رحلة من رحلوا

20120711-151045.jpg

فيما الحياة مكتظة برحلات القادمين والمغادرين، تظل رحلات الوداع هي العالقة دون الأخريات، كونها لحظات تختزل مكنونات النفس تجاه المودَّع، يغلب فيها الحزن وإن تفاوتت درجاته، وهي اللحظات التي تكشف الغطاء عن مشاعرنا الحقيقية، فلا مكان للمداراة، ولا حاجة للكتمان، لذا تفضحنا دموعنا، وتخنقنا العبرات.

نبشت في ذكرياتي بحثاً عن رحلات الوداع التي عايشتها وتفاعلت معها، فطفت تلك التي كانت محفورة، ولا أعرف سبب ثباتها دون غيرها.

أولها وأنا في سن الخامسة، حين أُدخلت إلى المستشفى لإجراء عملية في اليوم التالي، فقد سلمني والدي للممرضة وهم بالخروج، فما كان مني إلا أن أقطع الممرات مطلقاً العنان لساقيَّ لبذل أقصى ما عندهما، حتى تشبثت به، عندها التفت واحتضنني بكل حنان، وأعادني إليها، فأمسكت بي جيداً، بل أنها شلت حركتي نهائياً، أحسست حينها بلوعة الفراق، وهو يتوارى عن انظاري، لذا استوحشت المكان ومن فيه، فكانت أول دمعة وداع خرجت من عينيَّ.

وبعد سنين، عشت لحظة وداعٍ يومية، كانت في حافلة المدرسة ونحن عائدون إلى المنزل، ومع صديق مقرب كنت أتبادل معه الود، فلم أرغب فراقه ولو لساعات، تتجلى تلك اللحظة عند النزول من الحافلة، وتلويحاته لي، بينما كانت الحافلة تغيب مبتعدة، فرغم تكرارها إلا أنها من أروع ما أتذكر من لحظات، كونها لحظة صادقة في خضم طفولة بريئة.

ثم منظر نساء الحي وقد تجمعن لتوديع والدتي عند انتقالنا إلى المنزل الجديد، فلما رأيت البكاء والنحيب، ظننت أن حينا سيكون في أقاصي البلاد، والمفارقة أنه لا يبعد إلا ثلاثة شوارع من منزلنا القديم، ولكنه الشعور الصادق في زمن الحب الحقيقي، الذي جعل البعد ولو لمسافة بسيطة هماً وحزناً على قلوبهن.

وفي نفس الزمن، منظر آخر فرض نفسه، وهو تجمع أهل الحي كبيرهم وصغيرهم، رجالاً ونساءاً في بيت أحد الجيران، لا لشيء إلا لتوديعه قبل سفره لأداء فريضة الحج، وكأن للوداع معناً آخر غير الذي نعهده في وقتنا الحاضر، الحزن ولوعة الفراق تؤكدهما تلك اللحظة الختامية عند التوديع، والملفت هو تبادل المشاعر الصادقة بين الجميع، متناسين الخلافات والمشاحنات.

وفي المقابل، حين عصرت عصارة مخي لاستخرج بعض الأصدقاء الذين انسحبوا من حياتي بلا مبرر، لم يستجب لي إطلاقاً، فلا أذكر أسماءهم فضلاً عن سيرتهم، فهي لحظات منسية بالنسبة لي، لأن أصحابها اختاروا الرحيل دون إبداء الأسباب، إما لأنهم ولوا وجوههم نحو صداقاتٍ أكثر جدوى، أو لأنهم لم يجدوا نفعاً من صداقتهم لي، وفي كلتا الحالتين ندمت على ساعاتي الضائعة مع تلك الوجوه، موقناً بأن فراقهم كان نعمة، كي لا أطيل المكوث في دوامة خداعهم، ولكي لا انغمس في كذبة صداقتهم الزائفة.

دارت عجلة الأيام، وكثرت لحظات وداع الأحباب، تلك اللحظة التي يختفي صاحبها عن الأنظار، حاملاً روحاً أحببناه، ووجها ألفناه، وصوتاً حفظناه، تاركاً ذكريات ومواقف تبادلناها سوياً، فيظل طيفه يسكن الأماكن، وسيرته تلطف المجالس.

أطل علي منظر وداعٍ من نوعٍ أكثر حزناً وأسى، عندما غادر أحدهم رغماً عني وعنه، بلا ميعاد ودون توديع، فجسده حاضر أمامي، أما روحه فقد سُلمت لباريها، ومراسم الوداع هنا قاسية، فيظل جسده أمامك من غسلٍ فصلاةٍ، ثم موكبٍ جنائزيٍ حتى نصل به إلى مثواه الأخير، بأيدينا نفعل كل ذلك بمن نحب، وبأيدينا نهل عليه التراب.

تلك الرحلة التي ينتقل صاحبها إلى حياة البرزخ، وينتقل مودعوه المحبون إلى الحزن والأسى، فيتذكرون كل لحظة عاشوها سوياً، فاقدين الأمل في تكرارها، فتذرف الأعين ماءها بكل ما للحسرة من معنى.

وهي الرحلة التي تولد لدينا حب الراحل ونسيان مساوئه أو تناسيها، عندما يموت الجسد وتحيا الذكريات، ولأننا أيقنا استحالة عودته لنعاتبه أو لنحاسبه، فتبقى من قصصه أحسنها، ومن أحاديثه ألطفها، ومن صوره أجملها.

أيقنت وآمنت بأني سأخوض رحلة الوداع الأخيرة، حين أودع الحياة جسدياً، فتبقى مني الذكريات، وانتقل روحاً إلى حياة البرزخ، ثم روحاً وجسداً إلى دار الحساب، ولأنني قرأت وسمعت الكثير عنها، فإن معالمها وأسرارها تبدو واضحة بالنسبة لي، فما هي إلا محصلة لما اقترفت يداي في هذه الحياة، مغلفةً برحمة الله التي وسعت كل شيء.

ولأن هواجسنا لا تكون إلا في المجهول، فقد كان هاجسي أن تغيب ذكرياتي مع بقائي ضمن الأحياء، فأُصبح جسداً بلا روح، إذ إن سرعة الأيام أو تسارعها تجعل أحداثها مزدحمة، فتسقط ذكرياتنا الواحدة تلو الأخرى، وتقدم العمر كفيلٌ في تأكيد مسحها، حتى نعيش في محيطٍ غريب، تكثر فيه قصص الخيال، وتختلط الأحداث، وتتشابك الأسماء.

