بين أغبرة الماضي وأقنعة الحاضر !!


٢٠١٢١١٢٨-٠١٠٧٢٦.jpg

تتطاير الأغبرة في المكان، فثمة أطفال لازالوا يلهون خلف الكرة، ورغم حرارة الجو وخشونة الأرضية إلا أنهم حفاة، ومع ذلك الوضع القاسي إلا أنهم في قمة الفرح والبهجة، ولو سألتَ أحدهم حينها عن ما يتمناه في تلك اللحظة، لأجابك بكل ثقة أتمنى أن لا تشغلني عن ممارسة هوايتي المفضلة، لذا كنا نقضي الساعات في اللعب غير مكترثين لما سوى ذلك.

ولازلتُ أحتفظ بتفاصيل تلك الحقبة، وكأنها شريط مصور أسترجعه في أوقات الخلوات والحنين إلى الماضي، من صورة الملعب المجاور لمستشفى التوليد، إلى أدق التفاصيل التي واكبتنا في أوقات المرح والشقاوة.

ففي مرةٍ من المرات وبينما نحن في وطيس اللعب بالكرة، وقد تتطاير الغبار بسبب نشوة الحماس، إذا بطبيبة من المستشفى واقفة عند المدخل تتابع لعبنا ولهونا بكل اهتمام، تبين لنا ذلك من ابتساماتها المتواصلة، ومن تركيزها الواضح، وهي وكباقي الطبيبات في المستشفى أوروبية خمسينية العمر.

فما لبثتْ حتى نادتنا بتلويحاتٍ يدوية، وما لبثنا حتى لبينا نداءها مهرولين، فإذا بها تحمل “كرتوناً”، وقد مُلئ بأحذيةٍ رياضيةٍ لا قِبل لنا بها، عندها قامت بتجربة الأحذية على الأرجل المتسخة بتراب الملعب، حتى أوجدت لكل واحدٍ منا حذاءه المناسب، عندها أمسك كلٌ بحذائه منطلقاً إلى منزله، بفرحةٍ غامرة وغنيمةٍ وافرة.

زاد اهتمام الطبيبات بنا، فبعد الأحذية الرياضية، جاءت الهدايا والهبات كالشوكولا والألعاب، فلا يمر أسبوع إلا وقد غنمنا شيئاً مميزاً، حتى ما إن بلغنا رأس السنة الميلادية، إذا بهن يقمن بدعوتنا لحفلةٍ مخصصةٍ للأطفال، مع توصيةٍ وتذكيرٍ بوفرة الهدايا التي لا تفوت، وفعلاً نجحن في إغرائنا، فقد أصبحت الحفلة شغلنا الشاغل وهداياها حُلمنا الآتي.

جاء اليوم الموعود، ولازلنا نحمل لهفة الأطفال للهدايا الموعودة، تَجمَّعنا في الملعب، وانطلقنا على بساط الأمنيات إلى حيث ملائكة الرحمة وواهبات السعادة، عند البوابة كُن في انتظارنا بهدايا استفتاحية، كانت عبارة عن ألعاب متنوعة لم توجد في أسواقنا المحلية حينها، لذا كان وقعها علينا كبيراً، وبسبب ذلك غمرتنا فرحةٌ عارمة قبل البدء بطقوس الحفلة.

واكب الهدايا الاستفتاحية التقاط عدة صور فورية، كان صداها عميقاً في النفس، فعندما تهبك إحداهن هديةً نادرة، وتقوم الأخرى بتدوين تلك اللحظة في ذاكرتك من خلال الصورة، فإنها بذلك تحفر اللحظة وتوابعها في مخيلتك، وكأن الواقع حلمٌ جميلٌ تتمنى الاستمرار فيه، وفيما بعد يكون الحلم واقعاً تتلمس أحداثه الماضية.

فخامة الحفلة وبهرجاتها جعلتنا نعيش في عالم خيالي، يفوق تصورنا ويتجاوز استيعابنا بل ويُسحر جوارحنا، تخلل ذلك غناء إحداهن بالعربية، بعبارات لم نستوعبها للوهلة الأولى: “كل شيءٍ جميل في بيت أبي”، وكأنهن يُردن تثبيت العبارة في مخيلاتنا، قبل الانتقال إلى الفقرة التالية، والحقيقة أن الشطرالأول “كل شيءٍ جميل”، كان مطبوعاً مع أول هدية تلقيناها منهن.

أما الشطر الآخر “في بيت أبي” فقد أولناه على أنه بيت أبيهن الحقيقي، ولكن التأويل تلاشى مع الفقرة التالية، عندما بدأن في عرض فصول مسرحيةٍ تحكي قصة عيسى وأمه مريم عليهما السلام، ومحاولتهن من خلال المسرحية تثبيت عقيدة الثالوث أو التثليث في مخيلتنا “وهي أن الأب الموجود في السماء، قد تجسدت كلمته في الابن وهو المسيح، وكان وسيطا بينهما الروح القدس”.

فرغم غدق هداياهن وإسراف بهرجتهن في الحفلة، ورغم صغر سننا وطراوة فهمنا، إلا أن فكرة التثليث لم ترقَ لأحدنا، وكأنها لقمة فاسدة دخلت جوف عقولنا، فما كان منها إلا أن استفرغتها على الفور، مع انسدادٍ في النفس لتقبل ما يردد، وإن كانت مكافأة الترديد مجزية للغاية، عندها تحركت فينا فطرتنا الأزلية، وتربية آبائنا البسطاء، فأخذنا نردد:”قل هو الله أحد، الله الصمد، لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد”.

مع تفهمي لموقف الطبيبات في سعيهن لنشر دينهن أو عقيدتهن، إلا أنهن اخترن المكان الخاطئ، والأشخاص غير المناسبين لهضم عقيدةٍ تخالف التوحيد والفطرة، تجسد ذلك بعد سنين مضنية من محاولات متكررة لزرع فتيل التثليث، مع الأمهات من خلال محاضرات تعريفية، أو الأطفال من خلال الهدايا والألعاب، والتي باءت كلها بالفشل الذريع، لأنها لم تستطع اختراق فطرة طفل صغير، فما بالكم بمن ترسخت لديهم العقيدة.

تلت تلك السنين سنيناً أكثر نضجاً بين الطرفين، إذ التزمت الطبيبات بدورهن الطبي والإنساني في خدمة مجتمعