن ألازمه مغرماً ولعدة أيام … فإذا به شخصاً غير الذي اعتقد … فقد أشرقت ملامحٌ حميدةٌ لم أتوقعها فيه … لذا ظننتُه ممن يتوارى خلف قناعه كي يحجب عني صفاته المذمومة … لكنه ظل يوماً بعد يوم يبدد تلك الشكوك … لدرجةٍ مزق فيها فكرة القناع من مخيلتي … فالأقوال تكشف ما في القلوب والمواقف تبين معادن الرجال وأفعالهم … حفزني ذلك وشجعني على تتبع ما أختزل في ذهني عنه … فإذا بأصل المشكلة … أني تبنيت وجهةَ نظرٍ فيه … على ضوء ما سمعته ممن لم يتوارى في تشويه سمعته بكل ما استطاع من أشكال التدليس … وللأسف … اني اعتقدت بها … وتعاملت وفقاً لها… إلا أني وبعد معرفتي لحقيقة الرجل الناصعة من تلك الأدران تعلمت درساً جديداً وثميناً من دروس الحياة … وهو أن انطباعاتنا عن الأشخاص تكون عادةً بناءاً على تلك الصورة التي طبعت عنه وفق نية المتحدث ومآربه … أي بعدسته … ومدى جودتها … ومدى صدقه في نقل الصفات الحقيقية لنا … ومدى حبه أو كرهه للموصوف … وحاجاته النفسية الدفينة التي دفعته للمبالغة في الذم … كالحسد أو الغَيْرة أو تصفية حسابات قديمة … فنتعامل معه طبقاً للقطة المأخوذة من تلك الزاوية القاتمة … وتصبح بالتالي علاقتنا به ضحيةً لمآرب ذلك المغتاب النمام … فتنمو فينا بوادر النفور والضغينة … إلا إذا أخذنا على عاتقنا أخذ صورة أكثر وضوحاً وباستخدام عدستنا الشخصية … بأن نتقرب منه ونتعرف عليه … نحادثه ونجالسه … وننتظر دوران دواليب الأيام كي تخبرنا فيما بعد عن معدنه … هنا قد تطول المدة لكننا سنحصل على الجودة المطلوبة كوننا قمنا بالتقاطها من الزاوية المضيئة فتنكشف لنا كل الجوانب دون زيف أو مبالغة … وفي حال تَعَذُر تقربنا أو تعرفنا … فلنكن أكثر انصافاً ولنمزق تلك الصورة المشوهة من أذهاننا ولسبب وجيه ومنطقي … وهو عدم معرفتنا بمصداقيتها … ولنجعل أهم قواعد علاقاتنا بالآخرين هي قاعدة لا قيمة لما سمعنا ما لم نرى بأم أعيننا !!!

فيديو : صورة مشوهة – من أوراق إسحاق

عزة النفس

هو الشموخ الذي يجعلك كالجبل أمام عواصف الحياة ومتغيراتها … وتلك القوة التي تستمدها عندما تواجه من يحاول استصغارك … وهي تلك الأسلاك الشائكة التي نصبتها حولك كي تمنع المتطفلين الاقتراب من خصوصياتك … بل هي نارك المشتعلة على الدوام … تدفء بها نفسك ومن عرف قدرها بينما تحرق نفوساً حكمتها العنصرية والتعالي على غيرهم … فهو كنز وراثي مخبأ في أعماقك ونهر جاري في أوردتك لذا هو الزر المتحكم بعلاقاتك وبوصلة وصولك إلى عزة النفس وكرامتها …