أهذا نذير شؤم؟!، بأن ترحل ذكرياتنا بلا توديع، فنبقى جسداً يتحرك بلا عقل يستوعب، فيظن أحبابنا أننا لازلنا باقون، لأنهم يروننا نأكل ونشرب، بل نبتسم ونضحك في بعض الأحيان، والحقيقة أن موتنا سيكون يوم تُدفن ذكرياتنا وتُحذف ذاكرتنا.

(دمتم ودامت ذكرياتكم)

الرأي المعاكس

20120620-231603.jpg

منذ نعومة أظفاره، واقتتال وجهات النظر لم يبرح تفكيره، من البدء حيث مشاهدة المشاحنات في طفولته، ثم حماس النقاش، فالتعصب والانحياز في زهرة عمره وعنفوان شبابه.

لذا لم يسلم وأقرانه من خصومة الجدال، واستماتة العناد، فكانت شرارة الخلاف رأيٌ عاكس رأي، وناره نقاش عقيم، ورماده خصام مبين.

ولذلك ظل يناظر كل ضد معاكس، فكان يرى رأيه حقيقة، بلا شك ولا خلط، ورأيهم باطل أكيد، وفساد مقيت، ونتيجةً لهذا، فقد جادلهم بلا رحمة، حتى أصبح أشوسهم، فلم يقبل غير رأيه، ولم يسمع غير صوته، بل كان يلجم الأفواه، بلسانه الجارح، وعباراته الحادة.

حتى بنى سوره العظيم، ليحميه من كل ذي رأي معاكس، دعائمه التسفيه والإسفاف، وحراسه كل قول بذيء بسلاح الشتم والقذف.

وبذلك تقوقع على رأيه الوحيد، حتى ذلك اليوم العظيم، حينما انفجر عقله، طارحاً أسئلته المدوية، فأحدثت شظاياه شرخاً في سوره المحصن: “إن كان رأيك صحيحاً، ودلائله واضحة، وركائزه قوية، فلما الخوف من رأيٍ مخالف؟!، وما الداعي لسورك المحصن؟!.

فهل هو خوفٌ من آرائهم؟!، أم خوفٌ على رأيك؟!، أم هي رهبة الحقيقة إن خالفت ما تعتقد؟!، أم تربيةٌ لازالت آثارها تتحكم؟!، وهل لتسلط والدك دور؟!، وهل لجبروتِ مُدرسكَ بصمة؟!.

وفي المقابل، لماذا خُلقنا مختلفين، شكلاً ولوناً وتفكيراً؟!، وكيف ستكون الحياة إن كنا متشابهين؟!، وجملة القول: هل الاختلاف فطرة؟!.

فكيف بك، إن دخلت بستاناً زهوره بلون واحد، مقابل بستانٍ اختلفت ألوانه وتنوعت؟!، كذلك هي الآراء والأفكار، فما هي إلا بساتين يانعة الثمار والأزهار، كثيرة الأشكال والألوان.

فإن لم ترغب في ثمارها وأزهارها، فلا تحرم عقلك من روعتها، ولا تمنعهم من زيارة بستانك الصغير، فقد يعجبهم شيءٌ منها، فيقطفوا أجملها ويحصدوا أطعمها.

والحياةُ أخذٌ وعطاء، فخذ أجود ما عندهم، واترك ما دون ذلك، واعطهم أجمل ما تراه، ولكن على طبقٍ من الاحترام والود، مزينةً بكثير من اللين والطيب، مذاقها قناعتك ولُبها دلائلك”.

عندها هوى ذلك السور العظيم، ليَسمع ويُسمع، ويأخذ ويعطي، دون مسٍ أو لمسٍ لثوابت الدين، وبعيداً عند كل همزٍ ولمز، ليكون محباً لكل مخالفٍ معاكس، متمنياً الوصول إلى الحقيقة وإن خالفت رأيه.

(دمتم متحابين وإن اختلفتم)

تضحية أم مسؤولية ؟!

20120613-232651.jpg

ظل “سعيد” يدندن: “احبك موت كلمة مالها تفسير، ولين اليوم ما ادري كيف افسرها”، وهو في طريقه للقاء أصدقائه الثلاثة، فقد تزوج “أحمد” و”عبدالله” ثم تبعهما “ياسر”، فظل هو العازب الوحيد في الشلة، لذلك أخذت الوظيفة جل وقته، ولكونه من المبدعين فقد ساهم في تطوير دائرته.

وصل إلى المطعم أولاً، فجلس على الطاولة المعتادة، وأخذ يطالع في قائمة الطعام، ريثما يتوافد الأصدقاء، وما لبث حتى أقبل أول الواصلين، إنه “ياسر” المعروف بتنظيمه وتوقيته الدقيقان، رحب به وجلسا يتحدثان، وبعد حين وصل الصديقان، فبدأوا طقوس العَشاء المعتادة.

تمحورت أحاديثهم عن التغير الذي طرأ بعد دخولهم القفص الذهبي، واختلفت الآراء بين أحمد وعبدالله، حين أسف أحمد لتركه حرية العزوبية، وإقحامه مسؤوليات الأسرة التي لا تنتهي، ومراقبة زوجته التي نعتها “بالنسرة”.

فيما رأى عبدالله أن الطريقة المثلى للتعامل مع تسلط الزوجة وجبروتها، هي فرض شخصيته من الوهلة الأولى، مستعيناً بمبدأ”خير وسيلة للدفاع هو الهجوم”، ضارباً أمثلة متعددة في سيطرته على الوضع، وخنوع زوجته بلا نقاش.

بينما ظل ياسر في صمته المعهود، لم يبين للأصدقاء رأياً أو تحليلاً لحاله بعد الزواج، فدام يبتسم للإثنين وهما يتحدثان عن تجربتهما.

ولأن سعيد كان أكثرهم شغفاً، فقد مر عليه الوقت سريعاً كالبرق، فكم كان ينتظر هذه اللحظة، بعدما أصبح وحيداً بعد زواجهم وانشغالهم بالبيت والزوجة.

