غيرة شرقية !!

٢٠١٣١٢١٢-٠١١١٣٦.jpg

هل أعاني من غيرة الرجال الشرقيين؟!، أم هو الحب الصادق الذي يجعل من المحبوب كالماس النادر، والذي تود الاحتفاظ به لوحدك دون شريك يعكر صفو انفرادك؟!، راودتني تلك الأسئلة الملحة وغيرها، وأنا أنظر نظرة غيرةٍ على من وضعته أيسر الصدر حيث القلب، إلى من تجرعنا مرارة الإحساس سوياً، فانسكبت تلك المشاعر من مداد دمعه الفياض، راسمةً بذلك لوحاتٍ ملؤها أحاسيسي الصادقة حين تبلورت للناظرين.

ورغم أنها دقائق قليلة استأذنني فيها، لمساعدة ذلك المتعجرف المقتحم بكل فضول، إلا أن حرارة الغيرة وصلت أقصاها، لدرجةٍ فقدتُ فيها حقيقة المكان والزمان، وطغت فيها غريزةُ التملك والاستحواذ، وبدأ خوف الفقد يتسلل إلى داخلي، عندها بدأتُ بقصف المقتحم بنظراتٍ دفاعية عله يرتدع ويُرجع الحبيب إلى مسكنه المعتاد، فما عادت نبضات القلب منضبطة حين ابتعد شاحنه إلى تلك المسافة المؤلمة، وبينما هو منسجمٌ ومستجيبٌ للغريب، ودون اكتراثٍ لشعور الحبيب.

في تلك اللحظة لاح لي ماضينا الجميل، حين كنتُ أُعبر عن وصف الجمال، بينما يبدع في ترجمة ذلك الوصف، واسترجعتُ ليالينا طويلة السهر، تحت الظلام وفي ظل ذلك الضوء الخافت والذي صنع لنا أجنحةً كي نطير في سماء الأحلام والتخيلات تارة، أو نغوص في بحور الفكر تاراتٍ أخرى، ففي ربيع الذاكرة كنا متلازميّن ومتلاحميّن في قلبٍ واحد يحمل شعوراً ومشاعراً متناغمة، بينما في خريفها تساقطت الكثير من الأوراق الجميلة بسبب تشتت المشاعر والأفكار، ورغم ذلك إلا أن مداد دمعه استمر بفيضه المعطاء، يروي عطش إحساسٍ ظل في كبتٍ مستمر، ويفتح سجناً كاد أن يصدر أحكامه الأبدية على أفكارٍ بقيت حبيسة النفس.

خرجتُ من سجن النفس المظلم إلى سعةٍ مضيئةٍ، أضاءت عتمة العقل علماً ومعرفةً، فانفجرت مكنوناتٌ ما كُنتُ لأتعرف عليها لولا لحظات البوح لحبيبٍ استودعتُهُ لب القلب بما يحوي، تلك اللحظات التي استجاب فيها للمسة يمناي، وليكشف لي ما بداخلي من أسرارٍ لم أنطقها بعد، ليبدأ نحيبه الصامت مسبباً دمعةً في عيني ما أرادت يوماً أن تظهر، لولا صدق مشاعري عندما ينزفه دمعاً على صفحةٍ بيضاء، فترى عيني مشاعري مثالة أمامها، فتسمح لتلك الدمعة الحزينة كي تبوح عن نفسها.

وبينما أنا منسجمٌ في حالةِ الماضي الجميل، إذ بذلك الصوت النشاز والذي أزعج مسمعي سابقاً، حين طلب عوناً ممن أحشيته في أحشائي، يقول: “هاك سيدي قلمك، ولا يبدو لي أنه من النوع الفاخر، كي أبرر نظراتك واهتمامك الزائد به ولمجرد دقائق معدودة كتبت فيها هذه الاستمارة!!”، قلت: “يا رجل، لو علمتَ حقيقة العلاقة التي تربطني بهذا المتواضع حسب وصفك، لعذرتني بل لاستحيت ان تعكر صفو ودادٍ ملتحم ومستمر، فقد جاءت دقائقك كي ترسم جداراً داكناً لقلبٍ ارتجف غيرةً على من حرصتُ على حمله دوماً في هذا الجيب أيسر الصدر”

“عفواً فجزءٌ من النص مفقود في دهاليز الماضي!!!”

لحظة مطر !!

٢٠١٣١١٢١-٠١٠١١٣.jpg

لم تعد التوقعات الجوية والتي تنبئ بهطول أمطار محل اهتمام بالنسبة لي، فمنذ سنوات ليست بالقريبة باتت زخات المطر الخفيفة والمتوسطة تمر للتحية سريعاً، وكأنها على موعد غرامي مع مناطق أخرى أكثر جاذبية، عكس الأيام الخوالي والتي كانت تمكث فيها أياماً لتسعدنا، وتنعش قلوبنا، وتنقي هواءنا، بل وتغسل دنيانا من أغبرةٍ تراكمت على المباني وهمومٍ استوطنت في النفوس.

كانت حاجتنا النفسية للمطر واضحة وملحة، تكشفها تلك اللهفة لأية غيمة عابرة، وأي خبر آتٍ يبشرنا بقدومه الميمون، وقد لازمني سؤال منطقي: “ما سبب تلهفنا لتلك الزخات العابرة في زمن الطفولة وأيام البساطة الجميلة؟!، ألأننا ذقنا من رحيق فيضه فأدمنا فرحة استثنائيةً في ظل قدومه!!، أم لأن أدوات الفرح والمرح في ذلك الزمن اقتصرت على فعالياتٍ حركية في أجواءٍ طبيعية، إذ جعل منها المطر أكثر انتعاشاً وأروع استمتاعاً.

ومهما كانت الأسباب إلا أن للمطر ذكريات مميزة في ألبوم العمر، تتزاحم الصور والمشاعر لدرجة أفقد فيها بعض الأحداث، بينما تبقى لذةُ فرحٍ جعلتني طائراً في مهبِ أحاسيسِ لحظة المطر، اللحظة التي كنت فيها المتيم بنقاء الهواء، والمُخدر بجرعة زائدة من روعة المنظر، فتعرت بذلك النفس، وانكشف غرامها وعشقها المباح للحظةٍ عابرة من أيام السنة العجاف.

تلك اللحظة التي تحلو فيها مداعبة الحياة برقصةٍ عفوية، عندما تتمايل النفس فرحاً وانتعاشاً، فتعزف العصافير زغاريدها الرومانسية مستجيبة لبهاء الشجر وقت المطر، ومتناغمةً مع سيمفونية الطبيعة الخلابة، ومدغدعةً لمشاعر كادت أن تفتر لولا متعة لقاءٍ بلا ميعاد، وبعدما جاءت بنسمة هواءٍ عليلة أزاحت علة النفس من ضيقها.

وقد كانت ليالي المطر معتمةً بسبب انقطاع الكهرباء المستمر، بينما كانت السماء تتلألأ بفاصل من البروق، وكأنها ألعابٌ ناريةٌ، أو عرضٌ سينمائي أوجب إطفاء الأنوار كي لا نشتت انبهارنا إلا عن روعة السماء المتلألئة باستمرار، لذا استمر استمتاعنا بجمال الأجواء وعروض السماء المجانية، ولذلك يزداد الشوق لليل المطر كشوقنا لنهاره، فتُختزن صورٌ في الذاكرة يصعب نسيانها، لفرط الجمال فيها، ولعفوية الأحاسيس المنبعثة من النفوس، والمسببة لحالة توهجٍ في الوجوه على شكلِ ابتسامةِ فرحٍ واضحة، واكبت توهج الحياة وابتسامتها في لحظةٍ تجلت فيها الطبيعة بفعل قطرات المطر.

(اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين)

استراتيجية الانطلاقة واستمرارية التحدي

٢٠١٣٠٦١٢-١٥٥٠٤٨.jpg

أهداني صديق عزيز كتاب ومضات من فكر الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، ولم تمضي أيام حتى بادرني الشخص ذاته بالاتصال والسؤال: هل قرأت الكتاب؟، وكأني فاجأته حين قلت: لم تسنح لي الفرصة الكافية للجلوس والقراءة، فاستشفت من نبرة صوته وبرود أسلوبه، ندمه على إهدائه لشخص لا يأبه بالكتاب وفحواه.

إن كان تقديري لإحساسه صحيحاً، فإن ظنه بي لم يكن في محله تماماً، فأنا ومنذ سنين ليست بالقريبة، متابعٌ بل ومثابرٌ على متابعة فكر وأسلوب وإنجازات دبي والشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، خطوةً بخطوة، ولا أبالغ حين أقول: أني لم أفوت فرصةً للاستماع والاستمتاع بمقابلةٍ أو ندوةٍ أو أمسيةٍ لسموه، حباً وتقديراً وإعجاباً، لمن استطاع أن يخلق من دبي نموذجاً يحتذى في التنمية والتطور والازدهار.

ولهذا الاهتمام قصتين، قصة إنبهاري بدبي منذ أوائل الثمانينات، وقصة متابعتي لنشاطات الشيخ محمد منذ منتصف التسعينيات، أما علاقتي بدبي، فتحكيها كلمات الإعجاب التي لم تنقطع عن مسامعي، حتى زرتها، فأيقنتْ عيني ما ورد إلى أذني، المطار والخور ودوار الساعة ونفق الشندغة وبرج راشد والملا بلازا ومركز الغرير، كلها صور إعجاب التقطها سمعي قبل أن تعتمدها عيني.

وقد ارتبط كل معلم من تلك المعالم بقصة تحدٍ حقيقية، تمخض عنها إبداعٌ وابتكارٌ فاق كل التوقعات، وتجاوز كل المقاييس المتوفرة في تلك الحقبة، فلم تكف الألسن عن الوصف والإعجاب لما اعتبر مستحيلاً في الماضي، ولما اعتبر فيما بعد معجزة محققة على أرض الواقع.

وإن كان لتلك الحقبة عنوانٌ رئيس، فعنوانها البارز الواضح هو الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم رحمه الله، فالإنجازات المحققة، كانت ضرباً من المغامرة والمخاطرة بالنسبة للكثيرين، لكن إصراره وعزيمته وإيمانه بقدرة رجاله، حولت الحلم إلى حقيقة، وجعلت دبي مميزة منذ بداية السبعينيات.

