“واو” الواسطة

“واو” الواسطة !!

خيرتني بين حروف الهجاء، فاحترتُ وفضلت التمعن والتفكير، أسماء ووجوه وأماكن كثيرة مرت أمامي في تلك اللحظة، وزادت حيرتي كلما تذكرت جديداً منها فهي الموجودة في خاطري والراسخة في ذاكرتي، لذا قررت ترك الموجود والبحث عن حرف مفقود او مفتقد بالنسبة لي.

هنا لم أمكث كثيراً حتى وجدتُ ضالتي، فأنا أفتقد حرف “الواو”، وما أدراك ما ال”واو”؟!، هو ذلك المارد المسيطر على علاقاتنا بمن حولنا، فصاحب “الواو” ميسرٌ شؤونه وأموره في كل الأحوال، وهو من نحتاجه في الملمات عندما تشتد بِنَا الحاجة إلى مُخلص فوق العادة، أو إلى منقذٍ ينتشلنا قبل الغرق في دوامات التعقيدات والإجراءات.

ولا أكتمكم سراً عن فشلي طوال سنين عمري في الحصول على واوٍ ذي مكانةٍ مفيدة، فكل واوٍ أعرفه محدود الإمكانيات والعلاقات، وقليل القدرات في مواضع الإنقاذ والإسناد، فلا يملكون القوة المطلوبة لإنهاء المعاملات، ولا هم ذو شأنٍ عند أصحاب الكراسي والمناصب، فمظهرهم الخارجي يوحي لك وللوهلة الأولى بأنهم ذو مكانةٍ عظيمة، ولكن المواقف تكشف مستورهم حين يكونون صفر اليدين لدعمك في حاجتك.

لا ألومهم على ضعف إمكانياتهم “الواوية”، ولكن ألوم نفسي الأمارة بالسوء التي جعلتني حبيس إمكانيات غيري ومكانتهم، وليتني او ليتنا نعيش حياةً اعتيادية خالية من تعقيدات “الواو”، وليت شؤوننا تُيسر لكفاءتنا او استحقاقنا لها دون سلب الفرصة من أيدي غيرنا، ودون اغتصاب حقٍ هو ليس لنا.

شئنا أم أبينا هي سرقةٌ لمقدرات الوطن من حيث لا ندري، فعندما نفرط في استعمال “الواو” من أجل الحصول على وظيفة لقريب او صديق، مع وجود من هو أكفأ منه وأجدر، سيخسر الوطن من طاقاته البشرية المبدعة لان صاحب الابداع رُكن ليحل محله صاحب “الواو”.

ولأننا جميعاً نبحث بالطريقة ذاتها عن المُسرع والمُخلص، سنعيش في نفس الدوامة، وسنساهم في نزف ابداعات البلد، وسنسلب الكثير من حقوق غيرنا، ولن نستشعر المرارة إلا اذا كنا في موضع الضحية، حين يُسلب منا حقُ استحقناه وحصل عليه غير مستحقيه، حينها سنتجرع أقصى أنواع الألم النفسي.

سوف ينتابنا كرهٌ لا شعوري لهم، ولن ننسى حقنا المسلوب وان حصلنا عليه او على غيره فيما بعد، تلك الحالة يعيشها الكثيرون من أصاحب الحقوق او الابداع من الذين انتزع حقهم، والايام والسنون ليست كفيلة بإقناعهم نسيان هذا الجرح والمضي قدماً في ساحات البناء والإنتاج.

وليتنا لا نخلق طابوراً خامساً من لحمنا ودمنا، نظنه سعيداً كالباقين في هذا الوطن المعطاء، ويظل يعيش بيننا بإحساس صاحب المظلومية الذي لم يُرِد له حقه، تائهاً بين مشاعر متناقضة وفضاءات فيها الكثير من النظرات السلبية، ولن يعيد الدهر حقاً سلبه أصحاب “الواو”.

ولن نمضي بالوطن بخطوات ثابتة ومتسارعة نحو اهدافنا وطموحاتنا العظيمة، ما لم نحافظ على ثرواتنا البشرية المبدعة حين نمكنهم من تبوء ما يستحقون تبوءه، وحين نعطيهم مكانتهم الحقيقية في لبنة بناء الوطن بكل حيادية ودون تمييز.

ودامت أموركم ميسرةً دون الحاجة إلى “واو” الواسطة”

انكماش على النفس

في مرحلة العنفوان نميل ونندفع لتكوين العلاقات، والتعرف على أشخاص جدد، ونظل نملأ خانة الصداقة بالكثير ممن مروا بحياتنا أو مررنا بتفاصيلهم التي جعلتنا نتمسك بهم كأشخاص لهم أهميتهم في حياتنا، إلى أن أُحطنا بجدارٍ من الارتباطات والالتزامات نحوهم، من ضرورة معرفة اخبارهم والسؤال عن جديدهم، والتعاطف مع أحزانهم والبهجة بأفراحهم.

كلها سلاسل تجرنا وتقيدنا من أجل علاقة صداقة مثالية، وتضعنا في محور يصعب الخروج منه، فأنت الملام والمقصر إن فوت واجباً من واجبات الصداقة، لذلك نلتزم بها راجين نيل منزلة الصديق الصدوق المخلص والمضحي، وقد نتجاوز الحد الطبيعي من إعطاء الصداقة مكانتها الى تهميش حقوق الاسرة والتزاماتها.