بعد تناول العشاء، استأذن ياسر مباشرةً وانصرف، وبعد برهة توافدت المكالمات المنزلية على أحمد وعبدالله، فظلا يتفننان في “تطنيشها”، حتى انقضت ساعة، عندها أدركا الوضع فرد كلٌ على مكالمته، وبعيداً عن المسامع.

والمفاجأة أنهما أنهيا المراسم بلا مقدمات، وكأنهما تلقيا النداء الأخير، فانطلقا مسرعين، وبدى الاستغراب على سعيد، لأنه لم يستطع فك طلاسمهم الغريبة والعجيبة.

استوحش سعيد حاله وهو عائد إلى المنزل، وتمنى وجود شخص يؤنس وحشته ويسد حاجاته، ممهداً الطريق أمام فكرة الزواج للولوج بباله، بعد أن كان سداً منيعاً أمامها، وأمام كل محاولات والديه.

كانت أسباب الامتناع كثيرة، منها عدم جاهزيته لتكوين أسرة، وتحمل مسؤولية الزوجة، أما السبب الأهم، فهو خوفه من فشل التجربة، لما سمعه من قصص الطلاق التي انتشرت وطفت، وبنسب ليست مقبولة على الإطلاق.

فكونه ناجح في دراسته سابقاً، وعمله حالياً، لم يشأ إلا أن ينجح في كل التجارب التي سيمر عليها، لذا كان يطيل دراسة أي مشروع جديد، ويبحث كل الجوانب، ويحلل كل المعوقات، حتى يصل إلى مبتغاه بأقصر الطرق، وبأقل التكاليف والخسائر.

دخل المنزل فإذا بوالديه يشاهدان مسلسلاً تركياً، فسلم وجلس بجوارهما، مستغرباً من إندماجهما الملفت في قصة حب لا تناسبهما إطلاقاً، فقال مازحاً: ما الذي تشاهدانه؟!، هذا لا يناسبكما البتة، وكالعادة وبانسجامٍ تام قابلاه بضحكات مدوية، قال الأب: لازلنا نستأنس بقصص الحب، وجو الحب، فما المانع من ذلك؟!.

قال سعيد: وهل هو سبب انسجامكما؟!، فمنذ خرجت إلي هذه المعمورة، وأنا أراكما ذلك الزوجين المتناغمين، تتخاصمان وتتشاجران بُرهيات من الزمن، ثم تعودان كما كنتما بانسجامكما وضحكاتكما، فما السر في ذلك؟!

قالت الأم : التضحية والتفاهم، قاطعها الأب: بل تحمل المسؤولية والتفاهم، قال سعيد: فأين الحب إذاً؟!.

قالت الأم: الحب وهم قبل الزواج، لأنه عبارة عن وعود من الطرفين، ورسومات خيالية مزينة بكثير من المبالغة، ولكنه بعد الزواج حقيقة ملموسة، لأن برهانه الأكيد هو التضحية وتحمل المسؤولية، واللذان يأتيان بعد الزواج وفي خضم التعايش بين الطرفين.

استطرد الأب: وأما السفينة التي تحمل الحب إلى بر السعادة فهي التفاهم، ولولاه ما حدث ما تراه من انسجام وتناغم واستلطاف.

أصبحت الكلمات الثلاث :”تضحية، مسؤولية، تفاهم” أمام عينيه ليل نهار، فكان يحللها ويفسرها، ولم يستطع فك رموزها، ولكنه تأكد من أنها مفاتيح مهمة للسعادة الزوجية.

وبعد أسبوع قرر لقاء ياسر على حدة، وقد كان، عندها بادره: هل انت سعيد في حياتك الزوجية؟!، جاوبه: في تقديري وتقدير زوجتي نعم، سعيد: إذاً هل لك أن تخبرني بسر خلطتها؟!.

ابتسم ياسر وقال: إنها غالية الثمن، فقد بذلت الكثير من الجهد حتى حصلت عليها، بدايةً من قراءتي لكل كتب السعادة الزوجية، ومشاهدة البرامج الأسرية، وأخيراً جلوسي مع أحمد وعبدالله بعد زواجهما.

وأضاف: جمعت حاجات الزوج في قائمة، ثم حاجات الزوجة في قائمة أخرى، حتى كدتُ أن أكون باحثاً في هذا المجال، ولكني تيقنت أن ما كنت أقرأ وأشاهد ما هي إلا معلومات متكررة، ونظريات مستهلكة، مصادرها كتب مترجمة، تفنن أصحابها في تغليفها بشكل منسق وجميل، وقد أجادوا ترويجها ثم بيعها.

سعيد: وهل استنتجت بعد ذلك بأن السعادة تكمن في التضحية والمسؤولية والتفاهم؟!، ياسر: أعتقد إن حضر التفاهم، سهل إحضار الباقي، فبعد عقد القران، جلستُ مع زوجتي جلسةً مطولةً، نتفاهم في كل صغيرةٍ وكبيرةٍ، وكأنها خارطة طريق لحياتنا الزوجية.

سعيد: وهل وضعتم قوائم التضحية والمسؤولية؟!، ياسر: لم نسمها كذلك، وانما هي واجبات مشتركة، اتفقنا منذ البداية في توزيعها، فبت أعلم ما لي وما علي قبل ليلة الزفاف، وكذلك زوجتي، والأهم أننا اتفقنا على الهدف السامي من هذا الزواج، واتفقنا على أن نبذل الغالي والنفيس من أجل تحقيقه.

أكمل ياسر: ولا اعتقد بأن أحدنا سيتوانا في التضحية أو تحمل المسؤولية، وإلا اعتبر أنانياً فلا يستحق أن يكون طرفاً في هذا الكيان.

سعيد: فهل تنصحني بالزواج؟!، ياسر: نعم، بل احثك عليه، اعقلها وتوكل، ولكن قبل ذلك عليك أن تحسن اختيار الزوجة التي ستنسجم معها، فقد يكون سوء الاختيار، سبباً في عدم الانسجام، مما يؤدي إلى التنافر فالانفصال، أو التضحية والتنازل دون الآخر.

سعيد: استطيع الآن أن أخطو أول خطوة نحو عش الزوجية، فشكراً لك.

(ودمتم متفاهمين)

زنزانة الشك

20120606-234212.jpg

“لقد صدرت الأوامر بتنفيذ حكم الاعدام على السجين رقم 188″، بهذه الكلمات همس مسؤول السجن لأحد زمالائه، فما لبث ذلك الخبر حتى انتشر كالنار في الهشيم، شاقاً طريقه إلى مسمع السجان الذي كان مسؤولاً عن زنزانة المحكوم عليه.