بصمة الشيخ راشد ورؤيته واضحة وكامنة في كل أرجاء دبي، ففي مقابل انخفاض إنتاج النفط تدريجياً، لم يكف البحث عن مصادر بديلة ومستحدثة، فأنشأ ميناء راشد وزاد على ذلك بناء ميناء عملاق وهو ميناء جبل علي، وأهدى دبي والأجيال القادمة مركز دبي التجاري العالمي، وأكمل عِقد سلسلة المشاريع الاستراتيجية بمصهر دوبال للألومنيوم والذي يعتبر ركيزة من ركائز اقتصاد دبي قديماً وحديثاً، وقد أنجز كل ذلك رغم التحديات الإقليمية، ورغم الركود العالمي، لأنه نظر للمستقبل بنظرة المتفائل الواثق.

وقد استمر إعجابي بنموذج دبي وزاد في كل سانحةٍ لزيارتها، فكانت تبهرني بجديدها وتأسرني بجمالها، وكأنها تعمدت التزين والتجمل لعشاقها المتيمين وروادها المترددين، وكان ذلك هو منهجها اللا منهجي في جذب السواح والترحيب بالزوار، لذا كانت شعلة نورٍ وسط الصحراء، يقصدها الباحثون عن العمل والاستثمار والسياحة.

وحلت التسعينيات بحلوها ومرها، ولازالت دبي تلك المتلئلئة والمبتهجة، وكنتُ أعبرها كغيري من العابرين، فأستظل فيها ساعات عن متاعب الحياة وروتينها، فكم كريمة هي ومبتسمة لزوارها، لذا لم تترك لي الخيار إلا الولوج في ربوعها، واستنشاق عبق نهضتها، وملامسة حصاد أبنائها، والابتهاج برؤية اللا متوقع حقيقةً ماثلة أمامي.

تسارع الرتم في منتصف التسعينيات، فبعدما بسطت جناحيهاعالميا من خلال طيران الإمارات، وأصبحت مركزا عالميا للسياحة والجذب الاستثماري، ومحطة مهمة لأكبر الأحداث الدولية من مؤتمرات ومعارض وسباقات خيل وجولات سباقات الزوارق، بدأت تزف لنا المفاجأة تلو الأخرى.

فقد أعلنت عن مهرجانِ تسوقٍ شامل، يجمع الشمل ويقرب الأسرة ويأسرها بفعالياتها المتنوعة والمختلفة، وفي الوهلة الأولى اعترض المعترضون على هذا الغريب القادم، ولم تمضي سنين حتى قلد المقلدون نسخة مهرجان دبي للتسوق، وبين الاعتراض والتقليد كانت دبي تمضي في سباقها نحو المستقبل، فها هي تعلن عن تأسيس مولودها الجديد “إعمار العقارية”.

وعلى مقاعد الجامعة، بادرني زميلٌ عربي: هل شاهدت المؤتمر الصحفي الأخير للشيخ محمد بن راشد؟، قلت: نعم شاهدت جزءاً منه، ولكن ما المغزى من سؤالك؟، قال: ألم يُبالغ حين توقع أن تتبوأ دبي مكانة كهونج كونج وسنغافورة؟، قلت: أتمنى أن تصل دبي لأبعد من ذلك، والحقيقة أن سؤاله استفزني واستثارني، بل وجعلني أمعن في كل صغيرة وكبيرة تطرأ، وكأني قبلت الرهان على دبي في سباق السنين القادمة، لذا ومن يومها لم أترك تصريحاً للشيخ محمد أو لقاءا أو مقابلة، فكانت تلك علاقة نفسية ربطتني بدبي وفارسها.

أعلن “إعمار” عن مشروع المرسى في منطقة صحراوية قاحلة، سخر البعض من الفكرة، فكيف يمكن أن تُحول تلك المنطقة الصحراوية إلى واحة سكنية ومرافق سياحية؟، ولم يتخطى عداد السنين كثيراً حتى أوفت دبي بالوعد وتم افتتاح المرسى وأصبحت من أجمل المناطق السياحية، وتوالت إعلانات “إعمار” عن مشاريع جديدة، مثل أكبر برج في العالم “برج خليفة” وأكبر مول “دبي مول”، فيما أعلن “نخيل” عن مشروعه الخيالي جزيرة النخلة، وعن المدينة العالمية والسوق الصيني “دراجون”.

كنت في حالة ترقب مع أي إعلان عن مشروع، وفي حالة متابعة في السنين التالية، حتى ما أن أنجز المشروع وافتتح، عندها فقط أصاب بحالة انتشاء المنتصر، وكأني ربحت رهاني مع الزميل، والحقيقة أنها كانت جولة من جولات الرهان الكبير، ولكن المشاريع المتتالية تجاوزت سقف الرهان بكثير، فلم أتوقع حينها أن آزور أطول برج في العالم وفي بلدي بكل فخر واعتزاز، ولم أدرك سرعة الأعوام إلا ودبي مول يستقبل الزوار، ولم تشأ دبي إلا أن تكمل مشاريعها الاستراتيجة مثل المترو والميدان رغم الأزمة العالمية التي عصفت بالعالم، حين كانت دبي في نطاقها، ولكنها لم تركن لظروف الأزمة، بل أنها وثبت للمستقبل بعزيمة قائدها الفذ.

ورغم ما ذكرته سابقاً، إلا أني لم أعرف فكر وأسلوب ونمط العمل لدى دبي وقادتها، إلا بعد قراءتي لكتاب “رؤيتي” للشيخ محمد بن راشد، الذي بلور سر النجاح وسر الترابط، والذي سرد الصعاب والتحديات التي واجهها الأجداد، ومنها أزمة ايقاف تصدير اللؤلؤ والذي أُعتبر مصدر الدخل الوحيد حينها، وكيف فكرت دبي واستحدثت البدائل للخروج من تلك الأزمة، وقصة توسعة الخور، ومراحل بناء ميناء راشد، وسر تمسك الشيخ راشد بمشروع ميناء جبل علي العملاق، فأيقنت أنهم قادة آمنوا بالله وقدرته على كل شيء، ووثقوا بالشعب وقدراته، وجبلوا على مقارعة التحديات والصعاب، فهذا ديدن من يحكم دبي قديماً وحديثاً، ومن هنا علمت سر ركوبهم لأمواجٍ يخاف غيرهم مجرد الاقتراب منها، كونهم تعلموا وترعرعوا على السباحة في بحر التحديات المستمر.

وعلمت سر شموخ الشيخ محمد في وجه الأزمات، فما بالنا بشخصٍ وُكل له وزارة الدفاع وهو في عشرينيات العمر، وعايش منعطفات التاريخ في مستهل نشأة الدولة، وهو قائد الرقم واحد، ورئيس الحكومة التي حصلت على الرقم واحد، ولا يخفى على عاقل مدى التغيير الجذري الذي طرأ على وزارات الدولة وأدائها تحت قيادته وإدارته.

لذا أقول لمن أهداني كتاب “ومضات من فكر الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم”: {لن أفوت الفرصة على نفسي للنهل من فكره الذي لا ينضب، ومن دروسه التي صقلت فيني سابقاً جوانب عديدة، فإن كانت الظروف حالت دون قراءته، فإن شغفي كفيلٌ بدفعي قريباً للقراءة والاستفادة}.

(ودامت إماراتنا وقادتنا في شموخٍ وعز)

شواطئ الحالمين !

٢٠١٣٠١٣٠-١٢٢٨٣٠.jpg

جلستُ على شاطئ بحر الأحلام، أراقبُ مرتاديه، متمعناً في الوجوه التي جاءت هرباً من واقعها المرير، أو تلك التي جاءت بحثاً عن فرصة تذهب بها للأفضل، فبينما جاء بعضهم للاستمتاع والاسترخاء أو لركوب المستحيل، إذ جاء من لا يعرف سبب مجيئه إلى ورطة الأحلام.

رأيتُ ذلك الطفل الذي عكف على بناء منزله الرملي القابل للهدم، وذلك الشاب المغامر الذي صارع الأمواج وارتطاماتها المتكررة بغية الوصول إلى قارب الصيد المتعمق صوب قلب البحر، مروراً بذلك الذي تخطو خطواته بحذر شديد مخافة الوقوع في حفرة المجهول أو تحسباً لغدر البحر وخياناته، وذلك الذي عرف البحر ومخاطره وحفظ منسوبه الملائم للوقوف أو للرجوع متى أراد، وذلك الذي طمسته مياه البحر فلا عاد سباحاً في بحر أحلامه ولا استطاع العودة إلى شاطئ واقعه وحقيقته.

رأيتهم بعين المتأمل حيناً، وبعين المتألم أحياناً، ما دفعني لمناجاة هذا البحر الطاغي قائلاً له: يا بحر الآلام والأوهام، رفقاً ورحمةً بمرتاديك الطامحين، فلما قسوتك على هؤلاء؟، بينما رأفتك بأولئك، ولما سمحت لأمواجك كي تطال بيت الطفل فتهدمه؟، وما هي حكمتك في جعل وصول الشاب إلى القارب صعباً ومحفوفاً بالتحدي والمخاطر؟.

يا بحر الأحلام، ويا مقصد الحالمين، أما لنا بجوابٍ كافٍ يشفي صدورنا وينور دروبنا في بحر ظلماتك؟، فكم أسرفت في وعودك المبالغة؟، وكم سرقت من ضحكاتنا البريئة؟، وكم آلمت قلوباً لا تستحق الألم؟، وكم أبكيت أعيناً في لحظة الخذلان؟، لذا لن يلومني لائم إن أسميتك سارق الفرح و زارع الترح.

استفزتهُ نعوتي الأخيرة، فكأني به ينتفض من سكوته المستمر، ليعلن رفضه الواضح لما قُلت ونعت، مخاطباً إياي: يا أيها المتأمل المتألم، أنا الماضي بكل ذكرياته، وأنا الحاضر بكل خيالاته، وأنا المستقبل بكل طموحاته، أنا دافعهم للنجاح، وأنا بصيص الضوء في لياليهم المظلمة، وأنا مُحاورهم المُصغي المُنصت في لحظات الانطواء، وأنا صندوق أسرارهم الُمحكم.

وآفاقي تسع كل أحزان الخافقين، حين أذهب بهم في رحلةٍ إلى أعماقي، فأعطيهم ما فقدوا، وأُشبعهم بما اشتهوا، وأجعلهم أغنى الأغنياء وأثرى الأثرياء، ملوكاً على من شاؤوا، أو أزواجاً لمن تمنوا، فيفعلون ما يودون دون قيودٍ أو عوائقٍ أو منغصات، ودوري في تلك الرحلة تطويع العالم بأسره على أهوائهم وما يتمنون.

فما أنا إلا تصورٌ وتخيلٌ لدروب النجاح والفلاح، ظفر بهما من أخذ بأسبابهما، ولا يد لي في التنفيذ والإنجاز، واللذان يعتمدان على قدرات الشخص وهمته وإمكانياته، فلا تُحملني أخطاء الآخرين، ولا تجعلني شماعة فشلهم.

وأردف قائلاً: وأما بيت الطفل الذي هدمته أمواجي فهو كطبيعة أحلامه البريئة، فقد كان يعلم قبل بناء بيته الرملي أن مصيره الهدم، إما بمياهي الآتية وإما بأقدامٍ غافلة، أو تراه حيناً يصنع سفينته الورقية، مستمتعاً بمشاهدتها تطفو وتبتعد موقناً بأنها لن تعود.

وأما قارب الصيد الذي أغوى ذلك الشاب المغامر، فهو أفضل مثالٍ لمسار الحالمين بالثراء السريع، فإن لم تكن راكباً ذلك القارب الآتي من الشاطئ، فإن لحاقك به في قلب البحر مغامرة محفوفة بالكثير من المخاطر والعقبات، وإن لم تكن تحمل همة وعزيمة ودراسة مستفيضة لما ستقدم عليه، فإن الأمواج العاتية كفيلةٌ بإغراقك أو قذفك إلى حيث جئت.

يا أيها السائل، ما أنا إلا بحرٌ كسائر البحور، وعلى من يرتادني الحذر والانتباه، وتعلم الغور في أعماقي دون فقد طريق العودة إلى شاطئ الواقع، وعليه ايجاد طوق النجاة متى استعصى عليه الغطس، فاستسلامه لدواماتي العاتية كفيلة بمكوثه حيث وصل وانغماسه في عالم الأحلام والأوهام حتى يصبح أسير الخيال والتخيلات، وخط الرجعة هنا صعب ويحتاج إلى الكثير من الوقت والعلاج ليعرف ويستوعب مكان حقيقته وواقعه.

(عذراً عن سوء ظني، فقد أضاع بعض الحالمين شواطئهم)

آلة الزمن في زمن الآلة !!

٢٠١٢١٢٢٧-٠٠٠٩١٣.jpg

قبل عدة سنوات وفي طريق العودة من الروضة إلى المنزل، مازحت ابني “عمر“: ماذا تريد أن تصبح عندما تكبر؟!، قابلني: أريد أن أصبح مخترعاً، قلت: وماذا ستخترع؟!، قال: سأخترع آلة الزمن، قلت: ولما؟!، أجابني مبتسماً: حتى أُدخلكَ في الآلة، فتعود شاباً كما كنت في صور الألبوم التي طالعناها سوياً بالأمس.

لا أكتمكم سراً فقد أسعدني رده بقدر ما أزعجني، أما مصدر السعادة فكونه استشعر إحساسي عند مطالعة الصور، فقد كانت أمنيتي الخفية في تلك اللحظة، بأن ترجع عقارب العمر عشرات السنين إلى تلك الأوقات الماتعة حيث عنفوان الشباب وصفاء البال.

وأما سبب انزعاجي فهو سذاجة التفكير المكتسبة من وسائل الإعلام، والتي باتت تبث صور مبهرة وبهرجة مفتعلة بلا قيمة حقيقية أو فائدة ملموسة، ومن ذلك إغراق الطفل في خيال مبالغ لا يمس الواقع أو الحقيقة العلمية في شيء، فتغدو أفكاره كرتونية خيالية وأحلامه منسوخة من سيناريوهات لقصص شاهدها وصدقها بسبب براءته وفطرته.

والجدير بالذكر أن تلك الحالة استمرت عند أطفالنا سنوات ليست بالقليلة، إلى أن أُمطرنا بالأجهزة الالكترونية والهواتف الذكية، فلا يكاد يخلو بيت منها، بل لا تكاد تخلو يد من اقتناء إحداها، فكلٌ يعيش في عالمه الافتراضي الخاص مبتعداً عن الواقع، فيما هو مقصرٌ لواجبات التواصل، ومفتقدٌ لأُلفة العائلة.

وذلك ما حدث في أُسرتي تماماً، حين حصل كلٌ على جهازه الخاص أو لِنقُل “عالمه الخاص”، باستثناء “عواش” ذات السنتين، والتي فضلتُ عدم إقحامها في هذا العالم المجهول، ولكنها في الحقيقة دخلت بطريقتها الخاصة، من خلال إلحاحها تارةً أو استغلالها الفترة الصباحية حين يكون مستخدمو الأجهزة في مدارسهم.

ففي الوهلة الأولى اعتقدت بأن علاقتها بتلك الآلات لا تتعدى إشباع فضولها في لمس الشاشة وتغيير الصور، إلا أنني ذُهلت عند مراقبتها وهي تنتقل من لعبة إلى أخرى، بل ومعرفتها التامة بالمداخل والمخارج، عندها أدركت عمق ارتباطها وسبب شغفها، تماماً كارتباطي بهاتفي وشغفي ببرامج التواصل الاجتماعي.

هنا علمت علم اليقين بأننا دخلنا آلة الزمن، عندما توحدت أعمارنا حباً وشغفاً وانجذاباً إلى تلك الشاشات الساحرة، وحين تساوينا في استيعاب هذا الجديد والتعرف على أسراره، وحين تبادلنا الآراء حول أنسب البرامج وأحدثها، وحين تعلم الكبير من مهارة الصغير، فانمحت بذلك فروق السنين والأعوام أمام متعة الإبحار ودوامة الاسترسال.

وفي المقابل أيقنت بأننا نعيش في زمنٍ طغت عليه الآلات والأجهزة الالكترونية، فبات من الضروري ايجاد الحلول المناسبة لادماننا الشامل والواضح، فكلنا نتعاطى متعة الجلوس أمام جاذبية تلك الآلات دون أي اكتراث لأهمية الوقت الضائع، ونتيجةً لذلك لم يكن بدٌ من كبح جماح هذا الشغف الطاغي، والرجوع إلى الواقع والحياة الحقيقية.

فكان أخشى ما كنت أخشاه أن تستمر دوامة الشغف مدة طويلة، مستنزفةً طاقاتنا الإنتاجية عن العمل، ومهلكةً لوضعنا الصحي، ومفككةً لعلاقاتنا الاجتماعية، ومدمرةً شخصية التواصل عند أطفالنا، وباعثةً على حب الراحة وتجميل خنوع الإرادة.

لذا قررتُ تحديد ساعات دخولي لمواقع التواصل الاجتماعي والتي كُنت قد أدمنتها فعلياً، حيث خصصتُ وقتاً معيناً لا يتعارض مع انتاج العمل، ولا يهضم واجباتي الأسرية، ولا يبعدني عن محيطي الاجتماعي، فلا تكون تلك المواقع إلا محطة من محطات اليوم للتزود بالعبارات المفيدة، والتفاعل معها إن أمكن.

أما أبنائي فلازلت معهم في شد وجذب، إذ أحاول جاهداً إخراجهم من العالم الافتراضي، بالأمر المباشر حيناً، وبالحيلة حيناً آخر، مستعيناً بخروجهم معي إلى رحلات البر أو زيارات الأقارب أو جولاتٍ إلى مدن الدولة، تاركين أجهزتهم في المنزل، ورغم ذلك إلا أنني لم أنجح في فك ارتباطهم بها، فما أن نعود إلى المنزل في كل مرة، حتى يهرع كلٌ إلى جهازه.

ولازلتُ في حالةِ بحثٍ مستمرة، لعلي أجد ما يسرق ألبابهم ويبهر تفكيرهم إلى واقعهم الحقيقي، ولعلي بذلك أسهم في تكوين شخصياتهم للمستقبل القادم، والتي أتمناها شخصياتٍ قوية في مواجهة مصاعب الحياة ومطباتها، لا شخصياتٍ كرتونية تسرح في الخيال، ولا شخصياتٍ الكترونية أبعد ما تكون عن متطلبات الحياة والتعايش معها.

مهرجان الغضب وفنونه !!

٢٠١٢١٢١٣-٠٠٣٤٤٨.jpg

إن كان الغضب جنوناً مؤقتاً، فإن قمة الغضب جنونٌ حقيقيٌ، نفقد خلاله منطق العقل، فتصدر أفعالنا كردة فعلٍ لأمرٍ سبب غضبنا، لذا كثيرةٌ هي قراراتنا الخاطئة في تلك اللحظة، وطويلةٌ هي لحظات الندم التي تعقبها، ومستمرةٌ هي حالة الملازمة بين الغضب والندم.

فحين الغضب تمحى كل الاعتبارات التي قيدتنا من قولٍ أو فعل، تلك الاعتبارات التي جعلتنا أكثر روية في هدوء ما قبل العاصفة، فتوهمنا بأننا لا نملك القوة الكافية للمواجهة أو المخاطرة، وتخوفنا من ردة فعل الآخر، وضخمنا المخاطر المترتبة عن شجاعة المواجهة.

وفي جنون الغضب تُعمى الأبصار عن المبادئ والقيم التي حُفظناها عن ظهر قلب، لتصبح هشيمةً تذروها الرياح، فيصبح الغضب سيد الموقف، ونصبح أسراه المطيعين، فلا نتذكر الصبر ومحاسنه كوننا همشنا العقل ودخلنا دوامة الجنون، ولكوننا تربينا بأسلوبٍ معتمدٍ على الأمر والنهي وسرد المثاليات، بلا إقناعٍ واقعي ولا قدوةٍ حقيقية تترجم تلك القيم إلى أفعال نشاهدها ونتعلم منها.