وهو الجدار نفسه الذي يمنحنا شيئاً من الطمأنينة والراحة النفسية، فأنت محاط بأشخاص يهمهم أمرك، وأنت محل تقديرٍ بالنسبة لهم، يُسأل عن غيابك، ويُرحب بحضورك، ويُستأنس بحديثك، وتستفيد بآرائهم المطروحة، وتألف مجالستهم، فأنت في حاضنةٍ اجتماعية يحتاجها كل إنسان بالفطرة.

وهو السر في احساسنا بالأمان الداخلي الذي يمكننا من ممارسة طقوسنا اليومية دون رهبة من الاختلاط بالأشخاص، والتعامل مع الغرباء اذا اقتضت الحاجة، والذي قد يفتقده الكثير ممن ترهبهم التجمعات وتزعجهم التدخلات في شؤنهم اليومية، ويربكهم الحديث مع من يلتقونهم لأول مرة، وقد تزول تلك الأعراض مع مرور السنين وزيادة مخالطة الأشخاص.

والنفس البشرية تحتاج في بعض الأحيان شيئاً من العزلة عن محيطها والانكماش على النفس، فكلما تقدمنا في العمر زاد حملنا من المسؤولية والالتزام، وكلها ضغوط تؤثر على صحتنا ونفسيتنا، وللنفس لياقةٌ كلياقة البدن، تتصاعد وتزداد مع التجارب والخبرات إلا أنها تحتاج إلى محطاتٍ للراحة والاسترخاء تمكنها من المحافظة على لياقتها النفسية في مستوى يسمح لها بالاستمرار بنفس الوتيرة.

وقبل الولوج الى هذه المحطة عليك إعطاء كُلِّ ذي حقٍ حقه، سواءاً حقوق الأسرة والوالدين، وحقوق الأرحام والأصدقاء، ومسؤوليات العمل وواجباته، بعدها عليك مراعاة حقوق نفسك، فلنفسك عليك حق، وحقها ان تهديها تلك المحطة.

محطةٌ تصحب فيها نفسك إلى عالمك الخاص، لا التزامات لا ضغوط ولا تدخلات، تمارس فيها ما تحب أن تمارسه من هواياتك المحببة، وتتلذذ بما تحب من الطعام، وتقض وقتاً مستمتعاً بجمال الطبيعة ومستنشقا هواءاً نقياً وصافياً، تبعد فيها عن ما يعكر صفو مزاجك، وتنفض الغبار عن شوائب قلبك ومخيلتك، وتركن كل خيباتك وآلامك جانباً.

في تلك اللحظة أغمض عينيك وكأنك فوق غيمة ماطرة، واستحضر لحظاتك الآسرة منذ طفولتك، وكأنك تلامس النجوم وانت في احضان أمك، وكأنك تلهو وتلعب وتتعب لترتاح وتعود الى لعبك المعتاد بلا منغصات ولا هموم، وعد إلى عنفوان شبابك وكأنك تعشق القمر، وكأن القمر لا يرى سواك، واستذكر قصائدك وأشعارك التي كنت ترددها، واستخرج رسائلك المخبأة في ثنايا نفسك.

وقبل أن تغادر المحطة ناظر مستقبلك الجميل وانت على يقين بأنك تمضي الى غدٍ أفضل وأجمل وأروع، ارسم طريق السعادة، وأعد حساباتك بواقعية وحسب معطيات حياتك، وأعلم أنك في استراحة محاربٍ في الحياة لا هاربٍ منها، وفي انتظارك واجباتٌ والتزاماتٌ لن يقوم بها غيرك.

وتأكد بأن الوجوه التي غادرتها من أجل هذه اللحظة هي في شوقٍ إلى عودتك، ولا تقوى بعدك وفراقك، وانت الأهم بالنسبة لهم، وأَعلمُ انك تبادلهم نفس المشاعر والاحاسيس، وأن الاشتياق قد توغل إلى داخلك، فهم الأحباب وقرة العين، وهم سر السعادة وبهجة الحياة.

وكأني بك تهرول مسرعاً إلى حيث منه جئت، الى مسكّن النفس والروح، الى الأنس والاستئناس، إلى منبع الحب والاخلاص، الى أولئك المشتاقين والمتشوقين لرؤيتك، بعدما جددتَ النفس ونقيتها وصفيتَ البال وأرحته، وعدت بكامل حبك وعنفوانك لممارسة حياتك والإيفاء بواجباتك والتزاماتك.

ودام عنفوان حياتكم بعيداً عن ما يعكرها …

قلبي اطمأن

يهيم بين البلدان حاملاً حقيبته المليئة بكل معاني الانسانية، ويرسوا بِنَا الى لحظة يخفق بها القلب حباً وايثاراً وعطاءاً قل نظيره، لتشرق ابتسامة معدم ومعوز تكالبت عليه المصاعب حتى كاد ينسى لحظات الفرح ومعنى الابتسامة، ويسرق انتباهنا عن تفاهات الشاشات ليغمرنا بفحوى أقل ما يقال أنه صادق وحقيقي.