ذلك السجين، الذي كان يكن له الكثير من الاحترام والود، لما اتصف به من خلق سمح، ومواظبةٍ على الصلوات في وقتها، وحفظٍ لكتاب الله أثناء سجنه، وتحفيظه ما يحفظ للمساجين، فكان القرآن الذي في صدره كالعطر الفواح، وقد اشتمه كل من بالمكان، ومع مرور الزمن أصبح السجان تلميذ السجين.

جاء يوم التنفيذ، دخل السجن وإذا به قائم بين يدي ربه يصلي، فانتظره حتى ينهي صلاته، ثم قال له: هل انت جاهز؟، قابله بنظرة المؤمن الموقن وقال:نعم، ولكني سأحملك أمانة لابنتي، قبل ذهابي إلي قدري المحتوم.

السجان: أتمنى أن أوصل أمانتك كما تريد، السجين: هذه رسالة أريدك أن تقرأها عليها، وقد كتبت عنوانها واسمها على الظرف، السجان: أمانتك ستصل إلى ابنتك غداً، وأشهد الله أني سأفعل.

بينما كان يسلم سجينه للجهة المنفذة، كاد الأسى والحسرة أن يعتصرانه، فقد سبقت دموعه كلمات الوداع، فاستدار ومضى مخفياً ما يختلج في صدره، وغاضاً بصره عن موقف لم يكن يتمنى أن يراه، داعياً الله أن يتقبل توبته.

لم يغمض للسجان جفن تلك الليلة، تململ على فراشه، حتى استفاق مسرعاً إلى تلك الرسالة، فهي ما تبقى من أحاسيس وتعابير الصديق، فقد غالبه الشوق لهمساته وكلماته، فقرر قراءتها على نفسه قبل الذهاب بها إلى ابنة صاحب الرسالة.

فطفق يقرأها:

” ابنتي العزيزة وعمر سنيني الهنية …

كانت أمكِ حبيبة العمر، تزوجتُ حسنها وأدبها، وقبل ذلك طيبة قلبها، لذا كنا محل حسد وغيرة من أقراننا وأقربائهم.

أتعلمين كم غمرتني الفرحة في اللحظة التي علمت فيها خبر حملها بكِ، وهل تعلمين بأنني احببتكِ وانتِ في علم الغيب؟!، علمنا فيما بعد بأنكِ بنت، فأصبحتُ أهيم على وجهي في الأسواق، بحثاً عن كل شيء يناسبكِ.

فأنا من اختار ملابسك، ولحافك وفراشك، بل أني سبقت أحداث الزمن حين اخترت ألعابكِ، وكلما رأيت طفلةً أعجبني جمالها، كنت أقول في نفسي ستكونين أجمل منها بكثير.

وفي يوم ميلادكِ، كنت متلهفاً لرؤيتك، وقفتُ مترقباً أمام غرفة الولادة، حتى سمعتك تنادينني بطريقتك الخاصة، تلك الصيحات التي أدخلت السرور والبهجة في فؤادي، حملتكِ وطرت بكِ فرحاً وسروراً، فانتِ من أيقظت الحياة بداخلي.

ألا تذكرين أغنيتي التي كنت أرددها في مسمعك، لقد حفظتها من أجلكِ، أتذكرين أول لوحة رسمتيها؟!، عندما حاولتي رسمي ولكنكِ رسمتي مخلوقاً ليس من كوكبنا، تبسمتُ لكِ حينها وقلت انه يشبهني، كي ازرع فيكِ الثقة، ولكي أرى ابتسامتكِ المعهودة.

كم مرةٍ من المرات فرحتي بهداياي؟!، وكم مرةٍ خيبتُ أملكِ؟!، ولكنكِ كنتِ تبتسمين في كل مرةٍ وتقولين:”شكراً بابا، أنا أحبك بحجم البحر، لا، بل بحجم السماء”، وهل تعلمين كم كانت تفرحني تلك الكلمات؟!.

ها أنا أوصلكِ إلى الروضة، ثم إلى المدرسة، وها انتِ تتخرجين من الجامعة وقد حصلتِ على مرتبة الشرف، عشنا في ذلك اليوم فرحةً لا توصف، اتذكرين تلك الصورة التي جمعتني بكِ بعد حفل التخرج؟!، فقد كنا منسجمين شكلاً وروحاً.

قصتنا كانت جميلة حتى هذه اللحظة، إذ ولج إلى حياتنا ذلك الضيف الثقيل، عدوي وعدوكِ، بل عدو أي إنسان، مفرق الأحباب بلا أسباب، وزارع الفتن.

إنه “الشك” يا ابنتي، لم تعرفيه، بل لم تريه، أنا من رآه، وأعترف لكِ بأن أفعالي هي التي فتحت الباب لدخوله حياتنا، وتعكيره صفو ودنا، وتشتيته شمل أسرتنا.

نعم، أعترف، لقد أغواني إبليس، وسرت في طريق مظلم كسواد الليل، شاهدت ما لا ينبغي أن أشاهده، وكررت تلك الأفعال بشكل يومي، واعتدت أن أرى في كل مرةٍ وجوهاً جديدة تفعل ما لا يُرضي ربها، حتى ظننت أن كل البشر مثلهم يمشون في الوحل.

قضى سوء ظني على علاقتي مع كل من هم في محيطي، كنت أشك في زملاء العمل وأنهم يكيدون لي، لذا ابتعدت عنهم، وظننتُ في إخوتي وأخواتي ولهذا السبب هجرتهم.

وصل بي المطاف عند أمكِ، ولأنني أحببتها، فقد كنت أغار عليها من نظرة عينيها، ومن نسمة الهواء، ولكن ما لبثت تلك الغيرة حتى أصبحت شكاً مقيتاً، لذا كنت أشك بكل شيء صادر منها، وأقارنها بتلك التي أشاهدها عند أؤلئك السوداويين، فكانت حياتنا لا تطاق، لدرجة أني في كل لحظة كنت أشك مئات المرات، أفتش هاتفها، وأراقب طلعاتها خارج المنزل، بينما يبدأ ذهني في تأليف قصص الخيانة الخرافية.

