حجة بحضرة المهدي !

  
بينما تطير بِنَا الطائرة إلى ربوع الإيمان والروحانيات، يهمس لي من جلس بجانبي: هل تفقه مناسك الحج جميعها؟!، وحتى لا أقع في فخٍ من الأسئلة الطويلة جاوبته بالنفي، وبعثت شيئاً من الطمأنينة إلى قلبه حين قلت: لا تقلق فحملة الحج تتكفل بالواعظ الذي سيلازمنا حتى انتهائنا من المناسك. 

فحال غالب مؤدي الحج للمرة الأولى كحال السائل، درسنا المناسك في حصص التربية الاسلامية بل وحفظناها، ولكن وبمجرد تسليمنا ورقة الاختبار في نهاية العام الدراسي، يكون مصيرها كمصير المعلومات الغزيرة التي هطلت علينا خلال الموسم، ولأنها موسمية فإنها لن تؤتي أوكلها كل حين.

وفي المدينة المنورة، جاورني جارُ مقعد الطائرة في طابق السكن المخصص لنا، فكنا نجتمع عند الوجبات ونتبادل الحديث والنقاش، وما لفت انتباهي سكوته واصغاؤه للحوارات الجدلية، دون أن ينطق ببنت شفةٍ، اعتقدت غير جازم أن سبب سكوته عن الخوض وإبداء الرأي هو ضحالة ثقافته وقلة إطلاعه، وكأني أصغي إلى لسان حاله وهو يقول: ما لي ولهذا البحر الذي لا أجيد ركوب أمواجه المتلاطمة.

والمؤسف أن محاور النقاش في غالب الحوارات لم تكن مفيدةً لنا في مناسكنا، ولم تقدم لأحدنا ما يثري معلوماته، أو يصحح اعتقاداته الخاطئة، بل كانت جدلية في أحيان وتحريضية على المخالفين لنا في أكثر الأحيان، لدرجةٍ انبرى فيها أحد المحاورين ليعطينا دروساً عفويةً عن منهج المخالفين وما يعتقدونه، كاعتقادهم وتصورهم الخاص عن المهدي المنتظر.

وفي إحدى المرات افتقدتُ ذلك الساكت المنصت، فلم يشاركنا الفطور أو الغداء، وبسؤال زميله في الغرفة أفاد بأنه لم يرجع منذ ذهابه لصلاة الفجر، فحسبته فضل المكوث في مسجد رسول الله، في ذلك الجو الروحاني الذي يحلق بك في سيرته عليه أفضل الصلاة والتسليم، حين تحكي لك المعالم ما قد كان من رسولنا الكريم من مآثر لأجل نشر هذا الدين على العالمين. 

خاب ظني بالساكت حين جاءنا خبر القبض عليه في مقبرة البقيع، لإحداثه فوضى بين طائفة من المسلمين، فقد نادى بهم أنه المهدي المنتظر وعليهم السمع والطاعة، ذهلني ما سمعت وكدت لا أصدق ما يقولون عنه، حتى لحظة إحضاره إلينا بعدما تبين للسلطات بأنه مختلٌ عقلياً، أكدته تصرفاته التالية حين كفرنا تارة وفسقنا تارة أخرى.

لا ألومه بما قام به فقد استراح عقله، ولكني ألوم حواراتنا العقيمة التي غذت عقله الفارغ بما لا يُحمد عقباه، وجعلت منه قنبلة انفجرت على طائفة من المسلمين، وكادت أن تسبب في فتنة لا يُحمد عقباها، وبسيناريو نُسج في عقله الباطن، لتتحكم الفكرة بتصرفاته الجنونية واللا منطقية. 

ومشهد صاحبنا شافاه الله يحدث ويتكرر كثيراً في مجتمعاتنا، ولكن على مستوى أكبر وردة فعل أعنف، فكم من مغفل انقاد من حيث لا يدري إلى حروبٍ طائفية مفتعلة، فأصبح وقوداً بيد أمراء الخراب، يشعلونه متى شاءوا، ويرمونه متى أرادوا، وفي كل الحالات هو أداة لتنفيذ أجنداتهم الشيطانية، وفي اعتقاده الخاص هو جنديٌ من جنود الحق، وكل ما يسعى له هو من أجل تحقيق هذا الحق في وجه الباطل.

وفي الطرف المقابل يتكرر نفس السيناريو، بأمرائهم وضحاياهم، وبأهدافهم واستغلالهم، وبكل الأحقاد التي تُزرع من أجل تحقيق محرقةٍ في نسيج الأوطان، وفي كل الأحوال لا مستفيد ولا فائز، ولا منتصر ولا غالب، فالكل فقد قوة الوطن وتماسكه، والكل افتقد التعايش الذي استمر لقرون من الزمان، وكلٌ له عزيز أو قريب أو صديق قضى غريقاً في وحل الطائفية.

ولكي نحمي مجتمعاتنا من أتون هذه الصراعات الطائفية، علينا أولاً ملء الفراغ العقلي والفكري لدى أبنائنا، بعقيدةٍ إيمانيةٍ وطنية، نضع فيها النقاط الضائعة على الحروف، فالوطن نسيج واحد، لا يمكن تجزأته أو فصله عن بعضه، وعلى الجميع احترام الجميع، من حيث المعتقد والأصل والعرق، وليكن ذلك من أهم ركائز هويتنا الوطنية، ولنعمل جميعاً على تفويت الفرصة على المتربصين بِنَا وبتماسك أوطاننا وترابطها.

ليلة القبض على تويتر !!!

٢٠١٤١٠٠١-١٩٠٠١٨-٦٨٤١٨٩٢١.jpg

قيل أفضل عادة ألا تكون لديك عادة، فالعادات تقيدنا بفعل معين نكرره بشكل مستمر، ولتختبر مستوى إدمانك على عادة ما، فعليك التوقف عن ممارستها، حتى تظهر لك أعراض الحاجة لها، وهي حاجاتٌ نفسية مزاجية تمثل الترمومتر الحقيقي لمستوى إدماننا عليها، أو تكون حاجات وهمية اعتقدنا ضرورتها، وبمجرد التوقف عنها تنقشع عن سماء ممارساتنا اليومية.

ففي تلك الليلة، كنت على موعد حقيقي مع اختبار مفاجئ عن مدى إدماني على استخدام “تويتر”، فبعد تواصل على مدار الساعة باستثناء ساعات النوم والراحة، إذا به يتوقف لبعض الوقت بسبب عطل فني، سبب لي حالة من الترقب وانتظار عودته، صاحب ذلك حالةٌ مزاجيةٌ سيئة لازمتني طول فترة الانتظار.

فقد أوقف هذا العطل جولتي المعتادة بين حسابات الصحف والكُتاب، فما عدتُ أقرأ الصحف الورقية في ظل وجود هذا الكم من الصحف بين يدي، وما عدت أطالع المجلات بمختلف توجهاتها، وحتى برامج التلفزيون كانت تصلني على شكل رابط أشاهدها متى شئت وأينما شئت، وكأنه ابتلع كل الوسائل الإعلامية المقروءة والمرئية.

وأوقف معه أيضاً لحظة أنسٍ مع أصدقائي “التويترين”، والذين اعتدتُ على قراءة عباراتهم المبدعة أو اقتباساتهم المفيدة، أو حواراتهم الدائمة والتي قد تأخذ منحاً جدلياً مشوقاً ومفيداً في بعض الأحيان، وإما منحاً أكثر شراسة في سبيل التغلب على الرأي الآخر.