وكغيث السماء أطل علينا غيث بوجهه المجهول، هكذا أراد أن ينسب كل ذلك الى أصل الخير بدواخلنا، فكأننا نحن المبادرون ونحن المتصدقون، ونحن المتجولون بحثاً عن إنسان ينتظر الفرج قريباً، فأشبع بذلك رغباتنا الفطرية في العطاء والمساعدة، ونجح في توجيه انظارنا الى أماكن وشخوص لم نكن نتوقع حالهم الرث وحاجتهم الى اقل القليل.

وقد علمت وأيقنت مدى تأثير الاعلام علينا سلباً ام إيجاباً، حين نجح هذا البرنامج في تحريك دموعنا ومشاعرنا نحو حالات إنسانية تجعلنا نتمنى أن نكون هذا الغيث الذي هطل عليهم في حين غرة، كما تجعلنا نرغب في احتضان دموع فرحهم في نهاية المطاف، بان يلفت انتباهنا الى معنى حقيقي من معاني الانسانية وان يغرس فينا بذور الخير وفعله.

واطمأن قلبي وكل جوارحي حين تابعت مدى التفاعل الإيجابي غير المسبوق مع كل الحالات التي عُرضت، وحين قرأت معظم التعليقات علمت بأن رسالة القائمين على البرنامج قد وصلت بكامل معانيها الانسانية والمنزوعة من أي دوافع وأهدافٍ جانبية، وهذا ما تلمسته من حرص غيث في البقاء مجهولاً الا من فعله النبيل ومن احساسه الصادق لذا وصلنا كما أراد صادقاً نقياً من الشوائب والمصالح.

ويعلم الله بأني ما كتبت هذا الموضوع إلا لأن البرنامج لامس إنسانيتي ومشاعري، فسلامٌ على كل من غرس بذور الحب والعطاء فينا، ودعاءٌ من القلب لكل قلبٍ يحمل بين جنباته هم إنسانٍ رمت به أهوال الحياة بعيداً عن الراحة والاطمئنان، وأرجو من الله الولي القدير أن يجازي كل فاعل خيرٍ على فعله، وأن ينال ثواب الدال على الخير كل من ساهم في نشر هذا العمل الإنساني الخيري.

كلمات في رثاء والدي 

إلى أعز عزيز على قلبي … 

لا يكفي هطول دموع العين مدراراً للتعبير عن فقدك، ولا النحيب يوفي حقك ومكانتك، والحزن كلمة ضائعة لما بالقلب من كمد وأسى، وليت الكلمات تسعفني في هذا المقام الجلل.

أبي … 

لقد جف قلمي منذ رحلت، ونضبت كل المفردات في خاطري، وغابت عني بهجة الحياة، رحلت وتركت فراغاً شاسعاً كنت تملؤه حباً ووداً وشموخاً.

وبينما تمضي بِنَا الأقدار إلى حيث كتبها الله، ستبقى مآثرك سراجاً نستنير به في ظلمات الأيام وغياهبها، فأنت من زرعت وأنت من تعبت وأنت من سهرت، ونحن من حصد نتاج زرعك وتعبك وسهرك.

افتقدك كثيراً وأكثر مما يستوعبه الفقد، وأُصبر نفسي على لوعة الفقد بروعة ذكرياتي معك، لذا هي محفورةٌ دون غيرها وراسخة دون سواها، ولكل ذكرى معك بروازٌ يزين مخيلتي حين استرجع الماضي.  

فطيفك مصاحب لي منذ كُنتُ طفلاً، ودروس الحياة التي أستمدها منك لازالت تنهمر علي، ولها البصمة الواضحة فيما اتصف به من محاسن، وما مساوئي إلا مما جنته يدي عندما غفلت عن مبادئك وأخلاقك ودروسك.

وسبب رغبتي الدائمة في استرجاع الماضي هو رغبتي في لقائك، ولاستشعر كل لحظة كُنتَ تنثر فيها ورود الحب والعطاء، ولكي أجدني معك في حلك وترحالك، في فرحك وحزنك، في تعبك وراحتك، ولكي أحرر نفسي مما حل بها بعدك.

أبي … أتذكر ذلك الماضي الجميل … ؟!

حين كُنتَ تمسك يدي لنعبر الشارع الى المسجد، فكم أفتقد ملمس يداك الذي كان يمدني دائماً بالأمان والاطمئنان، وكم اشتاق لهمساتك حين ترى أخطائي وترشدني إلى الصواب من القول أو الفعل أو السلوك. 

 وحين كُنتَ تتبعني لعتبة الحافلة كي تودعني، ولكي تُخرج من جيبك قلماً ومحايةً لأنك تَوقعتَ أني بحاجة لهما، ولم أكن قد أبديت لك حاجتي، ولكنك بمحض استشعارك علمت بذلك.

لقد كُنتَ منبع الأخلاق الذي نتعلم من صفاته، لذا كُنتَ رحيماً عطوفاً مع الضعيف وَذَا الحاجة، وكُنت صارماً حازماً في دفاعك عن الحق، وكُنتَ للقريب عوناً ورفيقاً، وكُنتَ مع الضيف كريماً ومُرحباً. 

وكُنتَ لكل الصغار أباً حنوناً، تداعبهم وتمازحهم على الدوام، حتى غدوا شباباً يافعين ولازالوا في نظرك أولئك الأطفال المستحقين للمداعبة والملاطفة، لذا بالود بادلوك وبالحب أشعروك.