لم أعلم بأني مريض نفسياً، وأن ما ينتابني من شكٍ وظنٍ ما هو إلا أعراض المرض، فكانت النتيجة أن سيطر على كل أفعالي ورداتها، حتى دخلت زنزانته، وكنت أسيره، الذي لا حول له ولا قوة، فأصبح الشك يعشش في داخلي، وفي كل جوارحي.

من جهة أخري فقد قاومته وأبعدته عنكِ، إلا انتِ، إلا زهرة فؤادي، وأنس حياتي، ولتعلمي أنه حاول مراراً وتكراراً، بأن لمح لطلعاتكِ، ومكالماتكِ، وغيابكِ عن المنزل أثناء ذهابكِ للعمل، وفي كل مرة كنت أسكته وألجم فاه.

إلا في ذلك اليوم الأسود، وأنا عائد من السوق فجأة، وهو يحكي لي قصصه النتنة، خيانة الزوجات والبنات، شبه لي المجتمع وكأن أفراده متمرسين على الخيانة.

وصلت البيت وتفاجأت بشاب، وهو يسلمكِ رسالة ثم ينطلق، هنا ناجاني قبل أن أنزل: هذه هي ابنتك التي تدعي عفتها وطهرها، هذه التي ستلوث شرفك بفعلتها، قم الآن وتخلص منها، وأرشدني إلى ذلك الملعون وهو السكين، أخرجته من السيارة وركضت إليك وانتِ تلوحين لي بتلك الرسالة.

اقتربت منكِ، واحتضنتكِ، بينما كان السكين يفعل فعلته في أحشائك، اخرجته وغرزته مرات عدة، حتى رأيتكِ جثة هامدة، لقد سلب مني عقلي، فلم أسئلك عن شيء قبل فعلتي.

رأيتكِ غارقةً بدمائك، ولم يحرك ذلك بي ساكناً، أخذتُ الرسالة، لأرى ما كتبه لكِ ذلك الشاب، فإذا بها دعوة زفاف ابن عمكِ، وقد سلمها لك وانت خارجة من المنزل، وما كانت تلويحاتكِ إلا لتبشريني بخبر الزفاف، لقد أعماني شكي عن معرفة ابن أخي، وعن سؤالكِ عن فحوى الرسالة.

عندها فقط، استوعبت المكان والزمان، ولكني لم استوعب ما أقدمت عليه يدي، فيا لهول ما فعلت بك يا ابنتي، ناديتكِ فلم تجيبيني، حاولتُ مراراً وتكراراً، ولم تلتفتي إلي، عندها دخلت في حالة جنون حقيقة.

جلستُ بجانبكِ، وجعلت رأسكِ على فخذي، وأنا أغني لكِ أغنيتنا المعتادة، فهل كنت تسمعينني؟!، كنت على ذلك الحال حتى أغمى علي، ولم استفق إلا وأنا في السجن.

ابنتي، أسأل نفسي آلاف مرات، بأي ذنبٍ قُتلتِ، وبأي ذنبٍ أصبحتُ قاتلكِ، وهل ما فعلته من أجلكِ طوال تلك السنين سيشفع لي.

وللأسف لم أعرف عدوي حق المعرفة، إلا بعد فوات الأوان عندما تقربت من ربي، فكان التخلص منه أسهل ما يكون، بسلاح الإيمان والثقة بالنفس، وحسن الظن بمن هم في محيطي.

ابنتي الحبيبة، هل ستغفرين لي ما فعلته من غير إرادة مني؟!.

فالله أسأل أن يغفر لي، وأن يجمعني بك في جنات الخلد إنه على كل شيء قدير.

(تُقرأ على قبر ابنتي العزيزة التي قتلها الشك)

الربط الذهني

20120530-215403.jpg

عندما أطالع ألبوم صوري القديمة، تسرح بي الذكريات عند كل صورة وماهية قصتها، فالمكان والزمان يحكيان الكثير.

علاوة على هيئتنا، وملابسنا التي كنا نرتديها، وطريقة النظر إلى الكاميرا، أمور تجعلنا نسخر منها، في المقابل نجد ما يجعلنا نغبطها، عندما تحدثنا تلك الصور عن رشاقة وتناسق قوامنا.

انعكست تلك الصور على حياتي الخاصة، فقد كنت رشيقاً نحيفاً، أمارس الرياضة، وأقطع مسافات طويلة مشياً على الأقدام.

بدأت معاناتي في الجامعة، عندما لاحظت ذلك البروز في البطن، والذي أخذ بالتمدد، وأقصد “الكرش”، غريب المنظر، مُذهب الفطنة، مُهبط العزائم، مُعكر المزاج.

كان لذلك أسبابه، أولها تلك الوجبات السريعة التي استحدثت في حياتي، والمشروبات الغازية التي كلما شربتها، طلبها جسمي مرة أخرى، لوجود “الكافيين”.

كما كنت أحب الجلوس على “الصينية”، بينما تغوص يدي لأبعد مسافة فيها، محدثةً حفراً عميقةً، وقاضيةً على كل ما أمامها، كما كنت أطيل السهر، وأؤخر العَشاء إلى ساعةٍ متأخرة من الليل.

بالتوازي مع تقليلي من ممارسة الرياضة، والتنقل بالسيارة، حتى المسجد القريب والبقالة أذهب إليهما راكباً، وكنت أجلس لساعات ليست بالقليلة أمام التلفاز أو الكمبيوتر دون حراك.

أسهم ذلك في ظهور هذا الكرش، الذي جعلني أبدو أكبر من سني بكثير، وأفقدني جاذبيتي المعهودة، فلم أعد ألفت الأنظار، ولا أسلب الألباب.

لذا قررتُ القضاء على هذا الكائن الغريب، بمساعدة أعز الأصدقاء، وذلك بممارسة الرياضة، فكانت أفضل طريقة هي الالتحاق بصالةٍ رياضيةٍ، نقضي فيها وقتاً مطولاً، نمارس الجري، ونركب الدراجة، ونستخدم الأجهزة.

رحب بنا المدرب وأوصانا بأخذ “البروتين” وإن لزم الأمر فعلينا بإبر “الهرمونات”، وكل ذلك حتى نكتسب جسماً كجسمه المقسم، عندها قلت له: أريد إخفاء الكرش، وتخفيف الوزن، ولا شيء غير ذلك.