هل قلتُ أصدقائي “التويترين” ؟!، ومن أعطاني هذا الحق في اعتبارهم أصدقاء ؟!، الحقيقة أني لم انتظر تفويضاً من أحد، كي يقرر لي نوعية العلاقة التي تربطني بالأشخاص الذين ألتقيهم في مناحي الحياة، فمن ارتضيتُ متابعتهم من “التويترين” إما أصدقاء نتشارك ونتحاور وإن لم نلتقي، وإما أصدقاء خاصين استشيرهم في كثير من أموري الحياتية.

فأصدقاؤنا الخاصين هم أولئك الأشخاص الذين اعتدنا على التواصل معهم أو الالتقاء بهم بصفة دائمة، فثمة هموم مشتركة وأراء متوافقة، أو تشابهٍ في أسلوب الحوار رغم الاختلاف في بعض الآراء، والمحصلة أننا مجموعة متجانسة ومنسجمة لا يعكر صفوها اختلافات وجهات النظر، ولا يشتت شملها الأحداث المتتالية.

أما دائرة الصداقة الأوسع فهي الوعاء لكل الأقارب وزملاء العمل والمعارف، وهنا تكون اللقاءات أكثر مللاً رغم قصرها، فثمة آراء متباينة ومعارك كلامية لا نهاية لها، نعم يتحول الحوار إلى معركة يبحث فيها كل طرف عن الانتصار، لا عن استيعاب الطرف الآخر، في حالةٍ غوغائية قلما سلم منها أحد المتحاورين، إلا أولئك الساكتين إما لجهلهم عن الموضوع، أو حكمةٍ تجعلهم بمنأى عن مهاترات الحديث.

وقد جاءت وسائل التواصل الاجتماعي لتشكل الوعاء الأكبر للمتحاورين، من حيث العدد الهائل للمتفاعلين أو من حيث اتساع الرقعة الجغرافية للمنتمين إليها، إذاً فمن الطبيعي ارتفاع سقف التباين والاختلاف، وبالتالي استمرار المعارك بلا هوادة، في حالة من الإدمان السلبي على القذف والسب وتشويه الأشخاص والدول، فضلاً عن الاستماتة على الرأي الأوحد وغير القابل للنقاش والتحليل.

ومن وجهة نظرٍ خاصة وعن تجربةٍ شخصيةٍ متواضعة كمتابع لوسائل التواصل، أعتبر “تويتر” الأكثر جذباً للمتحاورين على مستوى الخليج العربي، فالعبارات المختصرة والردود السريعة تجعل من الحوار أكثر حماساً واستثارةً لدخول المزيد، وبما أن غالبية المتواجدين جاؤوا من بيئةٍ تفتقد للحوار الرزين، فمن الطبيعي أن ينعكس ذلك على أسلوبهم في التعاطي مع هذا الوافد الجديد.

وفي حالة استقطابٍ واحتشادٍ لأصحاب الرأي ضد الرأي المواجه، أو دعاية مزينة لفكرٍ هدام، لذا كان وكراً للتنظيمات والجماعات المتطرفة من أجل التجنيد أو الدعم الإعلامي، وفي سبيل تعزيز تلك الكيانات وزرع أفكارها في عقول الشباب المتحمس، ليكونوا وقوداً يتم حرقها لتحقيق مآربهم الشيطانية، ما أدى لدخول الدول في هذا الصراع، إما لحماية تماسك جبهتها الداخلية من توغل تلك السموم الفكرية، أو لمواجهة الداعمين والموجهين لها، عن طريق تبيان الحقائق وفضح الدسائس.

وفي الضفة الأخرى من المسيئين لتلك الوسيلة، تقف فئة ذوي الاحتياجات الجنسية، والذين لا هم لهم إلا تلك الغريزة الحيوانية، لأسباب تتعلق بالتنشئة الخاطئة، أو المحيط الأسري والاجتماعي، والسبب الأهم في رأيي هو غياب دور الأسرة وتفكك كيانها لمشاكل لا تخفى على الجميع، فترى حساباتهم عبارة عن دعوة صريحة للرذيلة، فلم يرشدهم مرشد تربوي، أو يمنعهم مانع أخلاقي، ولم يردعهم رادع قانوني، أو يوعظهم واعظ ديني.

وهي ممارسات تجذب الكثير من المراهقين والشباب ومن يكبرهم سناً، في مراتع الوحل والنجاسة، وفي زوايا تُسوق لبيع المروءة والكرامة، وتجعل الجسد عبداً للشهوة، في طريقٍ مظلمٍ تتساقط فيه القيم والمبادئ، ولا يعلم منتهاه ومآلاته إلا الله .

ولا أقصد بكل ما وردته سابقاً كيل الاتهامات لوسيلة تواصل اجتماعي، أسأنا استخدامها بسبب خلفياتنا وجهلنا المتراكم، وانما المقصود محاكمة ذواتنا على هذا المستوى المتدني من الذوق والأخلاق، والذي دفع بالكثير منا إلى الخوض في أمورٍ معيبةٍ عرفاً وديناً، وعلينا بالمقابل وقف هذا النزيف الأخلاقي من رصيدٍ لم يبقى منه غير القشور، ومن علاقاتٍ هشةٍ بين الإخوة الذين يربطهم مصير واحد، ومصالح مشتركة.

وما “تويتر” وغيره من وسائل التواصل الاجتماعي إلا أدوات سخرت لنا، وقد انتجها المنتجون من أجل غاية نبيلة جداً، ولا يمكن هنا اتهام أداة الجريمة، وانما علينا توجيه أصابع الإرشاد والتوجيه والنصيحة إلى أولئك المستخدمين لتلك الأداة بشكلٍ سلبي ومسيء، وعلينا جمعياً التكاتف صفاً واحداً في مواجهة تلك السهام المتساقطة على وحدة دولنا وتماسكها، بل وسد أي ثغرة يمكن لتلك السهام المسمومة اختراق جسد الأمة وكيانها.

“ودمتم أصدقائي كما عهدتكم”

حارة الطيبين !

٢٠١٤٠٨١٤-٠٠١٩١٢-١١٥٢٧٤١.jpg

قليلة هي الحواري العتيقة، والتي يسري فيها نبض الحياة الحقيقي، من تواصل وتعايش وتعارف بين الساكنين، كذلك الحي الذي ترعرعت فيه، والذي ارتويت من ينابيعه التلاحم الصادق، فسكنتُ في قلوب ساكنيه، واحتميت في عيونٍ ظلت حارسة لي، ولعبت في ساحات مطلة على الصفاء والنقاء والأُلفة، لذا استنشقتُ الحب أينما توجهت.

ولذا أشتاق لتلك الأزقة الغارقة في وسط بحر الذكريات، عندما تقذف أمواجه مشهداً قد تلاشى بسبب مشاغل الحياة، لتلهث النفس فرحاً وهي تجري في جنباتها المليئة بالبساطة والتواضع، وتسعد بلقاء من بَعدوا، أولئك الذين تذوقنا طعم الماضي معهم، ومضغنا لذة الصداقة سوياً، فهضمنا علاقةً صحيةً بامتياز.

أزقةٌ ضيقةٌ، وبلا تصميمٍ يبهر، أو نظافةٍ تأسر، ومع ذلك فعفوية مرتاديها تجعل منها مكاناً للأُلفة، ومركزاً لنثر الود فيما بينهم، وكأنها حدائق غناء تمرح النفس فيها وتسرح، فقد زُرعت بالود والعطف والصدق، فانبتت أرواحاً تتآلف وتتعاطف، وتتشارك قسوة الحياة ككتلة واحدة، وإن اختلفت الأسماء والألقاب.

وأما أطفال تلك الأزقة، فلعبهم مستمر مع استمرار يقضتهم، فهم من يخترعون أدوات لهوهم، ويستخرجون من محيطهم ما يصلح أن يُتخذ للهو والمرح، فيصنعون من بقايا دراجةٍ قديمة أخرى بعجلة واحدة، يقودونها بكل فخر وفرح، فخراً كونهم صانعيها وفرحاً كونهم أوجدوا لعبةً يصعب إيجادها.

أطفالٌ تسطع حركتهم مع سطوع الشمس وتغرب مع غروبها، لا يكلون ولا يتعبون، وعلى الرغم من قلة أدوات اللعب واللهو المتاحة، إلا أنهم يُوجدون لأنفسهم مناسبات ولحظات للعب واللهو، مقروناً بالرضا النفسي والقناعة بما توفر، فلا تسمعهم يتذمرون من قلة مصادر التسلية، ولا تراهم قد ملوا من لعبة مارسوها.

فمع تجرعهم قسوة الحرمان في أحيان كثيرة، تجدهم في المقابل متفاعلين مع حركة الحياة اليومية، بل ومؤثرين بارزين في أحداثٍ كثيرة، ففي الأفراح تجدهم يبهجون الحاضرين بلباقتهم وروحهم المرحة، وفي الاتراح تجدهم يبهرون الناظرين بفزعتهم وتحملهم صعوبة الموقف مع من يكبرهم، وفي كل الأحوال لن تجدهم متخاذلين أو منطوين عن الواقع والمحيط الذي احتواهم، بل كانوا جزءاً حقيقياً ومؤثراً في حيّهم.

أتساءل!، أيُ ترفٍ نفسي كنا نعيشه في طفولتنا؟، فرغم البساطة وقلة الموارد المبهجة، إلا أننا حصلنا على حاجاتنا النفسية، في مجتمع متكاتف ومتماسك ومحب، بالاضافة إلى ما كنا نجده في بيوتنا، حيث الأمهات وهن النبع الحقيقي للعطف والحنان والتضحية من أجل الأسرة، والآباء وهم مركز القوة والسيطرة والحماية وتحمل المشاق لتوفير الأرزاق، وقد كانوا جميعاً مدرسةً للتربية ومراقبة السلوكيات، ونبراساً يحتذى في دروب الحياة وتحمل المسؤولية.

وبما أن ربابين تلك الأسر اتصفوا بتلك الصفات، فمن الطبيعي أن يبحروا بأمان في عجاج الحياة، ومن المنطقي أن تلتف الأسرة حول بعضها البعض، وتتعايش بروحٍ ملؤها الترابط الوثيق، ولهذا كنا نراهم دائم التواجد على مائدة واحدة، فالوجبات الثلاث مواعيد يومية للالتقاء والتقارب، وطقوسها مقدسة لدرجة لا يسمح فيها بالاعتذار، ولا مكان للانفراد بوجبات شخصية.

ولذلك نجدهم مجموعة واحدة في زياراتهم للأقارب، أو حين ذهابهم إلى السوق، تلاحمٌ يوحي بتقارب حقيقي فيما بينهم، فالأخ صديقٌ مُعِين لأخته، والأخت رفيقةٌ رقيقةٌ لأخيها، ولا يمكن لأي فرد الانعزال عن الدائرة الوجدانية وهي الأسرة، ولا يمكن للأسرة ترك أحد أفرادها بعيداً عن نظرها، وبالتالي لم تُمكن لأي مؤثر خارجي افتراس تلاحم وقيم وروح الأسرة.

ومع الانتقال إلى بيوتٍ أكثر أناقةٍ وحداثة، وأزقة نظيفة ومعبدة، تنازل الكثير عن الكثير من الروابط، ففُقدت صلة الجار بالجار، بل لا يكاد الجار يعرف اسم جاره، فضلاً عن التزاور والتواصل، وفقدت الحارة روحها وتعايشها، وباتت كيانات معزولة عن محيطها، رغم تقارب والتزاق البيوت، إلا أن قلوب ساكنيها بعدت وغفلت عن بعضها.

وأصل المشكلة في التحول السريع إلى الترف المادي، وما ترتب عليه من راحةٍ للجسد، وانعزالٍ وجدانيٍ عن المحيط الاجتماعي، وكذلك استقلالية أفراد البيت الواحد في غُرفٍ منفردة، مبتعدين عن روح الأسرة، وغارقين في ممارساتٍ يومية بلا قيمةٍ حقيقية، سوا أنها تسرق الوقت فالعمر، وتشغل عن التواصل الحقيقي.

وأصبحت مناسبات التواصل بين الجيران أو الأقارب أشبه بالبروتوكولات الرسمية، يُغالبها إظهار المظهر الخارجي على نحوٍ استعراضي يراد به إبهار الضيف ولفت انتباهه، مع غياب روح التواصل الحقيقية، بسبب رسمية اللقاء وطقوس الضيافة المبالغة، وكأنها أعدت ضمن جدول زمني مبرمج من الاستقبال إلى التوديع.

وقد نتج عن هذا الانغماس في الشكليات والمظاهر تحول العلاقات إلى زائفة، والأشخاص إلى أقنعة خادعة تُرتدى حسب المناسبة، وهذا يفسر كثرة الابتسامات رغم شُح الود أو انعدامه، تصنُعٌ في الود والحب والترحيب، لذا أعتقد أن كذبتنا الكبرى حين ندعي بأن تلك الزيارات والمناسبات التنكرية هي من باب التواصل والتراحم وتوطيد الألفة المفقودة.

وكما نحرنا روح التواصل بزيف المظاهر، فإننا دفنا طموح الطفل بالهدايا المبالغة، فلا يكاد يخطر في حلمه لعبة ما حتى يجدها قبل أن يستيقظ، محققين عنه حلمه بسرعة البرق، والذي يفترض أن يلازمه فترةً ليست بالقصيرة، ليستلذ بطعم الحصول عليه بعد الانتظار والترقب، وليتدرب على مصارعة الأحلام والطموحات وتحقيقها.

ولم نعلم بأننا بصدد صناعة إنسانٍ هلامي، نتوقع تواجده بيننا قلباً وقالباً، والمؤسف أن جسده حاضر أمامنا، أما عقله وتفكيره ووجدانه فهم يحلقون في عوالم افتراضية قد لا نعرف عنها الكثير، تلك العوالم التي شرعنا أمامها أبوابنا، لتستقر في النفوس وتحتل الإرادة الحقيقية، من أجل جولة انتصار وهمي يتصارع فيها أطفالنا مع الخيال.

لستُ بصدد مقارنة ظالمة بين حارة الطيبين وحاراتنا اليوم، وإنما أردت توضيح سلبياتٍ قد نغفل عنها بسبب تسارع وتيرة الحياة، وانشغالنا بكماليات الحياة عن أساسياتها، وتقديمنا الرتوش على الجوهر، والجوهر هنا يا سادة هو الانسان وما استطعنا أن نغرس فيه من قيم ومعانيٍ نبيلة، وأولها روح الترابط والإخاء، والحب الحقيقي الخالص من الزيف.

ومدى نجاحنا في توفير المتطلبات النفسية لأطفالنا، فهم في أمس الحاجة للأحضان الدافئة والتي تستوعبهم وتعرفهم دروب الصواب في الحياة، ومدى استعدادنا لتدريبهم على مقارعة مصاعب الحياة وتعويدهم على تحمل بعض المسؤوليات والتي من شأنها تشكيل شخصياتهم المستقبلية.