لذا لن تسعفنا قيمٌ لم نُمارسها، أو لم تُمارس أمامنا كي نؤمن بها، فهي أقرب للنظريات التي تحتاج للإثبات، وإثباتها الوحيد هو تطبيقها، وبالتالي التأكد من جدواها ونفعها على شخصياتنا ايجاباً، عندما نختبرها لكبح جماح هياجاننا في لحظة ثورةٍ جنونية، ولاسترجاع منطق العقل سريعاً قبل وقوع الفأس في الرأس.

والغضب من جملة الانفعالات الانسانية التي لا مفر منها وان تباينت من شخص لآخر، فهي اللحظة التي تتولد فيها قدرات لم نكن نعلمها وقوة لم نكن ندركها، كوننا خرجنا عن ضبط النفس وتحكمها إلى حالة التعبير الحر لا إرادياً أو لا شعورياً، فحين الغضب نكون أكثر انطلاقاً في حديثنا وأشجع في اتخاذ قراراتنا.

لذلك يُعتقد أن الغضب انفعال صحي شرط السيطرة عليه والتمكن منه، بل أكدت بعض الدراسات “أن الغضب من المشاعر الإيجابية ذات الحافز القوي، القادر على منح قوة الدفع للإنسان حتى يحقق ما يرغب فيه”، واتفقت دراسة من جامعة فلنسيا الأسبانية مع نظرية علم النفس “أن تفريغ المشاعر أفضل للصحة العقلية من تركها منغلقة أو مدفونة”.

لا أدعو من خلال السطور السابقة لإحياء مهرجانٍ نمارس فيه فنون الغضب وجنونه، ولكني أتمنى إن كانت لحظة الغضب حتمية وخارجة عن سيطرتنا أن ندرك الفرصة بطريقة إيجابية، فلنجعل من الغضب شحنة إصرارٍ وعزيمة، ولندرب أنفسنا على ترويض الغضب وتحويله إلى طاقةٍ نستمدها في سبيل النجاح أولاً، وفي سبيل تحدي الآخر والتفوق عليه.

أجزم بأن تلك الطاقة المستمدة من المواقف والمواجهات الغاضبة، كانت سبباً في تغيير مسار حياة الكثيرين، كيف لا ؟!، وهي لحظة استكشاف لقدراتنا المجهولة، وهي لحظة اعلان التحدي وقبوله، وهي اللحظة التي تشرق فيها أهدافنا التالية، وبشروقها ووضوحها تعلوا هممٌ قد خفقت وتصحوا نفوسٌ قد استكانت، فيدفع بنا عناد التحدي إلى حيث النور والنجاح.

بين أغبرة الماضي وأقنعة الحاضر !!

٢٠١٢١١٢٨-٠١٠٧٢٦.jpg

تتطاير الأغبرة في المكان، فثمة أطفال لازالوا يلهون خلف الكرة، ورغم حرارة الجو وخشونة الأرضية إلا أنهم حفاة، ومع ذلك الوضع القاسي إلا أنهم في قمة الفرح والبهجة، ولو سألتَ أحدهم حينها عن ما يتمناه في تلك اللحظة، لأجابك بكل ثقة أتمنى أن لا تشغلني عن ممارسة هوايتي المفضلة، لذا كنا نقضي الساعات في اللعب غير مكترثين لما سوى ذلك.

ولازلتُ أحتفظ بتفاصيل تلك الحقبة، وكأنها شريط مصور أسترجعه في أوقات الخلوات والحنين إلى الماضي، من صورة الملعب المجاور لمستشفى التوليد، إلى أدق التفاصيل التي واكبتنا في أوقات المرح والشقاوة.

ففي مرةٍ من المرات وبينما نحن في وطيس اللعب بالكرة، وقد تتطاير الغبار بسبب نشوة الحماس، إذا بطبيبة من المستشفى واقفة عند المدخل تتابع لعبنا ولهونا بكل اهتمام، تبين لنا ذلك من ابتساماتها المتواصلة، ومن تركيزها الواضح، وهي وكباقي الطبيبات في المستشفى أوروبية خمسينية العمر.

فما لبثتْ حتى نادتنا بتلويحاتٍ يدوية، وما لبثنا حتى لبينا نداءها مهرولين، فإذا بها تحمل “كرتوناً”، وقد مُلئ بأحذيةٍ رياضيةٍ لا قِبل لنا بها، عندها قامت بتجربة الأحذية على الأرجل المتسخة بتراب الملعب، حتى أوجدت لكل واحدٍ منا حذاءه المناسب، عندها أمسك كلٌ بحذائه منطلقاً إلى منزله، بفرحةٍ غامرة وغنيمةٍ وافرة.

زاد اهتمام الطبيبات بنا، فبعد الأحذية الرياضية، جاءت الهدايا والهبات كالشوكولا والألعاب، فلا يمر أسبوع إلا وقد غنمنا شيئاً مميزاً، حتى ما إن بلغنا رأس السنة الميلادية، إذا بهن يقمن بدعوتنا لحفلةٍ مخصصةٍ للأطفال، مع توصيةٍ وتذكيرٍ بوفرة الهدايا التي لا تفوت، وفعلاً نجحن في إغرائنا، فقد أصبحت الحفلة شغلنا الشاغل وهداياها حُلمنا الآتي.