وأُكرِم نفسيَ أن أُضاحِك عابسًا … وأن أَتلقَّى بالمديح مُذَمَّما

وكم نعمةٍ كانت على الحُر نقمةً … وكم مغنمٍ يعتَدُّه الحرُّ مَغرما

وإني لراضٍ عن فتًى متعففٍ … يروح ويغدو ليس يملك درهمًا

يبيتُ يراعِي النجمَ من سوءِ حالِه … ويصبحُ طَلْقا ضاحكا متبسما

ولا يسأل المُثْرين ما بأكفِّهم … ولو ماتَ جُوعا عِفَّةً وتكرُّما

وما كل برقٍ لاحَ لي يستفِزني … ولا كل مَن لاقَيتُ أرضاه مُنْعِما

القصيدة للشاعر : علي بن عبد العزيز القاضي الجرجاني

فيديو … عزة النفس …

من أوراق إسحاق

أوراق كتبتها في زمن ما … وخبأتها في دهاليز الماضي … وحين استذكرتها وجدت فيها ما يصلح للنشر … إما تجربةً تعلمت منها أو موقفاً مؤثراً وإما خلاصةَ درسٍ مما تعلمته من الحياة … أو ورقةً نزفت عليها دموع الحزن أو نثرت فيها ورود البهجة والانشراح … أو مشهداً استوقفني ودفعني للتفكر والتدبر وقد تكون صفحةً حديثةَ المولدِ انضمت إلى أخواتها واستحقت الظهور … وسأزينها بأبياتٍ شعرية قد تثري الموضوع أو تكمل الفكرة الأساسية … مع العلم بأن في هذه القصاصات التي رشحتها … الكثير مما لم أقل وان كانت السطور ملأت حروفاً … فلا يزال ما لا أستطيع ترجمته حبراً على الورق.

مقدمة – من أوراق إسحاق.

https://youtu.be/uaDU_fO0pUs

“واو” الواسطة

“واو” الواسطة !!

خيرتني بين حروف الهجاء، فاحترتُ وفضلت التمعن والتفكير، أسماء ووجوه وأماكن كثيرة مرت أمامي في تلك اللحظة، وزادت حيرتي كلما تذكرت جديداً منها فهي الموجودة في خاطري والراسخة في ذاكرتي، لذا قررت ترك الموجود والبحث عن حرف مفقود او مفتقد بالنسبة لي.

هنا لم أمكث كثيراً حتى وجدتُ ضالتي، فأنا أفتقد حرف “الواو”، وما أدراك ما ال”واو”؟!، هو ذلك المارد المسيطر على علاقاتنا بمن حولنا، فصاحب “الواو” ميسرٌ شؤونه وأموره في كل الأحوال، وهو من نحتاجه في الملمات عندما تشتد بِنَا الحاجة إلى مُخلص فوق العادة، أو إلى منقذٍ ينتشلنا قبل الغرق في دوامات التعقيدات والإجراءات.

ولا أكتمكم سراً عن فشلي طوال سنين عمري في الحصول على واوٍ ذي مكانةٍ مفيدة، فكل واوٍ أعرفه محدود الإمكانيات والعلاقات، وقليل القدرات في مواضع الإنقاذ والإسناد، فلا يملكون القوة المطلوبة لإنهاء المعاملات، ولا هم ذو شأنٍ عند أصحاب الكراسي والمناصب، فمظهرهم الخارجي يوحي لك وللوهلة الأولى بأنهم ذو مكانةٍ عظيمة، ولكن المواقف تكشف مستورهم حين يكونون صفر اليدين لدعمك في حاجتك.

لا ألومهم على ضعف إمكانياتهم “الواوية”، ولكن ألوم نفسي الأمارة بالسوء التي جعلتني حبيس إمكانيات غيري ومكانتهم، وليتني او ليتنا نعيش حياةً اعتيادية خالية من تعقيدات “الواو”، وليت شؤوننا تُيسر لكفاءتنا او استحقاقنا لها دون سلب الفرصة من أيدي غيرنا، ودون اغتصاب حقٍ هو ليس لنا.

شئنا أم أبينا هي سرقةٌ لمقدرات الوطن من حيث لا ندري، فعندما نفرط في استعمال “الواو” من أجل الحصول على وظيفة لقريب او صديق، مع وجود من هو أكفأ منه وأجدر، سيخسر الوطن من طاقاته البشرية المبدعة لان صاحب الابداع رُكن ليحل محله صاحب “الواو”.

ولأننا جميعاً نبحث بالطريقة ذاتها عن المُسرع والمُخلص، سنعيش في نفس الدوامة، وسنساهم في نزف ابداعات البلد، وسنسلب الكثير من حقوق غيرنا، ولن نستشعر المرارة إلا اذا كنا في موضع الضحية، حين يُسلب منا حقُ استحقناه وحصل عليه غير مستحقيه، حينها سنتجرع أقصى أنواع الألم النفسي.