وإذ أحمد الله حمداً كثيراً على رغد العيش، وتوفر سبل الحياة الكريمة، فإني أدعوه جل علاه أن يلهمنا سُبل الرشاد في المحافظة على القيم المتأصلة لدينا، ويوفقنا لتربية أبنائنا تربيةً صحيحة، ويُألف بين قلوبنا وقلوب أحبابناً، وأن ينعم علينا بحبٍ يجمعنا، فتتقارب أرواحنا كما تقاربت بيوتنا.

(ودمتم طيبين على الدوام)

دمعة ناي !!

٢٠١٤٠٥١٥-٠٢١٢٠٩.jpg

في ليلةٍ شتويةٍ عمياء، تواريت عن من كنت بصحبتهم في ظلامٍ مظلم، مبتعداً عن ضجة الحديث وتعالي الضحكات، ليتلقفني سحرُ صوت نايٍ آتٍ من بعيد، جاءني عذباً رقيقاً، لذا جذبني إلى حيث هو.

جئته متلهفاً وجعلته في مرمى بصري وسمعي، فإذا به أحد العمال وقد فرغ من عمله المعتاد، ليُفرغ أنينه وحنينه لصديقه الناي، فاستمعت مستمتعاً لانبعاثاته الحزينة، ودون أن انطق كي لا أوقف لحناً لامس لب القلب.

فقد سمعته ينادي ذكرياته السعيدة، ويشكو غربة الحال عن الأحباب، ويرسل أشواقه الصادقة، والتي التقطها استشعار أحاسيسي قبل مسمعي، لذا حلقتُ معه عالياً حين بوحه للناي.

وكأني هو، بكل ما يحمل من آلامٍ وأحلام، وكأني سكنت أنينه وآهاته، فعبق الصدق غطى المكان، لدرجةٍ أصبحت فيها المعطر بعطر أحاسيسه النقية، والمتألم بجروحٍ هي ليست لي.

فكانت لحظة أخوة لاحت بكل معانيها النبيلة، وقد ألبستني شجناً دامعاً نزفه ذلك الناي الحزين، والذي أبدع في رسم صورةٍ انسانيةٍ لإنسان مثلنا، أجبرته مرارة الحياة على تذوق البعد وتحمل قسوته، ودفعت به آلام الفقر إلى تجرع المشقة، في سبيل تخفيف الأوجاع عن كاهل الذين يعيلهم من الجياع.

ولم يعلم صاحب الناي بأنه يلقنني درساً في ترويض أحاسيس الحزن والاكتئاب، إذا ما هبت رياح الحياة العاتية فأجبرتني على امتطاء أهوال ومصاعب لم أعهدها، أو أنها هوت بي إلى مستنقع لم اعتد الغور فيه.

وأول فصول الدرس هو كيفية خلق طوق داخلي يحميني من نفسي أولاً، كي لا أنهار ولا تستسلم إرادتي، ذلك الطوق الإيماني الذي يطفو فوق تيارات الحياة العاتية، ليصل بي إلى بر الأمان والاطمئنان، وبذلك يصبح درعي وحصني الحصين في مجابهة الملمات حين تغزوني والتي قد تزعزع النفس عن مسارها المتزن والطبيعي في تقبل الحياة.

وهذا ما يفسر تلك الابتسامات النقية عند الطبقة الكادحة على الدوام، والتي تنبع عن قناعة داخلية بقليل ما تملك، ويقينٍ أكيد بما قد قسمه الله لهم، عكس حال بعض الأغنياء والمترفين حين يغوصون في أعماق الطمع للبحث عن المزيد، ولكنهم وللأسف يغرقون في همٍ ونكد، كونهم في صراع على الجمع وشراهة في اكتساب المزيد، فدون القنوع بما في ايديهم لن ينالوا سعادة قط.

وثانيها هو الاستفادة من الأدوات البسيطة المتوفرة لدي، لأبني بها باباً يطل على دروب البهجة في الحياة، فاعبر جسر الانفراج والأمل، وأستأنس بسطوع الفرح والسرور، أو أحدث كل ذلك في نفسي رغم قساوة الظروف ومعاناة الجسد، ففرحة الروح كفيلة بتناسي آلام البدن.

فقد يكون مصدر الفرح ابتسامة طفل، أو نجاح عزيز، أو حوار ودي مع قريب، وقد يكون منظر طبيعي أبهج ناظري فسبب انشراحاً في صدري، أو صوتاً عذباً تسرب الى أعماقي ليخرج الفرح الفطري الكامن، مُجرداً من زيف مظاهر الحياة، بل خالصاً نقياً من كل أنواع الزيف.

“ودمتم فرحين وأبعد الله عنكم الحزن”

غيرة شرقية !!

٢٠١٣١٢١٢-٠١١١٣٦.jpg

هل أعاني من غيرة الرجال الشرقيين؟!، أم هو الحب الصادق الذي يجعل من المحبوب كالماس النادر، والذي تود الاحتفاظ به لوحدك دون شريك يعكر صفو انفرادك؟!، راودتني تلك الأسئلة الملحة وغيرها، وأنا أنظر نظرة غيرةٍ على من وضعته أيسر الصدر حيث القلب، إلى من تجرعنا مرارة الإحساس سوياً، فانسكبت تلك المشاعر من مداد دمعه الفياض، راسمةً بذلك لوحاتٍ ملؤها أحاسيسي الصادقة حين تبلورت للناظرين.

ورغم أنها دقائق قليلة استأذنني فيها، لمساعدة ذلك المتعجرف المقتحم بكل فضول، إلا أن حرارة الغيرة وصلت أقصاها، لدرجةٍ فقدتُ فيها حقيقة المكان والزمان، وطغت فيها غريزةُ التملك والاستحواذ، وبدأ خوف الفقد يتسلل إلى داخلي، عندها بدأتُ بقصف المقتحم بنظراتٍ دفاعية عله يرتدع ويُرجع الحبيب إلى مسكنه المعتاد، فما عادت نبضات القلب منضبطة حين ابتعد شاحنه إلى تلك المسافة المؤلمة، وبينما هو منسجمٌ ومستجيبٌ للغريب، ودون اكتراثٍ لشعور الحبيب.

في تلك اللحظة لاح لي ماضينا الجميل، حين كنتُ أُعبر عن وصف الجمال، بينما يبدع في ترجمة ذلك الوصف، واسترجعتُ ليالينا طويلة السهر، تحت الظلام وفي ظل ذلك الضوء الخافت والذي صنع لنا أجنحةً كي نطير في سماء الأحلام والتخيلات تارة، أو نغوص في بحور الفكر تاراتٍ أخرى، ففي ربيع الذاكرة كنا متلازميّن ومتلاحميّن في قلبٍ واحد يحمل شعوراً ومشاعراً متناغمة، بينما في خريفها تساقطت الكثير من الأوراق الجميلة بسبب تشتت المشاعر والأفكار، ورغم ذلك إلا أن مداد دمعه استمر بفيضه المعطاء، يروي عطش إحساسٍ ظل في كبتٍ مستمر، ويفتح سجناً كاد أن يصدر أحكامه الأبدية على أفكارٍ بقيت حبيسة النفس.

خرجتُ من سجن النفس المظلم إلى سعةٍ مضيئةٍ، أضاءت عتمة العقل علماً ومعرفةً، فانفجرت مكنوناتٌ ما كُنتُ لأتعرف عليها لولا لحظات البوح لحبيبٍ استودعتُهُ لب القلب بما يحوي، تلك اللحظات التي استجاب فيها للمسة يمناي، وليكشف لي ما بداخلي من أسرارٍ لم أنطقها بعد، ليبدأ نحيبه الصامت مسبباً دمعةً في عيني ما أرادت يوماً أن تظهر، لولا صدق مشاعري عندما ينزفه دمعاً على صفحةٍ بيضاء، فترى عيني مشاعري مثالة أمامها، فتسمح لتلك الدمعة الحزينة كي تبوح عن نفسها.