أبي …

أنت من دفعتني لحب العلم والتعلم، وأنت من تمنيتني في أعلى مراتب النجاح، فَكُل حرفٍ تعلمتهُ هو مدينٌ لك، وكل نجاحٍ لي هو منك.

أذكر حين كُنتَ تنصحني في كل مراحل حياتي، وكأنك تهديني خلاصة تجربتك في الحياة، وما أقساها من تجربة مرت بك، ورغم ذلك كُنتَ شامخاً كشموخ الجبال، لا تزعزعك تقلبات الحياة ومرارتها.

وكأني أشاهدك أمامي الآن وأنت تمسك عصاك وباليد الأخرى عشاءك وتمضي إلى حيث تقضي الليل مستقيظاً وبينما تنام المدينة في سبات عميق، تسهر حارساً للمحكمة، ومحاكياً مستقبلنا الذي تَمَنيته لنا.

وكُنا الغافلون بلهونا الفطري عن أحلامنا التي تمنيتها لنا، الأحلام التي جَعلتها أسمى أهداف حياتك، وما كان لنا أن نحقق شيئاً منها لولا إصرارك وحثك المستمر لنا لتحقيقها، ولولا ما وجدناه من إيمان ويقين كامنيين لديك بإمكانية بلوغ تلك الأحلام. 

وكأني أُلازم طيفك إلى مجالس الرجال، وإلى درسٍ جديد أردتَ تلقينه لي بأسلوبٍ عملي، فمجالسة الرجال كفيلة بالتحلي بصفاتهم والأخذ من طباعهم، والاستماع إليهم كفيلٌ بغرس الكثير من القيم والمبادىء.

فبعدك كل مجالسنا فقدت رونقها وكل جلساتنا خف بريقها، وكل الأعين أظلم نورها، فلا حديث يعلو على حديثك، ولا صوت يحلو إلا صوتك، ولا حنين يفوق الحنين إليك. 

أبي … 

لقد تسارعت الأيام وأنت تعبر بِنَا عجاج السنين في حلوها ومرها، فقد كُنتَ رباناً ماهراً تخوض أعتى موجات المصائب بثبات وقوة حتى لا نَشعر بالخوف والضعف، وحتى تبقى سفينتنا في سيرها الصحيح نحو ما تمنيته لنا.

 وليتنا حققنا ولو جزءاً مما تمنيت، ويا ليتنا نكون من تمنيتهم، ولكنها الحياة تُسيرنا كيفما تشاء وأينما تريد، لذا قد لا نكون من تمنيتهم وبدرجاتٍ متفاوتة.

 ولكننا على العهد ماضون، بأن نبقى الأوفياء لك ولذكراك، وبأن نستظل بمكارم أخلاقك نحن وأبناؤنا، وأن نحافظ على إرثك الحقيقي الذي زرعته فينا من حب وود وإخلاص.  

أبي … ووالدي … وأعز الأحباب إلى قلبي … 

أدعو الله عز وجل أن يسكنك فسيح جناته، وأن يغفر عن زلاتك وخطاياك، وأن يطهرك من ذنوبك كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، وأدعوه جل علاه أن يجعل قبرك روضة من رياض الجنان، وأن يوفقنا للبر بك في كل خير يرضاه وفي كل طريق يصل مثوبته إليك. 

اللهم ارزق والدي الفردوس الأعلى من الجنة. 

فيديو كلمات في رثاء والدي

حجة بحضرة المهدي !

  
بينما تطير بِنَا الطائرة إلى ربوع الإيمان والروحانيات، يهمس لي من جلس بجانبي: هل تفقه مناسك الحج جميعها؟!، وحتى لا أقع في فخٍ من الأسئلة الطويلة جاوبته بالنفي، وبعثت شيئاً من الطمأنينة إلى قلبه حين قلت: لا تقلق فحملة الحج تتكفل بالواعظ الذي سيلازمنا حتى انتهائنا من المناسك. 

فحال غالب مؤدي الحج للمرة الأولى كحال السائل، درسنا المناسك في حصص التربية الاسلامية بل وحفظناها، ولكن وبمجرد تسليمنا ورقة الاختبار في نهاية العام الدراسي، يكون مصيرها كمصير المعلومات الغزيرة التي هطلت علينا خلال الموسم، ولأنها موسمية فإنها لن تؤتي أوكلها كل حين.

وفي المدينة المنورة، جاورني جارُ مقعد الطائرة في طابق السكن المخصص لنا، فكنا نجتمع عند الوجبات ونتبادل الحديث والنقاش، وما لفت انتباهي سكوته واصغاؤه للحوارات الجدلية، دون أن ينطق ببنت شفةٍ، اعتقدت غير جازم أن سبب سكوته عن الخوض وإبداء الرأي هو ضحالة ثقافته وقلة إطلاعه، وكأني أصغي إلى لسان حاله وهو يقول: ما لي ولهذا البحر الذي لا أجيد ركوب أمواجه المتلاطمة.

والمؤسف أن محاور النقاش في غالب الحوارات لم تكن مفيدةً لنا في مناسكنا، ولم تقدم لأحدنا ما يثري معلوماته، أو يصحح اعتقاداته الخاطئة، بل كانت جدلية في أحيان وتحريضية على المخالفين لنا في أكثر الأحيان، لدرجةٍ انبرى فيها أحد المحاورين ليعطينا دروساً عفويةً عن منهج المخالفين وما يعتقدونه، كاعتقادهم وتصورهم الخاص عن المهدي المنتظر.

وفي إحدى المرات افتقدتُ ذلك الساكت المنصت، فلم يشاركنا الفطور أو الغداء، وبسؤال زميله في الغرفة أفاد بأنه لم يرجع منذ ذهابه لصلاة الفجر، فحسبته فضل المكوث في مسجد رسول الله، في ذلك الجو الروحاني الذي يحلق بك في سيرته عليه أفضل الصلاة والتسليم، حين تحكي لك المعالم ما قد كان من رسولنا الكريم من مآثر لأجل نشر هذا الدين على العالمين. 

خاب ظني بالساكت حين جاءنا خبر القبض عليه في مقبرة البقيع، لإحداثه فوضى بين طائفة من المسلمين، فقد نادى بهم أنه المهدي المنتظر وعليهم السمع والطاعة، ذهلني ما سمعت وكدت لا أصدق ما يقولون عنه، حتى لحظة إحضاره إلينا بعدما تبين للسلطات بأنه مختلٌ عقلياً، أكدته تصرفاته التالية حين كفرنا تارة وفسقنا تارة أخرى.

لا ألومه بما قام به فقد استراح عقله، ولكني ألوم حواراتنا العقيمة التي غذت عقله الفارغ بما لا يُحمد عقباه، وجعلت منه قنبلة انفجرت على طائفة من المسلمين، وكادت أن تسبب في فتنة لا يُحمد عقباها، وبسيناريو نُسج في عقله الباطن، لتتحكم الفكرة بتصرفاته الجنونية واللا منطقية. 

ومشهد صاحبنا شافاه الله يحدث ويتكرر كثيراً في مجتمعاتنا، ولكن على مستوى أكبر وردة فعل أعنف، فكم من مغفل انقاد من حيث لا يدري إلى حروبٍ طائفية مفتعلة، فأصبح وقوداً بيد أمراء الخراب، يشعلونه متى شاءوا، ويرمونه متى أرادوا، وفي كل الحالات هو أداة لتنفيذ أجنداتهم الشيطانية، وفي اعتقاده الخاص هو جنديٌ من جنود الحق، وكل ما يسعى له هو من أجل تحقيق هذا الحق في وجه الباطل.

وفي الطرف المقابل يتكرر نفس السيناريو، بأمرائهم وضحاياهم، وبأهدافهم واستغلالهم، وبكل الأحقاد التي تُزرع من أجل تحقيق محرقةٍ في نسيج الأوطان، وفي كل الأحوال لا مستفيد ولا فائز، ولا منتصر ولا غالب، فالكل فقد قوة الوطن وتماسكه، والكل افتقد التعايش الذي استمر لقرون من الزمان، وكلٌ له عزيز أو قريب أو صديق قضى غريقاً في وحل الطائفية.

ولكي نحمي مجتمعاتنا من أتون هذه الصراعات الطائفية، علينا أولاً ملء الفراغ العقلي والفكري لدى أبنائنا، بعقيدةٍ إيمانيةٍ وطنية، نضع فيها النقاط الضائعة على الحروف، فالوطن نسيج واحد، لا يمكن تجزأته أو فصله عن بعضه، وعلى الجميع احترام الجميع، من حيث المعتقد والأصل والعرق، وليكن ذلك من أهم ركائز هويتنا الوطنية، ولنعمل جميعاً على تفويت الفرصة على المتربصين بِنَا وبتماسك أوطاننا وترابطها.

ليلة القبض على تويتر !!!

٢٠١٤١٠٠١-١٩٠٠١٨-٦٨٤١٨٩٢١.jpg

قيل أفضل عادة ألا تكون لديك عادة، فالعادات تقيدنا بفعل معين نكرره بشكل مستمر، ولتختبر مستوى إدمانك على عادة ما، فعليك التوقف عن ممارستها، حتى تظهر لك أعراض الحاجة لها، وهي حاجاتٌ نفسية مزاجية تمثل الترمومتر الحقيقي لمستوى إدماننا عليها، أو تكون حاجات وهمية اعتقدنا ضرورتها، وبمجرد التوقف عنها تنقشع عن سماء ممارساتنا اليومية.

ففي تلك الليلة، كنت على موعد حقيقي مع اختبار مفاجئ عن مدى إدماني على استخدام “تويتر”، فبعد تواصل على مدار الساعة باستثناء ساعات النوم والراحة، إذا به يتوقف لبعض الوقت بسبب عطل فني، سبب لي حالة من الترقب وانتظار عودته، صاحب ذلك حالةٌ مزاجيةٌ سيئة لازمتني طول فترة الانتظار.

فقد أوقف هذا العطل جولتي المعتادة بين حسابات الصحف والكُتاب، فما عدتُ أقرأ الصحف الورقية في ظل وجود هذا الكم من الصحف بين يدي، وما عدت أطالع المجلات بمختلف توجهاتها، وحتى برامج التلفزيون كانت تصلني على شكل رابط أشاهدها متى شئت وأينما شئت، وكأنه ابتلع كل الوسائل الإعلامية المقروءة والمرئية.

وأوقف معه أيضاً لحظة أنسٍ مع أصدقائي “التويترين”، والذين اعتدتُ على قراءة عباراتهم المبدعة أو اقتباساتهم المفيدة، أو حواراتهم الدائمة والتي قد تأخذ منحاً جدلياً مشوقاً ومفيداً في بعض الأحيان، وإما منحاً أكثر شراسة في سبيل التغلب على الرأي الآخر.