سوف ينتابنا كرهٌ لا شعوري لهم، ولن ننسى حقنا المسلوب وان حصلنا عليه او على غيره فيما بعد، تلك الحالة يعيشها الكثيرون من أصاحب الحقوق او الابداع من الذين انتزع حقهم، والايام والسنون ليست كفيلة بإقناعهم نسيان هذا الجرح والمضي قدماً في ساحات البناء والإنتاج.

وليتنا لا نخلق طابوراً خامساً من لحمنا ودمنا، نظنه سعيداً كالباقين في هذا الوطن المعطاء، ويظل يعيش بيننا بإحساس صاحب المظلومية الذي لم يُرِد له حقه، تائهاً بين مشاعر متناقضة وفضاءات فيها الكثير من النظرات السلبية، ولن يعيد الدهر حقاً سلبه أصحاب “الواو”.

ولن نمضي بالوطن بخطوات ثابتة ومتسارعة نحو اهدافنا وطموحاتنا العظيمة، ما لم نحافظ على ثرواتنا البشرية المبدعة حين نمكنهم من تبوء ما يستحقون تبوءه، وحين نعطيهم مكانتهم الحقيقية في لبنة بناء الوطن بكل حيادية ودون تمييز.

ودامت أموركم ميسرةً دون الحاجة إلى “واو” الواسطة”

انكماش على النفس

في مرحلة العنفوان نميل ونندفع لتكوين العلاقات، والتعرف على أشخاص جدد، ونظل نملأ خانة الصداقة بالكثير ممن مروا بحياتنا أو مررنا بتفاصيلهم التي جعلتنا نتمسك بهم كأشخاص لهم أهميتهم في حياتنا، إلى أن أُحطنا بجدارٍ من الارتباطات والالتزامات نحوهم، من ضرورة معرفة اخبارهم والسؤال عن جديدهم، والتعاطف مع أحزانهم والبهجة بأفراحهم.

كلها سلاسل تجرنا وتقيدنا من أجل علاقة صداقة مثالية، وتضعنا في محور يصعب الخروج منه، فأنت الملام والمقصر إن فوت واجباً من واجبات الصداقة، لذلك نلتزم بها راجين نيل منزلة الصديق الصدوق المخلص والمضحي، وقد نتجاوز الحد الطبيعي من إعطاء الصداقة مكانتها الى تهميش حقوق الاسرة والتزاماتها.

وهو الجدار نفسه الذي يمنحنا شيئاً من الطمأنينة والراحة النفسية، فأنت محاط بأشخاص يهمهم أمرك، وأنت محل تقديرٍ بالنسبة لهم، يُسأل عن غيابك، ويُرحب بحضورك، ويُستأنس بحديثك، وتستفيد بآرائهم المطروحة، وتألف مجالستهم، فأنت في حاضنةٍ اجتماعية يحتاجها كل إنسان بالفطرة.

وهو السر في احساسنا بالأمان الداخلي الذي يمكننا من ممارسة طقوسنا اليومية دون رهبة من الاختلاط بالأشخاص، والتعامل مع الغرباء اذا اقتضت الحاجة، والذي قد يفتقده الكثير ممن ترهبهم التجمعات وتزعجهم التدخلات في شؤنهم اليومية، ويربكهم الحديث مع من يلتقونهم لأول مرة، وقد تزول تلك الأعراض مع مرور السنين وزيادة مخالطة الأشخاص.

والنفس البشرية تحتاج في بعض الأحيان شيئاً من العزلة عن محيطها والانكماش على النفس، فكلما تقدمنا في العمر زاد حملنا من المسؤولية والالتزام، وكلها ضغوط تؤثر على صحتنا ونفسيتنا، وللنفس لياقةٌ كلياقة البدن، تتصاعد وتزداد مع التجارب والخبرات إلا أنها تحتاج إلى محطاتٍ للراحة والاسترخاء تمكنها من المحافظة على لياقتها النفسية في مستوى يسمح لها بالاستمرار بنفس الوتيرة.

وقبل الولوج الى هذه المحطة عليك إعطاء كُلِّ ذي حقٍ حقه، سواءاً حقوق الأسرة والوالدين، وحقوق الأرحام والأصدقاء، ومسؤوليات العمل وواجباته، بعدها عليك مراعاة حقوق نفسك، فلنفسك عليك حق، وحقها ان تهديها تلك المحطة.