وبينما أنا منسجمٌ في حالةِ الماضي الجميل، إذ بذلك الصوت النشاز والذي أزعج مسمعي سابقاً، حين طلب عوناً ممن أحشيته في أحشائي، يقول: “هاك سيدي قلمك، ولا يبدو لي أنه من النوع الفاخر، كي أبرر نظراتك واهتمامك الزائد به ولمجرد دقائق معدودة كتبت فيها هذه الاستمارة!!”، قلت: “يا رجل، لو علمتَ حقيقة العلاقة التي تربطني بهذا المتواضع حسب وصفك، لعذرتني بل لاستحيت ان تعكر صفو ودادٍ ملتحم ومستمر، فقد جاءت دقائقك كي ترسم جداراً داكناً لقلبٍ ارتجف غيرةً على من حرصتُ على حمله دوماً في هذا الجيب أيسر الصدر”

“عفواً فجزءٌ من النص مفقود في دهاليز الماضي!!!”

لحظة مطر !!

٢٠١٣١١٢١-٠١٠١١٣.jpg

لم تعد التوقعات الجوية والتي تنبئ بهطول أمطار محل اهتمام بالنسبة لي، فمنذ سنوات ليست بالقريبة باتت زخات المطر الخفيفة والمتوسطة تمر للتحية سريعاً، وكأنها على موعد غرامي مع مناطق أخرى أكثر جاذبية، عكس الأيام الخوالي والتي كانت تمكث فيها أياماً لتسعدنا، وتنعش قلوبنا، وتنقي هواءنا، بل وتغسل دنيانا من أغبرةٍ تراكمت على المباني وهمومٍ استوطنت في النفوس.

كانت حاجتنا النفسية للمطر واضحة وملحة، تكشفها تلك اللهفة لأية غيمة عابرة، وأي خبر آتٍ يبشرنا بقدومه الميمون، وقد لازمني سؤال منطقي: “ما سبب تلهفنا لتلك الزخات العابرة في زمن الطفولة وأيام البساطة الجميلة؟!، ألأننا ذقنا من رحيق فيضه فأدمنا فرحة استثنائيةً في ظل قدومه!!، أم لأن أدوات الفرح والمرح في ذلك الزمن اقتصرت على فعالياتٍ حركية في أجواءٍ طبيعية، إذ جعل منها المطر أكثر انتعاشاً وأروع استمتاعاً.

ومهما كانت الأسباب إلا أن للمطر ذكريات مميزة في ألبوم العمر، تتزاحم الصور والمشاعر لدرجة أفقد فيها بعض الأحداث، بينما تبقى لذةُ فرحٍ جعلتني طائراً في مهبِ أحاسيسِ لحظة المطر، اللحظة التي كنت فيها المتيم بنقاء الهواء، والمُخدر بجرعة زائدة من روعة المنظر، فتعرت بذلك النفس، وانكشف غرامها وعشقها المباح للحظةٍ عابرة من أيام السنة العجاف.

تلك اللحظة التي تحلو فيها مداعبة الحياة برقصةٍ عفوية، عندما تتمايل النفس فرحاً وانتعاشاً، فتعزف العصافير زغاريدها الرومانسية مستجيبة لبهاء الشجر وقت المطر، ومتناغمةً مع سيمفونية الطبيعة الخلابة، ومدغدعةً لمشاعر كادت أن تفتر لولا متعة لقاءٍ بلا ميعاد، وبعدما جاءت بنسمة هواءٍ عليلة أزاحت علة النفس من ضيقها.

وقد كانت ليالي المطر معتمةً بسبب انقطاع الكهرباء المستمر، بينما كانت السماء تتلألأ بفاصل من البروق، وكأنها ألعابٌ ناريةٌ، أو عرضٌ سينمائي أوجب إطفاء الأنوار كي لا نشتت انبهارنا إلا عن روعة السماء المتلألئة باستمرار، لذا استمر استمتاعنا بجمال الأجواء وعروض السماء المجانية، ولذلك يزداد الشوق لليل المطر كشوقنا لنهاره، فتُختزن صورٌ في الذاكرة يصعب نسيانها، لفرط الجمال فيها، ولعفوية الأحاسيس المنبعثة من النفوس، والمسببة لحالة توهجٍ في الوجوه على شكلِ ابتسامةِ فرحٍ واضحة، واكبت توهج الحياة وابتسامتها في لحظةٍ تجلت فيها الطبيعة بفعل قطرات المطر.

(اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين)

استراتيجية الانطلاقة واستمرارية التحدي

٢٠١٣٠٦١٢-١٥٥٠٤٨.jpg

أهداني صديق عزيز كتاب ومضات من فكر الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، ولم تمضي أيام حتى بادرني الشخص ذاته بالاتصال والسؤال: هل قرأت الكتاب؟، وكأني فاجأته حين قلت: لم تسنح لي الفرصة الكافية للجلوس والقراءة، فاستشفت من نبرة صوته وبرود أسلوبه، ندمه على إهدائه لشخص لا يأبه بالكتاب وفحواه.

إن كان تقديري لإحساسه صحيحاً، فإن ظنه بي لم يكن في محله تماماً، فأنا ومنذ سنين ليست بالقريبة، متابعٌ بل ومثابرٌ على متابعة فكر وأسلوب وإنجازات دبي والشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، خطوةً بخطوة، ولا أبالغ حين أقول: أني لم أفوت فرصةً للاستماع والاستمتاع بمقابلةٍ أو ندوةٍ أو أمسيةٍ لسموه، حباً وتقديراً وإعجاباً، لمن استطاع أن يخلق من دبي نموذجاً يحتذى في التنمية والتطور والازدهار.

ولهذا الاهتمام قصتين، قصة إنبهاري بدبي منذ أوائل الثمانينات، وقصة متابعتي لنشاطات الشيخ محمد منذ منتصف التسعينيات، أما علاقتي بدبي، فتحكيها كلمات الإعجاب التي لم تنقطع عن مسامعي، حتى زرتها، فأيقنتْ عيني ما ورد إلى أذني، المطار والخور ودوار الساعة ونفق الشندغة وبرج راشد والملا بلازا ومركز الغرير، كلها صور إعجاب التقطها سمعي قبل أن تعتمدها عيني.

وقد ارتبط كل معلم من تلك المعالم بقصة تحدٍ حقيقية، تمخض عنها إبداعٌ وابتكارٌ فاق كل التوقعات، وتجاوز كل المقاييس المتوفرة في تلك الحقبة، فلم تكف الألسن عن الوصف والإعجاب لما اعتبر مستحيلاً في الماضي، ولما اعتبر فيما بعد معجزة محققة على أرض الواقع.

وإن كان لتلك الحقبة عنوانٌ رئيس، فعنوانها البارز الواضح هو الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم رحمه الله، فالإنجازات المحققة، كانت ضرباً من المغامرة والمخاطرة بالنسبة للكثيرين، لكن إصراره وعزيمته وإيمانه بقدرة رجاله، حولت الحلم إلى حقيقة، وجعلت دبي مميزة منذ بداية السبعينيات.