بدأنا تماريننا اليومية، ولم يكترث لنا المدرب، فلم نكن مصدر كسب وافر، فلا اشترينا “بروتيناً” ولا تعاطينا “هرمونا”، وأهم أثر تركته الصالة فينا هو مشية المدرب، وكأنه رجل آلي، ومنظر ذلك الشاب النحيف الذي جاء ليبني العضلات ويقسمها، وفي كل مرة ينتهي من تمرين معين، إذا به يقف أمام المرآة متأكداً من استفادته ونمو شيء من عضلاته.

تركتُ الصالة، وعدتُ إلى ما كنت عليه من عادات سيئة، ولازال ذلك الكرش البارز يسبب لي أرقاً مزمناً، وبعد سنين قررت أن أعمل ريجيم، فبحثت في الشبكة العنكبوتية، عن أنواعه، وخبرة من جرب.

وجدت عجب العجاب، ريجيم الماء، والريجيم الكيماوي، وريجيم الفواكه، وريجيم البيض، وريجيم الشوربة، وكلها كانت مقيدة بوجبات معينة وحسب جدول مطول، فلم ألتفت لها لأنني لا أحب التقيد.

ومن الأنواع التي وجدتها، كان ريجيم “الدشتي” أو “أتكنز”، والذي وجدت فيه ضالتي، فلا يوجد تقييد بجدول يومي، فهو باختصار عبارة عن ترك الكربوهيدرات، والمجال مفتوح لأكل البروتينات.

توكلت على الله، مبتدأً هذا النوع، أتذكر لحظات الأسبوع الأول، وكيف كانت معاناة لأبعد الحدود، لدرجة أني لم أكن أرى في المنام والأحلام، غير الولائم والموائد الفاخرة، وكانت أمنيتي الوحيدة أن يأتي ذلك اليوم الذي أذهب فيه إلى مطعمي المفضل، وأطلب وجبتي المعتادة، متحرراً من قيود الريجيم، ولكني صبرت والتزمت بقواعده تماماً، وكنت أمشي يومياً لمدة ساعة كاملة.

كانت النتائج سريعة ومذهلة، فقد نقص وزني عشرة كيلوات تقريباً، خلال شهرين، فكانت كفيلة بأن تدخل السرور والثقة بالنفس، وعادت لي هيبتي المفقودة، وعنفوانيتي المشهودة.

عندها تسللت القناعة، وحب الراحة، فعدت لعادتي القديمة، من أكل ونمط حياة، فعاد الكرش أكبر من حجمه القديم.

سمعت عن ربط المعدة وشطرها، والغاءها بتحويل المسار، فلقد رأيت عدد من الأصدقاء ذوي الأوزان الثقيلة، وقد أقدموا على تلك العمليات، فكانت النتائج مبهرة.

قال لي أحدهم وقد خسر عشرين كيلو من وزنه: لقد مررتُ بمراحل خطيرة، كدتُ في أحدها أن أفارق الحياة لولا لطف الله، وقال: لقد غدت معدتي أصغر من كف اليد، فلا تستوعب إلا عدة لقمات بالملعقة، فإن زدت واحدة، تقيأتُ كل ما أكلت.

أشفقت على حال الصديق، فقد حرم نفسه نهائيا من لذة الطعام، من أجل هذا القوام الرشيق، وكأنه في سجنه الانفرادي، و يمنعه قيده من الحراك.

لم ترقى لي الفكرة، فبحثتُ عن أفكارٍ جديدة، حتى وصلت لاختراع جديد، يصلح للحد من كثرة الأكل ويساعد في إنقاص الوزن سريعاً.

انه الربط الذهني، وأقصد: ربط عدد اللقمات التي نأكلها برقم معين لا نتجاوزه نهائياً، وقد فعلت، حيث وقع اختياري على الرقم “خمسة”.

فقبل البدء بالأكل، يبدأ منبهي الذهني بالعد التنازلي، حتى أصل للقمة الخامسة، عندها يطلب مني التوقف، فأقف استجابةً لنداء الرشاقة.

والحقيقة ان هذا الأسلوب أجبرني على أمرٍ كنت أغفله سابقاً وهو المضغ الجيد، وفي وقتٍ كافٍ، فتحديد عدد اللقمات مسبقاً، يجعل لكلٍ منها أهمية خاصة، فتأخذ حقها الكامل في المضغ والهضم، وبالتالي الحد من الشراهة والإفراط فى الطعام، وأعجبتي عبارة قرأتها ويا ليتها تكون شعار لنا: “امضغ شرابك، واشرب طعامك”.

أكملت الشهر الثاني وأنا استخدم هذا المنبه، وقد نجحت في إنقاص خمسة كيلوات، وفي المقابل لم أحرم نفسي من أي نوع من أنواع الطعام، ولا توجد جداول مطولة، ولا أكلات خاصة، أأكل ما أشاء من الطعام، وألتزم بوجباتي الثلاث.

أتمنى أن يكون هذا الريجيم أسلوب حياة لي، وهذا ما أسعى له جاهداً، فبالقناعة أولاً، ومع العزيمة يمكننا التغلب على عاداتنا الغذائية السيئة، والتي تكمن في الكمية التي نأكلها، والوقت المثالي للمضغ والهضم، ولا أنسى هنا أهمية الحركة، على الأقل نصف ساعة يومياً.

(ودمتم رُشقاء)

غياهب الحياة

20120523-232824.jpg

كلما استرجعت شريط ذكرياتي، وقفت تجربة سفري الأولى وأحداثها المضحكة المبكية، تفرض نفسها على غيرها من الذكريات.

كان السفر في تلك المرة مع أحد الأقارب الأعزاء وإلى إحدى الدول المسلمة في جنوب شرق آسيا، زمن الرحلة سبع ساعات، كنا خلالها ننام ونستيقظ ونعود للنوم عدة مرات متتالية، حتى تحط بنا الطائرة في العاصمة.

تلك العاصمة المعروفة بتناقضاتها الغريبة، بين الغنى الفاحش والفقر المدقع، فالعمارات الشاهقة لم تكن بعيدة عن تلك البيوت الخشبية، والسيارات الفارهة كانت تجوب الشوارع.

فيما يقف أبناء المعدومين عند الإشارات إما لبيع أي شيء لجني ما يسد رمقهم، أو عزف الجيتار مع الغناء لأصحاب السيارات أثناء توقفهم عند الإشارة، كل ذلك مقابل قروش بسيطة يرميها أصحاب السيارات قبل التحرك.

ظلت تلك الصورة عالقة في ذهني حتى وصولنا إلى الفندق، بعدها أخذ كلٌ منا موقعه في غرفته.

فوقفت أمام النافذة، والوقت قارب على منتصف الليل، فإذا بقرية بعيدة، ابتلعها الظلام الحالك إلا من إنارات خافتة صادرة من عدة منازل.

تمالكني التعب وأصبحت أسيره، وغالبني النعاس، فأصبحت طريح الفراش.

وبعد ساعة من ذلك الوضع، إذا بطارقٍ كاد أن يكسر الباب، فزعتُ من نومي غاضباً، فتحت الباب، فإذا به صديق السفر، أمسك بيدي، ومضى يركض، ولم يعطني فرصة للكلام، قال: لم نسافر لننام، إنما السفر للمغامرة والاستكشاف.

خرجنا من الفندق وهو القائد، اتجه إلى القرية التي رأيتها، وعلامات الحماس واضحه على محياه، بينما سيطرت الغرابة على كل جوارحي.

دخلنا دهاليز القرية المظلمة، فإذا بالمشردين يفترشون الأرصفة، ويلتحفون السماء، منظر بائس لم أره سابقاً، فمن شدة الجوع والحاجة انشغل بعضهم بالبحث في القمامة، أُسر كاملة على تلك الحال.

صادف ذلك المنظر، منظرٌ آخر أشد حزناً وألماً، عندما مر أحد الأغنياء المترفين مع ابنه المتخم، وهو يأكل “المثلجات”، وينظر إلى المشردين وأبنائهم بنظرة ازدراء.

وما أن تجاوزنا المشردين حتى سمعنا صوتاً صاخباً، فتتبعنا مصدره، لعلنا نجد ما يؤنس غربتنا، مررنا بأشخاصٍ يجلسون على الأرصفة ويدخنون، كلٌ انشغل بحاله ودخانه، سألني: أتعرف ما يدخنون؟! قلت: لا، ولا أريد أن أعرف.

تعمقنا في غياهب القرية بحثاً عن مصدر الصوت، فاجأنا هذه المرة ثلاثة من الشبان وهم يترنحون يمنةً ويسرة، فقدوا عقولهم وقبل ذلك رجولتهم ومرؤتهم، ضحكاتهم تعلو بلا مبرر، بينما يزداد استغرابنا لما نشاهده في هذا البلد المسلم.

وما أن ابتعدنا عن المترنحين وضحكاتهم، حتى مر بجانبنا مجموعة من الأشخاص، لم نستطع تصنيفهم أهم ذكور أم إناث؟!، بدت ملامحهم ذكورية ولكن شوهها إفراط الميوعة، وإسراف الليونة.

وها نحن نصل إلى مصدر الصوت، وقد كانت الأضواء صاخبة كصخب الصوت، رقص وغناء وشرب وميوعة، كل ذلك من أجل إرضاء شرذمةٍ من الأغنياء، الذين يُفرغون شهواتهم وجيوبهم في هذا المكان، والكل في خدمتهم، فهم الأسياد وطلباتهم أوامر.

ضاقت علي نفسي، من هول ما شاهدت، من فجور وعصيان واستعباد، فالفقراء مجبرون لعمل كل أنواع المحرمات، وبالتالي الحصول على قوتهم الذي يمكنهم من الاستمرار في الحياة، إنها مناظر لم أرها من قبل، أو لم تجبرني ظروف الحياة على رؤيتها والحمدلله.

طلبت من صديقي مغادرة المكان، مسكته وسحبته بقوة غير معهودة، نابعة من قوة داخلية كانت تجبرني على أن لا أقبل إلا محاسن الأمور.

خرجنا وكان الوقت فجراً، وابتعدنا عنهم وعن صخبهم المقيت، فإذا بصوت جميل يملأ المكان سكينة وروحانية، انه إمام القرية يقرأ الآية :{قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}الزمر53، دخلنا المسجد، فإذا به قد امتلئ بالمصلين، صفوف الرجال ثم الصبيان وأخيراً صفوف النساء، ابهجني المنظر، فدخلنا معهم في الصلاة.

خرجنا من المسجد، يرافقنا الإمام، مرحباً ومعرفاً، بالقرية وأحوالها، سألته عن تلك الجهة وما فيها من صخب وميوعة وفسق، ابتسم قائلاً: انها مقبرة القرية وغياهبها، فمن اختار زيارتها فلا يلومن إلا نفسه، وهي زاوية صغيرة لا تمثل شيئاً من هذه القرية الكبيرة.

وها هو نور الصباح ينبثق، بعد هذه الرحلة المتعبة في ظلمة الليل، كاشفاً لنا الوجه الحقيقي الجميل.

الخضرة والطبيعة تأسران الألباب، ونشاطٌ وهمةٌ تغمران المكان، فرحة الأطفال وهم يستعدون للذهاب إلى المدرسة، وترانيم الامهات الصباحية، وأفواج من الرجال متجهين الى أعمالهم ومصدر رزقهم، فبدت القرية وكأنها خلية نحل.

وفي تلك اللحظة انبثق في نفسي فرحها وبهجتها والأمل الذي كاد أن يخفت، فتذكرت فوائد السفر:

تَغَرَّبْ عَنِ الأَوْطَانِ فِيْ طَلَبِ العُلَى
########## وسافِرْ ففي الأَسْفَارِ خَمْسُ فَوَائِـدِ

تَفَرُّجُ هَـمٍّ، واكتِسَـابُ مَعِيْشَـةٍ
######## وَعِلْمٌ ، وآدابٌ، وصُحْبَـةُ مَاجِـدِ

فإن قيلَ في الأَسفـارِ ذُلٌّ ومِحْنَـةٌ
####### وَقَطْعُ الفيافي وارتكـاب الشَّدائِـدِ

فَمَوْتُ الفتـى خيْـرٌ له مِنْ قِيامِـهِ
####### بِدَارِ هَـوَانٍ بيـن واشٍ وَحَاسِـدِ

وبعد راحة البال وبهجته حصل ما لم يكن في الحسبان، عندما اعترض طريقنا، حفنة من أولئك المشردين والمترنحين، وقد حملوا أسلحة بيضاء، وهدفهم قتلنا وسرقة مالنا.