محطةٌ تصحب فيها نفسك إلى عالمك الخاص، لا التزامات لا ضغوط ولا تدخلات، تمارس فيها ما تحب أن تمارسه من هواياتك المحببة، وتتلذذ بما تحب من الطعام، وتقض وقتاً مستمتعاً بجمال الطبيعة ومستنشقا هواءاً نقياً وصافياً، تبعد فيها عن ما يعكر صفو مزاجك، وتنفض الغبار عن شوائب قلبك ومخيلتك، وتركن كل خيباتك وآلامك جانباً.

في تلك اللحظة أغمض عينيك وكأنك فوق غيمة ماطرة، واستحضر لحظاتك الآسرة منذ طفولتك، وكأنك تلامس النجوم وانت في احضان أمك، وكأنك تلهو وتلعب وتتعب لترتاح وتعود الى لعبك المعتاد بلا منغصات ولا هموم، وعد إلى عنفوان شبابك وكأنك تعشق القمر، وكأن القمر لا يرى سواك، واستذكر قصائدك وأشعارك التي كنت ترددها، واستخرج رسائلك المخبأة في ثنايا نفسك.

وقبل أن تغادر المحطة ناظر مستقبلك الجميل وانت على يقين بأنك تمضي الى غدٍ أفضل وأجمل وأروع، ارسم طريق السعادة، وأعد حساباتك بواقعية وحسب معطيات حياتك، وأعلم أنك في استراحة محاربٍ في الحياة لا هاربٍ منها، وفي انتظارك واجباتٌ والتزاماتٌ لن يقوم بها غيرك.

وتأكد بأن الوجوه التي غادرتها من أجل هذه اللحظة هي في شوقٍ إلى عودتك، ولا تقوى بعدك وفراقك، وانت الأهم بالنسبة لهم، وأَعلمُ انك تبادلهم نفس المشاعر والاحاسيس، وأن الاشتياق قد توغل إلى داخلك، فهم الأحباب وقرة العين، وهم سر السعادة وبهجة الحياة.

وكأني بك تهرول مسرعاً إلى حيث منه جئت، الى مسكّن النفس والروح، الى الأنس والاستئناس، إلى منبع الحب والاخلاص، الى أولئك المشتاقين والمتشوقين لرؤيتك، بعدما جددتَ النفس ونقيتها وصفيتَ البال وأرحته، وعدت بكامل حبك وعنفوانك لممارسة حياتك والإيفاء بواجباتك والتزاماتك.

ودام عنفوان حياتكم بعيداً عن ما يعكرها …

قلبي اطمأن

يهيم بين البلدان حاملاً حقيبته المليئة بكل معاني الانسانية، ويرسوا بِنَا الى لحظة يخفق بها القلب حباً وايثاراً وعطاءاً قل نظيره، لتشرق ابتسامة معدم ومعوز تكالبت عليه المصاعب حتى كاد ينسى لحظات الفرح ومعنى الابتسامة، ويسرق انتباهنا عن تفاهات الشاشات ليغمرنا بفحوى أقل ما يقال أنه صادق وحقيقي.

وكغيث السماء أطل علينا غيث بوجهه المجهول، هكذا أراد أن ينسب كل ذلك الى أصل الخير بدواخلنا، فكأننا نحن المبادرون ونحن المتصدقون، ونحن المتجولون بحثاً عن إنسان ينتظر الفرج قريباً، فأشبع بذلك رغباتنا الفطرية في العطاء والمساعدة، ونجح في توجيه انظارنا الى أماكن وشخوص لم نكن نتوقع حالهم الرث وحاجتهم الى اقل القليل.

وقد علمت وأيقنت مدى تأثير الاعلام علينا سلباً ام إيجاباً، حين نجح هذا البرنامج في تحريك دموعنا ومشاعرنا نحو حالات إنسانية تجعلنا نتمنى أن نكون هذا الغيث الذي هطل عليهم في حين غرة، كما تجعلنا نرغب في احتضان دموع فرحهم في نهاية المطاف، بان يلفت انتباهنا الى معنى حقيقي من معاني الانسانية وان يغرس فينا بذور الخير وفعله.

واطمأن قلبي وكل جوارحي حين تابعت مدى التفاعل الإيجابي غير المسبوق مع كل الحالات التي عُرضت، وحين قرأت معظم التعليقات علمت بأن رسالة القائمين على البرنامج قد وصلت بكامل معانيها الانسانية والمنزوعة من أي دوافع وأهدافٍ جانبية، وهذا ما تلمسته من حرص غيث في البقاء مجهولاً الا من فعله النبيل ومن احساسه الصادق لذا وصلنا كما أراد صادقاً نقياً من الشوائب والمصالح.