جاء اليوم الموعود، ولازلنا نحمل لهفة الأطفال للهدايا الموعودة، تَجمَّعنا في الملعب، وانطلقنا على بساط الأمنيات إلى حيث ملائكة الرحمة وواهبات السعادة، عند البوابة كُن في انتظارنا بهدايا استفتاحية، كانت عبارة عن ألعاب متنوعة لم توجد في أسواقنا المحلية حينها، لذا كان وقعها علينا كبيراً، وبسبب ذلك غمرتنا فرحةٌ عارمة قبل البدء بطقوس الحفلة.

واكب الهدايا الاستفتاحية التقاط عدة صور فورية، كان صداها عميقاً في النفس، فعندما تهبك إحداهن هديةً نادرة، وتقوم الأخرى بتدوين تلك اللحظة في ذاكرتك من خلال الصورة، فإنها بذلك تحفر اللحظة وتوابعها في مخيلتك، وكأن الواقع حلمٌ جميلٌ تتمنى الاستمرار فيه، وفيما بعد يكون الحلم واقعاً تتلمس أحداثه الماضية.

فخامة الحفلة وبهرجاتها جعلتنا نعيش في عالم خيالي، يفوق تصورنا ويتجاوز استيعابنا بل ويُسحر جوارحنا، تخلل ذلك غناء إحداهن بالعربية، بعبارات لم نستوعبها للوهلة الأولى: “كل شيءٍ جميل في بيت أبي”، وكأنهن يُردن تثبيت العبارة في مخيلاتنا، قبل الانتقال إلى الفقرة التالية، والحقيقة أن الشطرالأول “كل شيءٍ جميل”، كان مطبوعاً مع أول هدية تلقيناها منهن.

أما الشطر الآخر “في بيت أبي” فقد أولناه على أنه بيت أبيهن الحقيقي، ولكن التأويل تلاشى مع الفقرة التالية، عندما بدأن في عرض فصول مسرحيةٍ تحكي قصة عيسى وأمه مريم عليهما السلام، ومحاولتهن من خلال المسرحية تثبيت عقيدة الثالوث أو التثليث في مخيلتنا “وهي أن الأب الموجود في السماء، قد تجسدت كلمته في الابن وهو المسيح، وكان وسيطا بينهما الروح القدس”.

فرغم غدق هداياهن وإسراف بهرجتهن في الحفلة، ورغم صغر سننا وطراوة فهمنا، إلا أن فكرة التثليث لم ترقَ لأحدنا، وكأنها لقمة فاسدة دخلت جوف عقولنا، فما كان منها إلا أن استفرغتها على الفور، مع انسدادٍ في النفس لتقبل ما يردد، وإن كانت مكافأة الترديد مجزية للغاية، عندها تحركت فينا فطرتنا الأزلية، وتربية آبائنا البسطاء، فأخذنا نردد:”قل هو الله أحد، الله الصمد، لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد”.

مع تفهمي لموقف الطبيبات في سعيهن لنشر دينهن أو عقيدتهن، إلا أنهن اخترن المكان الخاطئ، والأشخاص غير المناسبين لهضم عقيدةٍ تخالف التوحيد والفطرة، تجسد ذلك بعد سنين مضنية من محاولات متكررة لزرع فتيل التثليث، مع الأمهات من خلال محاضرات تعريفية، أو الأطفال من خلال الهدايا والألعاب، والتي باءت كلها بالفشل الذريع، لأنها لم تستطع اختراق فطرة طفل صغير، فما بالكم بمن ترسخت لديهم العقيدة.

تلت تلك السنين سنيناً أكثر نضجاً بين الطرفين، إذ التزمت الطبيبات بدورهن الطبي والإنساني في خدمة مجتمعٍ ناهض، مع يقينهن واستيعابهن لعقيدة هذا المجتمع، وكأني بهن وقد رسمن خطاً أحمر لأنفسهن لا يمكن تجاوزه، وفي المقابل كانت الأمهات يعاملن الطبيبات كصديقات لهن، دون خوفهن من اختراقٍ مفاجيء لجدار عقيدتهن المحصن بفطرة الإسلام.

كانت تلك القصة بداية فهمي لمروجي الأفكار والعقائد، فعقيدتنا لم تحتج لمقدمات وهدايا كي تتبلور فينا، فهي موافقة لمنطق العقل السليم، عكس الأفكار الهدامة التي تحتاج الكثير من المراوغة والتلون، فغايتهم تبرر وسيلتهم، وظواهرهم لا تطابق دواخلهم، ونواياهم مناقضة لصورهم الظاهرية، فما سياسة الأبواب المقفلة وجلسات الخلسة إلا تصديقاً لما ذكرت.

تعلمت من تلك القصة أن الذي لا يعلن فكره في النور وفي وضح النهار، إنما يحاول إخفاء العيوب والتشوهات التي تعتري منطقه، ومن يحاول رسم استراتيجيةٍ للاستدراج هو ذلك الذي فشل فكره في استدراج العقول بالحجة والمنطق، وهو يعلم علم اليقين بأنه لقمة فاسدة في جوف مجتمعٍ يحسن النوايا ويقابل الإحسان بالإحسان، وأعلم علم اليقين بأن مجتمعنا عصيٌ على كل فكرٍ شاذ وشديدٌ في وجه كلِ هادم.

(فهل وصلت الرسالة ؟!!)