هل قلتُ أصدقائي “التويترين” ؟!، ومن أعطاني هذا الحق في اعتبارهم أصدقاء ؟!، الحقيقة أني لم انتظر تفويضاً من أحد، كي يقرر لي نوعية العلاقة التي تربطني بالأشخاص الذين ألتقيهم في مناحي الحياة، فمن ارتضيتُ متابعتهم من “التويترين” إما أصدقاء نتشارك ونتحاور وإن لم نلتقي، وإما أصدقاء خاصين استشيرهم في كثير من أموري الحياتية.

فأصدقاؤنا الخاصين هم أولئك الأشخاص الذين اعتدنا على التواصل معهم أو الالتقاء بهم بصفة دائمة، فثمة هموم مشتركة وأراء متوافقة، أو تشابهٍ في أسلوب الحوار رغم الاختلاف في بعض الآراء، والمحصلة أننا مجموعة متجانسة ومنسجمة لا يعكر صفوها اختلافات وجهات النظر، ولا يشتت شملها الأحداث المتتالية.

أما دائرة الصداقة الأوسع فهي الوعاء لكل الأقارب وزملاء العمل والمعارف، وهنا تكون اللقاءات أكثر مللاً رغم قصرها، فثمة آراء متباينة ومعارك كلامية لا نهاية لها، نعم يتحول الحوار إلى معركة يبحث فيها كل طرف عن الانتصار، لا عن استيعاب الطرف الآخر، في حالةٍ غوغائية قلما سلم منها أحد المتحاورين، إلا أولئك الساكتين إما لجهلهم عن الموضوع، أو حكمةٍ تجعلهم بمنأى عن مهاترات الحديث.

وقد جاءت وسائل التواصل الاجتماعي لتشكل الوعاء الأكبر للمتحاورين، من حيث العدد الهائل للمتفاعلين أو من حيث اتساع الرقعة الجغرافية للمنتمين إليها، إذاً فمن الطبيعي ارتفاع سقف التباين والاختلاف، وبالتالي استمرار المعارك بلا هوادة، في حالة من الإدمان السلبي على القذف والسب وتشويه الأشخاص والدول، فضلاً عن الاستماتة على الرأي الأوحد وغير القابل للنقاش والتحليل.

ومن وجهة نظرٍ خاصة وعن تجربةٍ شخصيةٍ متواضعة كمتابع لوسائل التواصل، أعتبر “تويتر” الأكثر جذباً للمتحاورين على مستوى الخليج العربي، فالعبارات المختصرة والردود السريعة تجعل من الحوار أكثر حماساً واستثارةً لدخول المزيد، وبما أن غالبية المتواجدين جاؤوا من بيئةٍ تفتقد للحوار الرزين، فمن الطبيعي أن ينعكس ذلك على أسلوبهم في التعاطي مع هذا الوافد الجديد.

وفي حالة استقطابٍ واحتشادٍ لأصحاب الرأي ضد الرأي المواجه، أو دعاية مزينة لفكرٍ هدام، لذا كان وكراً للتنظيمات والجماعات المتطرفة من أجل التجنيد أو الدعم الإعلامي، وفي سبيل تعزيز تلك الكيانات وزرع أفكارها في عقول الشباب المتحمس، ليكونوا وقوداً يتم حرقها لتحقيق مآربهم الشيطانية، ما أدى لدخول الدول في هذا الصراع، إما لحماية تماسك جبهتها الداخلية من توغل تلك السموم الفكرية، أو لمواجهة الداعمين والموجهين لها، عن طريق تبيان الحقائق وفضح الدسائس.

وفي الضفة الأخرى من المسيئين لتلك الوسيلة، تقف فئة ذوي الاحتياجات الجنسية، والذين لا هم لهم إلا تلك الغريزة الحيوانية، لأسباب تتعلق بالتنشئة الخاطئة، أو المحيط الأسري والاجتماعي، والسبب الأهم في رأيي هو غياب دور الأسرة وتفكك كيانها لمشاكل لا تخفى على الجميع، فترى حساباتهم عبارة عن دعوة صريحة للرذيلة، فلم يرشدهم مرشد تربوي، أو يمنعهم مانع أخلاقي، ولم يردعهم رادع قانوني، أو يوعظهم واعظ ديني.

وهي ممارسات تجذب الكثير من المراهقين والشباب ومن يكبرهم سناً، في مراتع الوحل والنجاسة، وفي زوايا تُسوق لبيع المروءة والكرامة، وتجعل الجسد عبداً للشهوة، في طريقٍ مظلمٍ تتساقط فيه القيم والمبادئ، ولا يعلم منتهاه ومآلاته إلا الله .

ولا أقصد بكل ما وردته سابقاً كيل الاتهامات لوسيلة تواصل اجتماعي، أسأنا استخدامها بسبب خلفياتنا وجهلنا المتراكم، وانما المقصود محاكمة ذواتنا على هذا المستوى المتدني من الذوق والأخلاق، والذي دفع بالكثير منا إلى الخوض في أمورٍ معيبةٍ عرفاً وديناً، وعلينا بالمقابل وقف هذا النزيف الأخلاقي من رصيدٍ لم يبقى منه غير القشور، ومن علاقاتٍ هشةٍ بين الإخوة الذين يربطهم مصير واحد، ومصالح مشتركة.

وما “تويتر” وغيره من وسائل التواصل الاجتماعي إلا أدوات سخرت لنا، وقد انتجها المنتجون من أجل غاية نبيلة جداً، ولا يمكن هنا اتهام أداة الجريمة، وانما علينا توجيه أصابع الإرشاد والتوجيه والنصيحة إلى أولئك المستخدمين لتلك الأداة بشكلٍ سلبي ومسيء، وعلينا جمعياً التكاتف صفاً واحداً في مواجهة تلك السهام المتساقطة على وحدة دولنا وتماسكها، بل وسد أي ثغرة يمكن لتلك السهام المسمومة اختراق جسد الأمة وكيانها.

“ودمتم أصدقائي كما عهدتكم”

حارة الطيبين !

٢٠١٤٠٨١٤-٠٠١٩١٢-١١٥٢٧٤١.jpg

قليلة هي الحواري العتيقة، والتي يسري فيها نبض الحياة الحقيقي، من تواصل وتعايش وتعارف بين الساكنين، كذلك الحي الذي ترعرعت فيه، والذي ارتويت من ينابيعه التلاحم الصادق، فسكنتُ في قلوب ساكنيه، واحتميت في عيونٍ ظلت حارسة لي، ولعبت في ساحات مطلة على الصفاء والنقاء والأُلفة، لذا استنشقتُ الحب أينما توجهت.

ولذا أشتاق لتلك الأزقة الغارقة في وسط بحر الذكريات، عندما تقذف أمواجه مشهداً قد تلاشى بسبب مشاغل الحياة، لتلهث النفس فرحاً وهي تجري في جنباتها المليئة بالبساطة والتواضع، وتسعد بلقاء من بَعدوا، أولئك الذين تذوقنا طعم الماضي معهم، ومضغنا لذة الصداقة سوياً، فهضمنا علاقةً صحيةً بامتياز.

أزقةٌ ضيقةٌ، وبلا تصميمٍ يبهر، أو نظافةٍ تأسر، ومع ذلك فعفوية مرتاديها تجعل منها مكاناً للأُلفة، ومركزاً لنثر الود فيما بينهم، وكأنها حدائق غناء تمرح النفس فيها وتسرح، فقد زُرعت بالود والعطف والصدق، فانبتت أرواحاً تتآلف وتتعاطف، وتتشارك قسوة الحياة ككتلة واحدة، وإن اختلفت الأسماء والألقاب.

وأما أطفال تلك الأزقة، فلعبهم مستمر مع استمرار يقضتهم، فهم من يخترعون أدوات لهوهم، ويستخرجون من محيطهم ما يصلح أن يُتخذ للهو والمرح، فيصنعون من بقايا دراجةٍ قديمة أخرى بعجلة واحدة، يقودونها بكل فخر وفرح، فخراً كونهم صانعيها وفرحاً كونهم أوجدوا لعبةً يصعب إيجادها.

أطفالٌ تسطع حركتهم مع سطوع الشمس وتغرب مع غروبها، لا يكلون ولا يتعبون، وعلى الرغم من قلة أدوات اللعب واللهو المتاحة، إلا أنهم يُوجدون لأنفسهم مناسبات ولحظات للعب واللهو، مقروناً بالرضا النفسي والقناعة بما توفر، فلا تسمعهم يتذمرون من قلة مصادر التسلية، ولا تراهم قد ملوا من لعبة مارسوها.

فمع تجرعهم قسوة الحرمان في أحيان كثيرة، تجدهم في المقابل متفاعلين مع حركة الحياة اليومية، بل ومؤثرين بارزين في أحداثٍ كثيرة، ففي الأفراح تجدهم يبهجون الحاضرين بلباقتهم وروحهم المرحة، وفي الاتراح تجدهم يبهرون الناظرين بفزعتهم وتحملهم صعوبة الموقف مع من يكبرهم، وفي كل الأحوال لن تجدهم متخاذلين أو منطوين عن الواقع والمحيط الذي احتواهم، بل كانوا جزءاً حقيقياً ومؤثراً في حيّهم.

أتساءل!، أيُ ترفٍ نفسي كنا نعيشه في طفولتنا؟، فرغم البساطة وقلة الموارد المبهجة، إلا أننا حصلنا على حاجاتنا النفسية، في مجتمع متكاتف ومتماسك ومحب، بالاضافة إلى ما كنا نجده في بيوتنا، حيث الأمهات وهن النبع الحقيقي للعطف والحنان والتضحية من أجل الأسرة، والآباء وهم مركز القوة والسيطرة والحماية وتحمل المشاق لتوفير الأرزاق، وقد كانوا جميعاً مدرسةً للتربية ومراقبة السلوكيات، ونبراساً يحتذى في دروب الحياة وتحمل المسؤولية.

وبما أن ربابين تلك الأسر اتصفوا بتلك الصفات، فمن الطبيعي أن يبحروا بأمان في عجاج الحياة، ومن المنطقي أن تلتف الأسرة حول بعضها البعض، وتتعايش بروحٍ ملؤها الترابط الوثيق، ولهذا كنا نراهم دائم التواجد على مائدة واحدة، فالوجبات الثلاث مواعيد يومية للالتقاء والتقارب، وطقوسها مقدسة لدرجة لا يسمح فيها بالاعتذار، ولا مكان للانفراد بوجبات شخصية.

