قليلة هي الحواري العتيقة، والتي يسري فيها نبض الحياة الحقيقي، من تواصل وتعايش وتعارف بين الساكنين، كذلك الحي الذي ترعرعت فيه، والذي ارتويت من ينابيعه التلاحم الصادق، فسكنتُ في قلوب ساكنيه، واحتميت في عيونٍ ظلت حارسة لي، ولعبت في ساحات مطلة على الصفاء والنقاء والأُلفة، لذا استنشقتُ الحب أينما توجهت.

ولذا أشتاق لتلك الأزقة الغارقة في وسط بحر الذكريات، عندما تقذف أمواجه مشهداً قد تلاشى بسبب مشاغل الحياة، لتلهث النفس فرحاً وهي تجري في جنباتها المليئة بالبساطة والتواضع، وتسعد بلقاء من بَعدوا، أولئك الذين تذوقنا طعم الماضي معهم، ومضغنا لذة الصداقة سوياً، فهضمنا علاقةً صحيةً بامتياز.

أزقةٌ ضيقةٌ، وبلا تصميمٍ يبهر، أو نظافةٍ تأسر، ومع ذلك فعفوية مرتاديها تجعل منها مكاناً للأُلفة، ومركزاً لنثر الود فيما بينهم، وكأنها حدائق غناء تمرح النفس فيها وتسرح، فقد زُرعت بالود والعطف والصدق، فانبتت أرواحاً تتآلف وتتعاطف، وتتشارك قسوة الحياة ككتلة واحدة، وإن اختلفت الأسماء والألقاب.

وأما أطفال تلك الأزقة، فلعبهم مستمر مع استمرار يقضتهم، فهم من يخترعون أدوات لهوهم، ويستخرجون من محيطهم ما يصلح أن يُتخذ للهو والمرح، فيصنعون من بقايا دراجةٍ قديمة أخرى بعجلة واحدة، يقودونها بكل فخر وفرح، فخراً كونهم صانعيها وفرحاً كونهم أوجدوا لعبةً يصعب إيجادها.

أطفالٌ تسطع حركتهم مع سطوع الشمس وتغرب مع غروبها، لا يكلون ولا يتعبون، وعلى الرغم من قلة أدوات اللعب واللهو المتاحة، إلا أنهم يُوجدون لأنفسهم مناسبات ولحظات للعب واللهو، مقروناً بالرضا النفسي والقناعة بما توفر، فلا تسمعهم يتذمرون من قلة مصادر التسلية، ولا تراهم قد ملوا من لعبة مارسوها.

فمع تجرعهم قسوة الحرمان في أحيان كثيرة، تجدهم في المقابل متفاعلين مع حركة الحياة اليومية، بل ومؤثرين بارزين في أحداثٍ كثيرة، ففي الأفراح تجدهم يبهجون الحاضرين بلباقتهم وروحهم المرحة، وفي الاتراح تجدهم يبهرون الناظرين بفزعتهم وتحملهم صعوبة الموقف مع من يكبرهم، وفي كل الأحوال لن تجدهم متخاذلين أو منطوين عن الواقع والمحيط الذي احتواهم، بل كانوا جزءاً حقيقياً ومؤثراً في حيّهم.

أتساءل!، أيُ ترفٍ نفسي كنا نعيشه في طفولتنا؟، فرغم البساطة وقلة الموارد المبهجة، إلا أننا حصلنا على حاجاتنا النفسية، في مجتمع متكاتف ومتماسك ومحب، بالاضافة إلى ما كنا نجده في بيوتنا، حيث الأمهات وهن النبع الحقيقي للعطف والحنان والتضحية من أجل الأسرة، والآباء وهم مركز القوة والسيطرة والحماية وتحمل المشاق لتوفير الأرزاق، وقد كانوا جميعاً مدرسةً للتربية ومراقبة السلوكيات، ونبراساً يحتذى في دروب الحياة وتحمل المسؤولية.

وبما أن ربابين تلك الأسر اتصفوا بتلك الصفات، فمن الطبيعي أن يبحروا بأمان في عباب الحياة، ومن المنطقي أن تلتف الأسرة حول بعضها البعض، وتتعايش بروحٍ ملؤها الترابط الوثيق، ولهذا كنا نراهم دائم التواجد على مائدة واحدة، فالوجبات الثلاث مواعيد يومية للالتقاء والتقارب، وطقوسها مقدسة لدرجة لا يسمح فيها بالاعتذار، ولا مكان للانفراد بوجبات شخصية.

ولذلك نجدهم مجموعة واحدة في زياراتهم للأقارب، أو حين ذهابهم إلى السوق، تلاحمٌ يوحي بتقارب حقيقي فيما بينهم، فالأخ صديقٌ مُعِين لأخته، والأخت رفيقةٌ رقيقةٌ لأخيها، ولا يمكن لأي فرد الانعزال عن الدائرة الوجدانية وهي الأسرة، ولا يمكن للأسرة ترك أحد أفرادها بعيداً عن نظرها، وبالتالي لم تُمكن لأي مؤثر خارجي افتراس تلاحم وقيم وروح الأسرة.

ومع الانتقال إلى بيوتٍ أكثر أناقةٍ وحداثة، وأزقة نظيفة ومعبدة، تنازل الكثير عن الكثير من الروابط، ففُقدت صلة الجار بالجار، بل لا يكاد الجار يعرف اسم جاره، فضلاً عن التزاور والتواصل، وفقدت الحارة روحها وتعايشها، وباتت كيانات معزولة عن محيطها، رغم تقارب والتزاق البيوت، إلا أن قلوب ساكنيها بعدت وغفلت عن بعضها.

وأصل المشكلة في التحول السريع إلى الترف المادي، وما ترتب عليه من راحةٍ للجسد، وانعزالٍ وجدانيٍ عن المحيط الاجتماعي، وكذلك استقلالية أفراد البيت الواحد في غُرفٍ منفردة، مبتعدين عن روح الأسرة، وغارقين في ممارساتٍ يومية بلا قيمةٍ حقيقية، سوا أنها تسرق الوقت فالعمر، وتشغل عن التواصل الحقيقي.

وأصبحت مناسبات التواصل بين الجيران أو الأقارب أشبه بالبروتوكولات الرسمية، يُغالبها إظهار المظهر الخارجي على نحوٍ استعراضي يراد به إبهار الضيف ولفت انتباهه، مع غياب روح التواصل الحقيقية، بسبب رسمية اللقاء وطقوس الضيافة المبالغة، وكأنها أعدت ضمن جدول زمني مبرمج من الاستقبال إلى التوديع.

وقد نتج عن هذا الانغماس في الشكليات والمظاهر تحول العلاقات إلى زائفة، والأشخاص إلى أقنعة خادعة تُرتدى حسب المناسبة، وهذا يفسر كثرة الابتسامات رغم شُح الود أو انعدامه، تصنُعٌ في الود والحب والترحيب، لذا أعتقد أن كذبتنا الكبرى حين ندعي بأن تلك الزيارات والمناسبات التنكرية هي من باب التواصل والتراحم وتوطيد الألفة المفقودة.

وكما نحرنا روح التواصل بزيف المظاهر، فإننا دفنا طموح الطفل بالهدايا المبالغة، فلا يكاد يخطر في حلمه لعبة ما حتى يجدها قبل أن يستيقظ، محققين عنه حلمه بسرعة البرق، والذي يفترض أن يلازمه فترةً ليست بالقصيرة، ليستلذ بطعم الحصول عليه بعد الانتظار والترقب، وليتدرب على مصارعة الأحلام والطموحات وتحقيقها.

ولم نعلم بأننا بصدد صناعة إنسانٍ هلامي، نتوقع تواجده بيننا قلباً وقالباً، والمؤسف أن جسده حاضر أمامنا، أما عقله وتفكيره ووجدانه فهم يحلقون في عوالم افتراضية قد لا نعرف عنها الكثير، تلك العوالم التي شرعنا أمامها أبوابنا، لتستقر في النفوس وتحتل الإرادة الحقيقية، من أجل جولة انتصار وهمي يتصارع فيها أطفالنا مع الخيال.

لستُ بصدد مقارنة ظالمة بين حارة الطيبين وحاراتنا اليوم، وإنما أردت توضيح سلبياتٍ قد نغفل عنها بسبب تسارع وتيرة الحياة، وانشغالنا بكماليات الحياة عن أساسياتها، وتقديمنا الرتوش على الجوهر، والجوهر هنا يا سادة هو الانسان وما استطعنا أن نغرس فيه من قيم ومعانيٍ نبيلة، وأولها روح الترابط والإخاء، والحب الحقيقي الخالص من الزيف.

ومدى نجاحنا في توفير المتطلبات النفسية لأطفالنا، فهم في أمس الحاجة للأحضان الدافئة والتي تستوعبهم وتعرفهم دروب الصواب في الحياة، ومدى استعدادنا لتدريبهم على مقارعة مصاعب الحياة وتعويدهم على تحمل بعض المسؤوليات والتي من شأنها تشكيل شخصياتهم المستقبلية.

وإذ أحمد الله حمداً كثيراً على رغد العيش، وتوفر سبل الحياة الكريمة، فإني أدعوه جل علاه أن يلهمنا سُبل الرشاد في المحافظة على القيم المتأصلة لدينا، ويوفقنا لتربية أبنائنا تربيةً صحيحة، ويُألف بين قلوبنا وقلوب أحبابناً، وأن ينعم علينا بحبٍ يجمعنا، فتتقارب أرواحنا كما تقاربت بيوتنا.

(ودمتم طيبين على الدوام)