ويعلم الله بأني ما كتبت هذا الموضوع إلا لأن البرنامج لامس إنسانيتي ومشاعري، فسلامٌ على كل من غرس بذور الحب والعطاء فينا، ودعاءٌ من القلب لكل قلبٍ يحمل بين جنباته هم إنسانٍ رمت به أهوال الحياة بعيداً عن الراحة والاطمئنان، وأرجو من الله الولي القدير أن يجازي كل فاعل خيرٍ على فعله، وأن ينال ثواب الدال على الخير كل من ساهم في نشر هذا العمل الإنساني الخيري.

كلمات في رثاء والدي 

إلى أعز عزيز على قلبي … 

لا يكفي هطول دموع العين مدراراً للتعبير عن فقدك، ولا النحيب يوفي حقك ومكانتك، والحزن كلمة ضائعة لما بالقلب من كمد وأسى، وليت الكلمات تسعفني في هذا المقام الجلل.

أبي … 

لقد جف قلمي منذ رحلت، ونضبت كل المفردات في خاطري، وغابت عني بهجة الحياة، رحلت وتركت فراغاً شاسعاً كنت تملؤه حباً ووداً وشموخاً.

وبينما تمضي بِنَا الأقدار إلى حيث كتبها الله، ستبقى مآثرك سراجاً نستنير به في ظلمات الأيام وغياهبها، فأنت من زرعت وأنت من تعبت وأنت من سهرت، ونحن من حصد نتاج زرعك وتعبك وسهرك.

افتقدك كثيراً وأكثر مما يستوعبه الفقد، وأُصبر نفسي على لوعة الفقد بروعة ذكرياتي معك، لذا هي محفورةٌ دون غيرها وراسخة دون سواها، ولكل ذكرى معك بروازٌ يزين مخيلتي حين استرجع الماضي.  

فطيفك مصاحب لي منذ كُنتُ طفلاً، ودروس الحياة التي أستمدها منك لازالت تنهمر علي، ولها البصمة الواضحة فيما اتصف به من محاسن، وما مساوئي إلا مما جنته يدي عندما غفلت عن مبادئك وأخلاقك ودروسك.

وسبب رغبتي الدائمة في استرجاع الماضي هو رغبتي في لقائك، ولاستشعر كل لحظة كُنتَ تنثر فيها ورود الحب والعطاء، ولكي أجدني معك في حلك وترحالك، في فرحك وحزنك، في تعبك وراحتك، ولكي أحرر نفسي مما حل بها بعدك.

أبي … أتذكر ذلك الماضي الجميل … ؟!

حين كُنتَ تمسك يدي لنعبر الشارع الى المسجد، فكم أفتقد ملمس يداك الذي كان يمدني دائماً بالأمان والاطمئنان، وكم اشتاق لهمساتك حين ترى أخطائي وترشدني إلى الصواب من القول أو الفعل أو السلوك. 

 وحين كُنتَ تتبعني لعتبة الحافلة كي تودعني، ولكي تُخرج من جيبك قلماً ومحايةً لأنك تَوقعتَ أني بحاجة لهما، ولم أكن قد أبديت لك حاجتي، ولكنك بمحض استشعارك علمت بذلك.

لقد كُنتَ منبع الأخلاق الذي نتعلم من صفاته، لذا كُنتَ رحيماً عطوفاً مع الضعيف وَذَا الحاجة، وكُنت صارماً حازماً في دفاعك عن الحق، وكُنتَ للقريب عوناً ورفيقاً، وكُنتَ مع الضيف كريماً ومُرحباً. 

وكُنتَ لكل الصغار أباً حنوناً، تداعبهم وتمازحهم على الدوام، حتى غدوا شباباً يافعين ولازالوا في نظرك أولئك الأطفال المستحقين للمداعبة والملاطفة، لذا بالود بادلوك وبالحب أشعروك.

أبي …

أنت من دفعتني لحب العلم والتعلم، وأنت من تمنيتني في أعلى مراتب النجاح، فَكُل حرفٍ تعلمتهُ هو مدينٌ لك، وكل نجاحٍ لي هو منك.