ولذلك نجدهم مجموعة واحدة في زياراتهم للأقارب، أو حين ذهابهم إلى السوق، تلاحمٌ يوحي بتقارب حقيقي فيما بينهم، فالأخ صديقٌ مُعِين لأخته، والأخت رفيقةٌ رقيقةٌ لأخيها، ولا يمكن لأي فرد الانعزال عن الدائرة الوجدانية وهي الأسرة، ولا يمكن للأسرة ترك أحد أفرادها بعيداً عن نظرها، وبالتالي لم تُمكن لأي مؤثر خارجي افتراس تلاحم وقيم وروح الأسرة.

ومع الانتقال إلى بيوتٍ أكثر أناقةٍ وحداثة، وأزقة نظيفة ومعبدة، تنازل الكثير عن الكثير من الروابط، ففُقدت صلة الجار بالجار، بل لا يكاد الجار يعرف اسم جاره، فضلاً عن التزاور والتواصل، وفقدت الحارة روحها وتعايشها، وباتت كيانات معزولة عن محيطها، رغم تقارب والتزاق البيوت، إلا أن قلوب ساكنيها بعدت وغفلت عن بعضها.

وأصل المشكلة في التحول السريع إلى الترف المادي، وما ترتب عليه من راحةٍ للجسد، وانعزالٍ وجدانيٍ عن المحيط الاجتماعي، وكذلك استقلالية أفراد البيت الواحد في غُرفٍ منفردة، مبتعدين عن روح الأسرة، وغارقين في ممارساتٍ يومية بلا قيمةٍ حقيقية، سوا أنها تسرق الوقت فالعمر، وتشغل عن التواصل الحقيقي.

وأصبحت مناسبات التواصل بين الجيران أو الأقارب أشبه بالبروتوكولات الرسمية، يُغالبها إظهار المظهر الخارجي على نحوٍ استعراضي يراد به إبهار الضيف ولفت انتباهه، مع غياب روح التواصل الحقيقية، بسبب رسمية اللقاء وطقوس الضيافة المبالغة، وكأنها أعدت ضمن جدول زمني مبرمج من الاستقبال إلى التوديع.

وقد نتج عن هذا الانغماس في الشكليات والمظاهر تحول العلاقات إلى زائفة، والأشخاص إلى أقنعة خادعة تُرتدى حسب المناسبة، وهذا يفسر كثرة الابتسامات رغم شُح الود أو انعدامه، تصنُعٌ في الود والحب والترحيب، لذا أعتقد أن كذبتنا الكبرى حين ندعي بأن تلك الزيارات والمناسبات التنكرية هي من باب التواصل والتراحم وتوطيد الألفة المفقودة.

وكما نحرنا روح التواصل بزيف المظاهر، فإننا دفنا طموح الطفل بالهدايا المبالغة، فلا يكاد يخطر في حلمه لعبة ما حتى يجدها قبل أن يستيقظ، محققين عنه حلمه بسرعة البرق، والذي يفترض أن يلازمه فترةً ليست بالقصيرة، ليستلذ بطعم الحصول عليه بعد الانتظار والترقب، وليتدرب على مصارعة الأحلام والطموحات وتحقيقها.

ولم نعلم بأننا بصدد صناعة إنسانٍ هلامي، نتوقع تواجده بيننا قلباً وقالباً، والمؤسف أن جسده حاضر أمامنا، أما عقله وتفكيره ووجدانه فهم يحلقون في عوالم افتراضية قد لا نعرف عنها الكثير، تلك العوالم التي شرعنا أمامها أبوابنا، لتستقر في النفوس وتحتل الإرادة الحقيقية، من أجل جولة انتصار وهمي يتصارع فيها أطفالنا مع الخيال.

لستُ بصدد مقارنة ظالمة بين حارة الطيبين وحاراتنا اليوم، وإنما أردت توضيح سلبياتٍ قد نغفل عنها بسبب تسارع وتيرة الحياة، وانشغالنا بكماليات الحياة عن أساسياتها، وتقديمنا الرتوش على الجوهر، والجوهر هنا يا سادة هو الانسان وما استطعنا أن نغرس فيه من قيم ومعانيٍ نبيلة، وأولها روح الترابط والإخاء، والحب الحقيقي الخالص من الزيف.

ومدى نجاحنا في توفير المتطلبات النفسية لأطفالنا، فهم في أمس الحاجة للأحضان الدافئة والتي تستوعبهم وتعرفهم دروب الصواب في الحياة، ومدى استعدادنا لتدريبهم على مقارعة مصاعب الحياة وتعويدهم على تحمل بعض المسؤوليات والتي من شأنها تشكيل شخصياتهم المستقبلية.

وإذ أحمد الله حمداً كثيراً على رغد العيش، وتوفر سبل الحياة الكريمة، فإني أدعوه جل علاه أن يلهمنا سُبل الرشاد في المحافظة على القيم المتأصلة لدينا، ويوفقنا لتربية أبنائنا تربيةً صحيحة، ويُألف بين قلوبنا وقلوب أحبابناً، وأن ينعم علينا بحبٍ يجمعنا، فتتقارب أرواحنا كما تقاربت بيوتنا.

(ودمتم طيبين على الدوام)