بصمة الشيخ راشد ورؤيته واضحة وكامنة في كل أرجاء دبي، ففي مقابل انخفاض إنتاج النفط تدريجياً، لم يكف البحث عن مصادر بديلة ومستحدثة، فأنشأ ميناء راشد وزاد على ذلك بناء ميناء عملاق وهو ميناء جبل علي، وأهدى دبي والأجيال القادمة مركز دبي التجاري العالمي، وأكمل عِقد سلسلة المشاريع الاستراتيجية بمصهر دوبال للألومنيوم والذي يعتبر ركيزة من ركائز اقتصاد دبي قديماً وحديثاً، وقد أنجز كل ذلك رغم التحديات الإقليمية، ورغم الركود العالمي، لأنه نظر للمستقبل بنظرة المتفائل الواثق.

وقد استمر إعجابي بنموذج دبي وزاد في كل سانحةٍ لزيارتها، فكانت تبهرني بجديدها وتأسرني بجمالها، وكأنها تعمدت التزين والتجمل لعشاقها المتيمين وروادها المترددين، وكان ذلك هو منهجها اللا منهجي في جذب السواح والترحيب بالزوار، لذا كانت شعلة نورٍ وسط الصحراء، يقصدها الباحثون عن العمل والاستثمار والسياحة.

وحلت التسعينيات بحلوها ومرها، ولازالت دبي تلك المتلئلئة والمبتهجة، وكنتُ أعبرها كغيري من العابرين، فأستظل فيها ساعات عن متاعب الحياة وروتينها، فكم كريمة هي ومبتسمة لزوارها، لذا لم تترك لي الخيار إلا الولوج في ربوعها، واستنشاق عبق نهضتها، وملامسة حصاد أبنائها، والابتهاج برؤية اللا متوقع حقيقةً ماثلة أمامي.

تسارع الرتم في منتصف التسعينيات، فبعدما بسطت جناحيهاعالميا من خلال طيران الإمارات، وأصبحت مركزا عالميا للسياحة والجذب الاستثماري، ومحطة مهمة لأكبر الأحداث الدولية من مؤتمرات ومعارض وسباقات خيل وجولات سباقات الزوارق، بدأت تزف لنا المفاجأة تلو الأخرى.

فقد أعلنت عن مهرجانِ تسوقٍ شامل، يجمع الشمل ويقرب الأسرة ويأسرها بفعالياتها المتنوعة والمختلفة، وفي الوهلة الأولى اعترض المعترضون على هذا الغريب القادم، ولم تمضي سنين حتى قلد المقلدون نسخة مهرجان دبي للتسوق، وبين الاعتراض والتقليد كانت دبي تمضي في سباقها نحو المستقبل، فها هي تعلن عن تأسيس مولودها الجديد “إعمار العقارية”.

وعلى مقاعد الجامعة، بادرني زميلٌ عربي: هل شاهدت المؤتمر الصحفي الأخير للشيخ محمد بن راشد؟، قلت: نعم شاهدت جزءاً منه، ولكن ما المغزى من سؤالك؟، قال: ألم يُبالغ حين توقع أن تتبوأ دبي مكانة كهونج كونج وسنغافورة؟، قلت: أتمنى أن تصل دبي لأبعد من ذلك، والحقيقة أن سؤاله استفزني واستثارني، بل وجعلني أمعن في كل صغيرة وكبيرة تطرأ، وكأني قبلت الرهان على دبي في سباق السنين القادمة، لذا ومن يومها لم أترك تصريحاً للشيخ محمد أو لقاءا أو مقابلة، فكانت تلك علاقة نفسية ربطتني بدبي وفارسها.

أعلن “إعمار” عن مشروع المرسى في منطقة صحراوية قاحلة، سخر البعض من الفكرة، فكيف يمكن أن تُحول تلك المنطقة الصحراوية إلى واحة سكنية ومرافق سياحية؟، ولم يتخطى عداد السنين كثيراً حتى أوفت دبي بالوعد وتم افتتاح المرسى وأصبحت من أجمل المناطق السياحية، وتوالت إعلانات “إعمار” عن مشاريع جديدة، مثل أكبر برج في العالم “برج خليفة” وأكبر مول “دبي مول”، فيما أعلن “نخيل” عن مشروعه الخيالي جزيرة النخلة، وعن المدينة العالمية والسوق الصيني “دراجون”.

كنت في حالة ترقب مع أي إعلان عن مشروع، وفي حالة متابعة في السنين التالية، حتى ما أن أنجز المشروع وافتتح، عندها فقط أصاب بحالة انتشاء المنتصر، وكأني ربحت رهاني مع الزميل، والحقيقة أنها كانت جولة من جولات الرهان الكبير، ولكن المشاريع المتتالية تجاوزت سقف الرهان بكثير، فلم أتوقع حينها أن آزور أطول برج في العالم وفي بلدي بكل فخر واعتزاز، ولم أدرك سرعة الأعوام إلا ودبي مول يستقبل الزوار، ولم تشأ دبي إلا أن تكمل مشاريعها الاستراتيجة مثل المترو والميدان رغم الأزمة العالمية التي عصفت بالعالم، حين كانت دبي في نطاقها، ولكنها لم تركن لظروف الأزمة، بل أنها وثبت للمستقبل بعزيمة قائدها الفذ.

ورغم ما ذكرته سابقاً، إلا أني لم أعرف فكر وأسلوب ونمط العمل لدى دبي وقادتها، إلا بعد قراءتي لكتاب “رؤيتي” للشيخ محمد بن راشد، الذي بلور سر النجاح وسر الترابط، والذي سرد الصعاب والتحديات التي واجهها الأجداد، ومنها أزمة ايقاف تصدير اللؤلؤ والذي أُعتبر مصدر الدخل الوحيد حينها، وكيف فكرت دبي واستحدثت البدائل للخروج من تلك الأزمة، وقصة توسعة الخور، ومراحل بناء ميناء راشد، وسر تمسك الشيخ راشد بمشروع ميناء جبل علي العملاق، فأيقنت أنهم قادة آمنوا بالله وقدرته على كل شيء، ووثقوا بالشعب وقدراته، وجبلوا على مقارعة التحديات والصعاب، فهذا ديدن من يحكم دبي قديماً وحديثاً، ومن هنا علمت سر ركوبهم لأمواجٍ يخاف غيرهم مجرد الاقتراب منها، كونهم تعلموا وترعرعوا على السباحة في بحر التحديات المستمر.

وعلمت سر شموخ الشيخ محمد في وجه الأزمات، فما بالنا بشخصٍ وُكل له وزارة الدفاع وهو في عشرينيات العمر، وعايش منعطفات التاريخ في مستهل نشأة الدولة، وهو قائد الرقم واحد، ورئيس الحكومة التي حصلت على الرقم واحد، ولا يخفى على عاقل مدى التغيير الجذري الذي طرأ على وزارات الدولة وأدائها تحت قيادته وإدارته.

لذا أقول لمن أهداني كتاب “ومضات من فكر الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم”: {لن أفوت الفرصة على نفسي للنهل من فكره الذي لا ينضب، ومن دروسه التي صقلت فيني سابقاً جوانب عديدة، فإن كانت الظروف حالت دون قراءته، فإن شغفي كفيلٌ بدفعي قريباً للقراءة والاستفادة}.

(ودامت إماراتنا وقادتنا في شموخٍ وعز)

شواطئ الحالمين !

٢٠١٣٠١٣٠-١٢٢٨٣٠.jpg

جلستُ على شاطئ بحر الأحلام، أراقبُ مرتاديه، متمعناً في الوجوه التي جاءت هرباً من واقعها المرير، أو تلك التي جاءت بحثاً عن فرصة تذهب بها للأفضل، فبينما جاء بعضهم للاستمتاع والاسترخاء أو لركوب المستحيل، إذ جاء من لا يعرف سبب مجيئه إلى ورطة الأحلام.