أذكر حين كُنتَ تنصحني في كل مراحل حياتي، وكأنك تهديني خلاصة تجربتك في الحياة، وما أقساها من تجربة مرت بك، ورغم ذلك كُنتَ شامخاً كشموخ الجبال، لا تزعزعك تقلبات الحياة ومرارتها.

وكأني أشاهدك أمامي الآن وأنت تمسك عصاك وباليد الأخرى عشاءك وتمضي إلى حيث تقضي الليل مستقيظاً وبينما تنام المدينة في سبات عميق، تسهر حارساً للمحكمة، ومحاكياً مستقبلنا الذي تَمَنيته لنا.

وكُنا الغافلون بلهونا الفطري عن أحلامنا التي تمنيتها لنا، الأحلام التي جَعلتها أسمى أهداف حياتك، وما كان لنا أن نحقق شيئاً منها لولا إصرارك وحثك المستمر لنا لتحقيقها، ولولا ما وجدناه من إيمان ويقين كامنيين لديك بإمكانية بلوغ تلك الأحلام. 

وكأني أُلازم طيفك إلى مجالس الرجال، وإلى درسٍ جديد أردتَ تلقينه لي بأسلوبٍ عملي، فمجالسة الرجال كفيلة بالتحلي بصفاتهم والأخذ من طباعهم، والاستماع إليهم كفيلٌ بغرس الكثير من القيم والمبادىء.

فبعدك كل مجالسنا فقدت رونقها وكل جلساتنا خف بريقها، وكل الأعين أظلم نورها، فلا حديث يعلو على حديثك، ولا صوت يحلو إلا صوتك، ولا حنين يفوق الحنين إليك. 

أبي … 

لقد تسارعت الأيام وأنت تعبر بِنَا عباب السنين في حلوها ومرها، فقد كُنتَ رباناً ماهراً تخوض أعتى موجات المصائب بثبات وقوة حتى لا نَشعر بالخوف والضعف، وحتى تبقى سفينتنا في سيرها الصحيح نحو ما تمنيته لنا.

 وليتنا حققنا ولو جزءاً مما تمنيت، ويا ليتنا نكون من تمنيتهم، ولكنها الحياة تُسيرنا كيفما تشاء وأينما تريد، لذا قد لا نكون من تمنيتهم وبدرجاتٍ متفاوتة.

 ولكننا على العهد ماضون، بأن نبقى الأوفياء لك ولذكراك، وبأن نستظل بمكارم أخلاقك نحن وأبناؤنا، وأن نحافظ على إرثك الحقيقي الذي زرعته فينا من حب وود وإخلاص.  

أبي … ووالدي … وأعز الأحباب إلى قلبي … 

أدعو الله عز وجل أن يسكنك فسيح جناته، وأن يغفر عن زلاتك وخطاياك، وأن يطهرك من ذنوبك كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، وأدعوه جل علاه أن يجعل قبرك روضة من رياض الجنان، وأن يوفقنا للبر بك في كل خير يرضاه وفي كل طريق يصل مثوبته إليك. 

اللهم ارزق والدي الفردوس الأعلى من الجنة. 

فيديو كلمات في رثاء والدي

حجة بحضرة المهدي !

  
بينما تطير بِنَا الطائرة إلى ربوع الإيمان والروحانيات، يهمس لي من جلس بجانبي: هل تفقه مناسك الحج جميعها؟!، وحتى لا أقع في فخٍ من الأسئلة الطويلة جاوبته بالنفي، وبعثت شيئاً من الطمأنينة إلى قلبه حين قلت: لا تقلق فحملة الحج تتكفل بالواعظ الذي سيلازمنا حتى انتهائنا من المناسك. 

فحال غالب مؤدي الحج للمرة الأولى كحال السائل، درسنا المناسك في حصص التربية الاسلامية بل وحفظناها، ولكن وبمجرد تسليمنا ورقة الاختبار في نهاية العام الدراسي، يكون مصيرها كمصير المعلومات الغزيرة التي هطلت علينا خلال الموسم، ولأنها موسمية فإنها لن تؤتي أوكلها كل حين.