هنا طلب منا الإمام الهروب فوراً، ركضنا هاربين من موت يلاحقنا، وأهل القرية من شرفاتهم يكبرون ويهللون، ولكنهم لم يفعلوا شيئاً لمساعدتنا، تعبنا من الركض المستمر، وقررنا المواجهة، وقفتُ أمام أحدهم انتظر ما سيفعله، وقد أمسك بالسكين، فإذا بي أسمع صوتاً غريباً، لا يصلح في هذا المكان، صوت طرق الباب، وهاتفٍ يقول: “يكفيك نوم يا اسحاق، السائق ينتظرنا في الاستقبال”، أدركت حينها بأنها أضغاث أحلام.

فاستيقظت وأنا أحمد الله على السلامة، فتحت الباب وعانقت صديق الأسفار، وقلت: لا إلى غياهبها ولا إلى مقابرها، بل إلى طبيعتها، ومعالمها، ومبعث نورها.

(ودامت أحلامكم سعيدة)

براتا وخنجر وعقال

20120517-014057.jpg

في أحد أيام الشتاء الغائمة، استيقظتُ من النوم باكراً، فبعد رحلةٍ طويلةٍ خارج الدولة، ها أنا أعود لأمارس طقوسي المعتادة، أحب التريض في هذا الوقت المُبكر، ثم المرور على مطعمي الهندي المفضل، لتناول فطوري الخاص: “خبز (براتا)، وبيض مع الطماطم”، فإضافة البهارات الهندية، يجعله خاصاً جداً، بعدها أرشف كوباً من شاي (الكرك)، ثم أبدأ يومي كيفما يكون.

رجعت من هذه السفرة وأنا متلهف لأكل البراتا، فقد حُرمت منها لمدة أسبوعين، بحثت وسألت عن أي مطعم هندي هناك فلم أجد، واكتفيت بالوجبات السريعة أو مكبوس التونة سريع التحضير، فالحاجة أم الاختراع.

كما أنني فقدت الخنجر، واقصد بالخنجر:”تلك الزاوية على طرفي اللحية من الأسفل”، والتي لا يتقن عملها أو رسمها إلا حلاقونا، حين اضطررت للقيام بتجربة الحلاقة بنفسي، فكانت النتيجة أن قطعتُ رأس الخنجر؟!!.

توجهت إلى المطعم، وانا استحضر أيام الطفولة، حين كنا ننتهز أي فرصة مواتية، لأكل:”(الكيما) مع (البراتا)”، أفضل وأشهى وجبة يمكن الحصول عليها وقتئذ، وقد ارتبطنا بها أي ارتباط، كارتباطنا بالمطعم، الذي يمثل جزءاً لا يتجزأ من حياتنا، فالعاملون فيه يعرفونني منذ كنت طفلاً، ويذكِّرونني بذلك.

والملفت أن أغلب زبائنه من المواطنين، فالغترة والعقال حاضران بقوة، يجلس مجموعة من جيل الآباء خارج المطعم للعب الورقة وتناول وجبة العشاء، ويأتون في الصباح لتناول الفطور قبل الذهاب إلى العمل، والمتقاعدون يجدونه ملاذاً صباحياً مغرياً.

يراودني سؤالٌ محير، هل أصبحت “البراتا” جزءاً من ثقافتنا؟!!، قد يجاوبني أحدهم بالنفي:”لا وألف لا، كيف لهذه الوجبة الغريبة على مجتمعنا، وهي ليست من موروثنا الشعبي، ولم يذكرها أحد من جيل الأجداد أن تكون ثقافةً لنا؟!، فأكلاتنا الشعبية معروفة وموثقة، فلا مكان “للبراتا” الدخيلة”.

أما الواقع فهو عكس ذلك، فلو سألت أحداً من جيل الستينات والسبعينات والأجيال التالية، لأكدوا لك ارتباطهم الوثيق بالبراتا وبالثقافة الهندية ككل، وليس أكلهم فحسب، بسبب التاريخ الحديث المشترك منذ الأربعينات، عندما بدأت التجارة تزدهر معهم شيئاً فشيئاً، حتى أصبحوا اللاعب الأساسي لكل مكونات التجارة.

بل أصبح كثير منا يتكلم لغتهم، ويشاهد أفلامهم، ويعرف معتقداتهم، وهم الذين يقومون بكل ما نحتاجه من الأعمال الضرورية والأساسية، فهم الطبقة الكادحة في مجتمعنا، وانتشارهم أفقي على امتداد الوطن، لذا كان من الطبيعي أن نلتقي بهم صباح مساء.

فمجرد فكرة خلو المجتمع منهم، يسبب لنا ضغطاً نفسياً كبيراً، فلنتخيل حاجتنا اليومية لهم، حتماً سنحصل على عدد أكبر من تخميناتنا السريعة.

ومع كل هذا التواجد في محيطنا، قد نجد من لم يتعرف على ثقافتهم، ولم يتأثر بها، فثمة إشكالية حقيقية، لوجود ذلك الحاجز غير المبرر بينه وبين اطلاعه على الآخر، وهذه سلبية عند البعض، لا ولم يتصف بها عموم شعب الامارات المنفتح، والمرحب بالثقافات الأخرى.

فخير وسيلة لتعريف العالم بثقافاتنا، هو التعرف على ثقافة الآخر، ومن ثم ايجاد المداخل المناسبة للترويج عن تراثنا بشكل حضاري جذاب ومبهر، فالتلاقح الحضاري في التواصل مع الثقافات الأخرى، وبالتالي الحصول على موطئ قدم لثقافتنا عندهم.

وكم كنت أتمنى انتشار المطاعم الشعبية، كانتشار المطاعم الهندية، بشكل يليق بموروثنا، لا أن نكتفي بعرض اكلاتنا خلال المهرجانات والفعاليات فقط، بل نريد انتشارها بشكل أوسع، بحيث تكون هذه المطاعم أداة تعريف للأجيال القادمة، وأسلوب حفظٍ لتلك الأكلات المميزة من الاندثار، وطريقة ترويج وتلاقح مع الثقافات الأخرى.

(ودمتم حضاريين)

المصطلحات:
– البراتا : خبز هندي
– الكيما : أكلة هندية مكوناتها الرئيسية اللحم المفروم والبازلاء.