رأيتُ ذلك الطفل الذي عكف على بناء منزله الرملي القابل للهدم، وذلك الشاب المغامر الذي صارع الأمواج وارتطاماتها المتكررة بغية الوصول إلى قارب الصيد المتعمق صوب قلب البحر، مروراً بذلك الذي تخطو خطواته بحذر شديد مخافة الوقوع في حفرة المجهول أو تحسباً لغدر البحر وخياناته، وذلك الذي عرف البحر ومخاطره وحفظ منسوبه الملائم للوقوف أو للرجوع متى أراد، وذلك الذي طمسته مياه البحر فلا عاد سباحاً في بحر أحلامه ولا استطاع العودة إلى شاطئ واقعه وحقيقته.

رأيتهم بعين المتأمل حيناً، وبعين المتألم أحياناً، ما دفعني لمناجاة هذا البحر الطاغي قائلاً له: يا بحر الآلام والأوهام، رفقاً ورحمةً بمرتاديك الطامحين، فلما قسوتك على هؤلاء؟، بينما رأفتك بأولئك، ولما سمحت لأمواجك كي تطال بيت الطفل فتهدمه؟، وما هي حكمتك في جعل وصول الشاب إلى القارب صعباً ومحفوفاً بالتحدي والمخاطر؟.

يا بحر الأحلام، ويا مقصد الحالمين، أما لنا بجوابٍ كافٍ يشفي صدورنا وينور دروبنا في بحر ظلماتك؟، فكم أسرفت في وعودك المبالغة؟، وكم سرقت من ضحكاتنا البريئة؟، وكم آلمت قلوباً لا تستحق الألم؟، وكم أبكيت أعيناً في لحظة الخذلان؟، لذا لن يلومني لائم إن أسميتك سارق الفرح و زارع الترح.

استفزتهُ نعوتي الأخيرة، فكأني به ينتفض من سكوته المستمر، ليعلن رفضه الواضح لما قُلت ونعت، مخاطباً إياي: يا أيها المتأمل المتألم، أنا الماضي بكل ذكرياته، وأنا الحاضر بكل خيالاته، وأنا المستقبل بكل طموحاته، أنا دافعهم للنجاح، وأنا بصيص الضوء في لياليهم المظلمة، وأنا مُحاورهم المُصغي المُنصت في لحظات الانطواء، وأنا صندوق أسرارهم الُمحكم.

وآفاقي تسع كل أحزان الخافقين، حين أذهب بهم في رحلةٍ إلى أعماقي، فأعطيهم ما فقدوا، وأُشبعهم بما اشتهوا، وأجعلهم أغنى الأغنياء وأثرى الأثرياء، ملوكاً على من شاؤوا، أو أزواجاً لمن تمنوا، فيفعلون ما يودون دون قيودٍ أو عوائقٍ أو منغصات، ودوري في تلك الرحلة تطويع العالم بأسره على أهوائهم وما يتمنون.

فما أنا إلا تصورٌ وتخيلٌ لدروب النجاح والفلاح، ظفر بهما من أخذ بأسبابهما، ولا يد لي في التنفيذ والإنجاز، واللذان يعتمدان على قدرات الشخص وهمته وإمكانياته، فلا تُحملني أخطاء الآخرين، ولا تجعلني شماعة فشلهم.

وأردف قائلاً: وأما بيت الطفل الذي هدمته أمواجي فهو كطبيعة أحلامه البريئة، فقد كان يعلم قبل بناء بيته الرملي أن مصيره الهدم، إما بمياهي الآتية وإما بأقدامٍ غافلة، أو تراه حيناً يصنع سفينته الورقية، مستمتعاً بمشاهدتها تطفو وتبتعد موقناً بأنها لن تعود.

وأما قارب الصيد الذي أغوى ذلك الشاب المغامر، فهو أفضل مثالٍ لمسار الحالمين بالثراء السريع، فإن لم تكن راكباً ذلك القارب الآتي من الشاطئ، فإن لحاقك به في قلب البحر مغامرة محفوفة بالكثير من المخاطر والعقبات، وإن لم تكن تحمل همة وعزيمة ودراسة مستفيضة لما ستقدم عليه، فإن الأمواج العاتية كفيلةٌ بإغراقك أو قذفك إلى حيث جئت.

يا أيها السائل، ما أنا إلا بحرٌ كسائر البحور، وعلى من يرتادني الحذر والانتباه، وتعلم الغور في أعماقي دون فقد طريق العودة إلى شاطئ الواقع، وعليه ايجاد طوق النجاة متى استعصى عليه الغطس، فاستسلامه لدواماتي العاتية كفيلة بمكوثه حيث وصل وانغماسه في عالم الأحلام والأوهام حتى يصبح أسير الخيال والتخيلات، وخط الرجعة هنا صعب ويحتاج إلى الكثير من الوقت والعلاج ليعرف ويستوعب مكان حقيقته وواقعه.

(عذراً عن سوء ظني، فقد أضاع بعض الحالمين شواطئهم)

آلة الزمن في زمن الآلة !!

٢٠١٢١٢٢٧-٠٠٠٩١٣.jpg

قبل عدة سنوات وفي طريق العودة من الروضة إلى المنزل، مازحت ابني “عمر“: ماذا تريد أن تصبح عندما تكبر؟!، قابلني: أريد أن أصبح مخترعاً، قلت: وماذا ستخترع؟!، قال: سأخترع آلة الزمن، قلت: ولما؟!، أجابني مبتسماً: حتى أُدخلكَ في الآلة، فتعود شاباً كما كنت في صور الألبوم التي طالعناها سوياً بالأمس.

لا أكتمكم سراً فقد أسعدني رده بقدر ما أزعجني، أما مصدر السعادة فكونه استشعر إحساسي عند مطالعة الصور، فقد كانت أمنيتي الخفية في تلك اللحظة، بأن ترجع عقارب العمر عشرات السنين إلى تلك الأوقات الماتعة حيث عنفوان الشباب وصفاء البال.

وأما سبب انزعاجي فهو سذاجة التفكير المكتسبة من وسائل الإعلام، والتي باتت تبث صور مبهرة وبهرجة مفتعلة بلا قيمة حقيقية أو فائدة ملموسة، ومن ذلك إغراق الطفل في خيال مبالغ لا يمس الواقع أو الحقيقة العلمية في شيء، فتغدو أفكاره كرتونية خيالية وأحلامه منسوخة من سيناريوهات لقصص شاهدها وصدقها بسبب براءته وفطرته.

والجدير بالذكر أن تلك الحالة استمرت عند أطفالنا سنوات ليست بالقليلة، إلى أن أُمطرنا بالأجهزة الالكترونية والهواتف الذكية، فلا يكاد يخلو بيت منها، بل لا تكاد تخلو يد من اقتناء إحداها، فكلٌ يعيش في عالمه الافتراضي الخاص مبتعداً عن الواقع، فيما هو مقصرٌ لواجبات التواصل، ومفتقدٌ لأُلفة العائلة.

وذلك ما حدث في أُسرتي تماماً، حين حصل كلٌ على جهازه الخاص أو لِنقُل “عالمه الخاص”، باستثناء “عواش” ذات السنتين، والتي فضلتُ عدم إقحامها في هذا العالم المجهول، ولكنها في الحقيقة دخلت بطريقتها الخاصة، من خلال إلحاحها تارةً أو استغلالها الفترة الصباحية حين يكون مستخدمو الأجهزة في مدارسهم.