وفي المدينة المنورة، جاورني جارُ مقعد الطائرة في طابق السكن المخصص لنا، فكنا نجتمع عند الوجبات ونتبادل الحديث والنقاش، وما لفت انتباهي سكوته واصغاؤه للحوارات الجدلية، دون أن ينطق ببنت شفةٍ، اعتقدت غير جازم أن سبب سكوته عن الخوض وإبداء الرأي هو ضحالة ثقافته وقلة إطلاعه، وكأني أصغي إلى لسان حاله وهو يقول: ما لي ولهذا البحر الذي لا أجيد ركوب أمواجه المتلاطمة.

والمؤسف أن محاور النقاش في غالب الحوارات لم تكن مفيدةً لنا في مناسكنا، ولم تقدم لأحدنا ما يثري معلوماته، أو يصحح اعتقاداته الخاطئة، بل كانت جدلية في أحيان وتحريضية على المخالفين لنا في أكثر الأحيان، لدرجةٍ انبرى فيها أحد المحاورين ليعطينا دروساً عفويةً عن منهج المخالفين وما يعتقدونه، كاعتقادهم وتصورهم الخاص عن المهدي المنتظر.

وفي إحدى المرات افتقدتُ ذلك الساكت المنصت، فلم يشاركنا الفطور أو الغداء، وبسؤال زميله في الغرفة أفاد بأنه لم يرجع منذ ذهابه لصلاة الفجر، فحسبته فضل المكوث في مسجد رسول الله، في ذلك الجو الروحاني الذي يحلق بك في سيرته عليه أفضل الصلاة والتسليم، حين تحكي لك المعالم ما قد كان من رسولنا الكريم من مآثر لأجل نشر هذا الدين على العالمين. 

خاب ظني بالساكت حين جاءنا خبر القبض عليه في مقبرة البقيع، لإحداثه فوضى بين طائفة من المسلمين، فقد نادى بهم أنه المهدي المنتظر وعليهم السمع والطاعة، ذهلني ما سمعت وكدت لا أصدق ما يقولون عنه، حتى لحظة إحضاره إلينا بعدما تبين للسلطات بأنه مختلٌ عقلياً، أكدته تصرفاته التالية حين كفرنا تارة وفسقنا تارة أخرى.

لا ألومه بما قام به فقد استراح عقله، ولكني ألوم حواراتنا العقيمة التي غذت عقله الفارغ بما لا يُحمد عقباه، وجعلت منه قنبلة انفجرت على طائفة من المسلمين، وكادت أن تسبب في فتنة لا يُحمد عقباها، وبسيناريو نُسج في عقله الباطن، لتتحكم الفكرة بتصرفاته الجنونية واللا منطقية. 

ومشهد صاحبنا شافاه الله يحدث ويتكرر كثيراً في مجتمعاتنا، ولكن على مستوى أكبر وردة فعل أعنف، فكم من مغفل انقاد من حيث لا يدري إلى حروبٍ طائفية مفتعلة، فأصبح وقوداً بيد أمراء الخراب، يشعلونه متى شاءوا، ويرمونه متى أرادوا، وفي كل الحالات هو أداة لتنفيذ أجنداتهم الشيطانية، وفي اعتقاده الخاص هو جنديٌ من جنود الحق، وكل ما يسعى له هو من أجل تحقيق هذا الحق في وجه الباطل.

وفي الطرف المقابل يتكرر نفس السيناريو، بأمرائهم وضحاياهم، وبأهدافهم واستغلالهم، وبكل الأحقاد التي تُزرع من أجل تحقيق محرقةٍ في نسيج الأوطان، وفي كل الأحوال لا مستفيد ولا فائز، ولا منتصر ولا غالب، فالكل فقد قوة الوطن وتماسكه، والكل افتقد التعايش الذي استمر لقرون من الزمان، وكلٌ له عزيز أو قريب أو صديق قضى غريقاً في وحل الطائفية.

ولكي نحمي مجتمعاتنا من أتون هذه الصراعات الطائفية، علينا أولاً ملء الفراغ العقلي والفكري لدى أبنائنا، بعقيدةٍ إيمانيةٍ وطنية، نضع فيها النقاط الضائعة على الحروف، فالوطن نسيج واحد، لا يمكن تجزأته أو فصله عن بعضه، وعلى الجميع احترام الجميع، من حيث المعتقد والأصل والعرق، وليكن ذلك من أهم ركائز هويتنا الوطنية، ولنعمل جميعاً على تفويت الفرصة على المتربصين بِنَا وبتماسك أوطاننا وترابطها.