قبل عدة سنوات وفي طريق العودة من الروضة إلى المنزل، مازحت ابني “عمر“: ماذا تريد أن تصبح عندما تكبر؟!، قابلني: أريد أن أصبح مخترعاً، قلت: وماذا ستخترع؟!، قال: سأخترع آلة الزمن، قلت: ولما؟!، أجابني مبتسماً: حتى أُدخلكَ في الآلة، فتعود شاباً كما كنت في صور الألبوم التي طالعناها سوياً بالأمس.

لا أكتمكم سراً فقد أسعدني رده بقدر ما أزعجني، أما مصدر السعادة فكونه استشعر إحساسي عند مطالعة الصور، فقد كانت أمنيتي الخفية في تلك اللحظة، بأن ترجع عقارب العمر عشرات السنين إلى تلك الأوقات الماتعة حيث عنفوان الشباب وصفاء البال.

وأما سبب انزعاجي فهو سذاجة التفكير المكتسبة من وسائل الإعلام، والتي باتت تبث صور مبهرة وبهرجة مفتعلة بلا قيمة حقيقية أو فائدة ملموسة، ومن ذلك إغراق الطفل في خيال مبالغ لا يمس الواقع أو الحقيقة العلمية في شيء، فتغدو أفكاره كرتونية خيالية وأحلامه منسوخة من سيناريوهات لقصص شاهدها وصدقها بسبب براءته وفطرته.

والجدير بالذكر أن تلك الحالة استمرت عند أطفالنا سنوات ليست بالقليلة، إلى أن أُمطرنا بالأجهزة الالكترونية والهواتف الذكية، فلا يكاد يخلو بيت منها، بل لا تكاد تخلو يد من اقتناء إحداها، فكلٌ يعيش في عالمه الافتراضي الخاص مبتعداً عن الواقع، فيما هو مقصرٌ لواجبات التواصل، ومفتقدٌ لأُلفة العائلة.

وذلك ما حدث في أُسرتي تماماً، حين حصل كلٌ على جهازه الخاص أو لِنقُل “عالمه الخاص”، باستثناء “عواش” ذات السنتين، والتي فضلتُ عدم إقحامها في هذا العالم المجهول، ولكنها في الحقيقة دخلت بطريقتها الخاصة، من خلال إلحاحها تارةً أو استغلالها الفترة الصباحية حين يكون مستخدمو الأجهزة في مدارسهم.

ففي الوهلة الأولى اعتقدت بأن علاقتها بتلك الآلات لا تتعدى إشباع فضولها في لمس الشاشة وتغيير الصور، إلا أنني ذُهلت عند مراقبتها وهي تنتقل من لعبة إلى أخرى، بل ومعرفتها التامة بالمداخل والمخارج، عندها أدركت عمق ارتباطها وسبب شغفها، تماماً كارتباطي بهاتفي وشغفي ببرامج التواصل الاجتماعي.

هنا علمت علم اليقين بأننا دخلنا آلة الزمن، عندما توحدت أعمارنا حباً وشغفاً وانجذاباً إلى تلك الشاشات الساحرة، وحين تساوينا في استيعاب هذا الجديد والتعرف على أسراره، وحين تبادلنا الآراء حول أنسب البرامج وأحدثها، وحين تعلم الكبير من مهارة الصغير، فانمحت بذلك فروق السنين والأعوام أمام متعة الإبحار ودوامة الاسترسال.

وفي المقابل أيقنت بأننا نعيش في زمنٍ طغت عليه الآلات والأجهزة الالكترونية، فبات من الضروري ايجاد الحلول المناسبة لادماننا الشامل والواضح، فكلنا نتعاطى متعة الجلوس أمام جاذبية تلك الآلات دون أي اكتراث لأهمية الوقت الضائع، ونتيجةً لذلك لم يكن بدٌ من كبح جماح هذا الشغف الطاغي، والرجوع إلى الواقع والحياة الحقيقية.

فكان أخشى ما كنت أخشاه أن تستمر دوامة الشغف مدة طويلة، مستنزفةً طاقاتنا الإنتاجية عن العمل، ومهلكةً لوضعنا الصحي، ومفككةً لعلاقاتنا الاجتماعية، ومدمرةً شخصية التواصل عند أطفالنا، وباعثةً على حب الراحة وتجميل خنوع الإرادة.

لذا قررتُ تحديد ساعات دخولي لمواقع التواصل الاجتماعي والتي كُنت قد أدمنتها فعلياً، حيث خصصتُ وقتاً معيناً لا يتعارض مع انتاج العمل، ولا يهضم واجباتي الأسرية، ولا يبعدني عن محيطي الاجتماعي، فلا تكون تلك المواقع إلا محطة من محطات اليوم للتزود بالعبارات المفيدة، والتفاعل معها إن أمكن.

أما أبنائي فلازلت معهم في شد وجذب، إذ أحاول جاهداً إخراجهم من العالم الافتراضي، بالأمر المباشر حيناً، وبالحيلة حيناً آخر، مستعيناً بخروجهم معي إلى رحلات البر أو زيارات الأقارب أو جولاتٍ إلى مدن الدولة، تاركين أجهزتهم في المنزل، ورغم ذلك إلا أنني لم أنجح في فك ارتباطهم بها، فما أن نعود إلى المنزل في كل مرة، حتى يهرع كلٌ إلى جهازه.

ولازلتُ في حالةِ بحثٍ مستمرة، لعلي أجد ما يسرق ألبابهم ويبهر تفكيرهم إلى واقعهم الحقيقي، ولعلي بذلك أسهم في تكوين شخصياتهم للمستقبل القادم، والتي أتمناها شخصياتٍ قوية في مواجهة مصاعب الحياة ومطباتها، لا شخصياتٍ كرتونية تسرح في الخيال، ولا شخصياتٍ الكترونية أبعد ما تكون عن متطلبات الحياة والتعايش معها.