ففي الوهلة الأولى اعتقدت بأن علاقتها بتلك الآلات لا تتعدى إشباع فضولها في لمس الشاشة وتغيير الصور، إلا أنني ذُهلت عند مراقبتها وهي تنتقل من لعبة إلى أخرى، بل ومعرفتها التامة بالمداخل والمخارج، عندها أدركت عمق ارتباطها وسبب شغفها، تماماً كارتباطي بهاتفي وشغفي ببرامج التواصل الاجتماعي.

هنا علمت علم اليقين بأننا دخلنا آلة الزمن، عندما توحدت أعمارنا حباً وشغفاً وانجذاباً إلى تلك الشاشات الساحرة، وحين تساوينا في استيعاب هذا الجديد والتعرف على أسراره، وحين تبادلنا الآراء حول أنسب البرامج وأحدثها، وحين تعلم الكبير من مهارة الصغير، فانمحت بذلك فروق السنين والأعوام أمام متعة الإبحار ودوامة الاسترسال.

وفي المقابل أيقنت بأننا نعيش في زمنٍ طغت عليه الآلات والأجهزة الالكترونية، فبات من الضروري ايجاد الحلول المناسبة لادماننا الشامل والواضح، فكلنا نتعاطى متعة الجلوس أمام جاذبية تلك الآلات دون أي اكتراث لأهمية الوقت الضائع، ونتيجةً لذلك لم يكن بدٌ من كبح جماح هذا الشغف الطاغي، والرجوع إلى الواقع والحياة الحقيقية.

فكان أخشى ما كنت أخشاه أن تستمر دوامة الشغف مدة طويلة، مستنزفةً طاقاتنا الإنتاجية عن العمل، ومهلكةً لوضعنا الصحي، ومفككةً لعلاقاتنا الاجتماعية، ومدمرةً شخصية التواصل عند أطفالنا، وباعثةً على حب الراحة وتجميل خنوع الإرادة.

لذا قررتُ تحديد ساعات دخولي لمواقع التواصل الاجتماعي والتي كُنت قد أدمنتها فعلياً، حيث خصصتُ وقتاً معيناً لا يتعارض مع انتاج العمل، ولا يهضم واجباتي الأسرية، ولا يبعدني عن محيطي الاجتماعي، فلا تكون تلك المواقع إلا محطة من محطات اليوم للتزود بالعبارات المفيدة، والتفاعل معها إن أمكن.

أما أبنائي فلازلت معهم في شد وجذب، إذ أحاول جاهداً إخراجهم من العالم الافتراضي، بالأمر المباشر حيناً، وبالحيلة حيناً آخر، مستعيناً بخروجهم معي إلى رحلات البر أو زيارات الأقارب أو جولاتٍ إلى مدن الدولة، تاركين أجهزتهم في المنزل، ورغم ذلك إلا أنني لم أنجح في فك ارتباطهم بها، فما أن نعود إلى المنزل في كل مرة، حتى يهرع كلٌ إلى جهازه.

ولازلتُ في حالةِ بحثٍ مستمرة، لعلي أجد ما يسرق ألبابهم ويبهر تفكيرهم إلى واقعهم الحقيقي، ولعلي بذلك أسهم في تكوين شخصياتهم للمستقبل القادم، والتي أتمناها شخصياتٍ قوية في مواجهة مصاعب الحياة ومطباتها، لا شخصياتٍ كرتونية تسرح في الخيال، ولا شخصياتٍ الكترونية أبعد ما تكون عن متطلبات الحياة والتعايش معها.

مهرجان الغضب وفنونه !!

٢٠١٢١٢١٣-٠٠٣٤٤٨.jpg

إن كان الغضب جنوناً مؤقتاً، فإن قمة الغضب جنونٌ حقيقيٌ، نفقد خلاله منطق العقل، فتصدر أفعالنا كردة فعلٍ لأمرٍ سبب غضبنا، لذا كثيرةٌ هي قراراتنا الخاطئة في تلك اللحظة، وطويلةٌ هي لحظات الندم التي تعقبها، ومستمرةٌ هي حالة الملازمة بين الغضب والندم.

فحين الغضب تمحى كل الاعتبارات التي قيدتنا من قولٍ أو فعل، تلك الاعتبارات التي جعلتنا أكثر روية في هدوء ما قبل العاصفة، فتوهمنا بأننا لا نملك القوة الكافية للمواجهة أو المخاطرة، وتخوفنا من ردة فعل الآخر، وضخمنا المخاطر المترتبة عن شجاعة المواجهة.

وفي جنون الغضب تُعمى الأبصار عن المبادئ والقيم التي حُفظناها عن ظهر قلب، لتصبح هشيمةً تذروها الرياح، فيصبح الغضب سيد الموقف، ونصبح أسراه المطيعين، فلا نتذكر الصبر ومحاسنه كوننا همشنا العقل ودخلنا دوامة الجنون، ولكوننا تربينا بأسلوبٍ معتمدٍ على الأمر والنهي وسرد المثاليات، بلا إقناعٍ واقعي ولا قدوةٍ حقيقية تترجم تلك القيم إلى أفعال نشاهدها ونتعلم منها.

لذا لن تسعفنا قيمٌ لم نُمارسها، أو لم تُمارس أمامنا كي نؤمن بها، فهي أقرب للنظريات التي تحتاج للإثبات، وإثباتها الوحيد هو تطبيقها، وبالتالي التأكد من جدواها ونفعها على شخصياتنا ايجاباً، عندما نختبرها لكبح جماح هياجاننا في لحظة ثورةٍ جنونية، ولاسترجاع منطق العقل سريعاً قبل وقوع الفأس في الرأس.

والغضب من جملة الانفعالات الانسانية التي لا مفر منها وان تباينت من شخص لآخر، فهي اللحظة التي تتولد فيها قدرات لم نكن نعلمها وقوة لم نكن ندركها، كوننا خرجنا عن ضبط النفس وتحكمها إلى حالة التعبير الحر لا إرادياً أو لا شعورياً، فحين الغضب نكون أكثر انطلاقاً في حديثنا وأشجع في اتخاذ قراراتنا.

لذلك يُعتقد أن الغضب انفعال صحي شرط السيطرة عليه والتمكن منه، بل أكدت بعض الدراسات “أن الغضب من المشاعر الإيجابية ذات الحافز القوي، القادر على منح قوة الدفع للإنسان حتى يحقق ما يرغب فيه”، واتفقت دراسة من جامعة فلنسيا الأسبانية مع نظرية علم النفس “أن تفريغ المشاعر أفضل للصحة العقلية من تركها منغلقة أو مدفونة”.

لا أدعو من خلال السطور السابقة لإحياء مهرجانٍ نمارس فيه فنون الغضب وجنونه، ولكني أتمنى إن كانت لحظة الغضب حتمية وخارجة عن سيطرتنا أن ندرك الفرصة بطريقة إيجابية، فلنجعل من الغضب شحنة إصرارٍ وعزيمة، ولندرب أنفسنا على ترويض الغضب وتحويله إلى طاقةٍ نستمدها في سبيل النجاح أولاً، وفي سبيل تحدي الآخر والتفوق عليه.

أجزم بأن تلك الطاقة المستمدة من المواقف والمواجهات الغاضبة، كانت سبباً في تغيير مسار حياة الكثيرين، كيف لا ؟!، وهي لحظة استكشاف لقدراتنا المجهولة، وهي لحظة اعلان التحدي وقبوله، وهي اللحظة التي تشرق فيها أهدافنا التالية، وبشروقها ووضوحها تعلوا هممٌ قد خفقت وتصحوا نفوسٌ قد استكانت، فيدفع بنا عناد التحدي إلى حيث النور والنجاح.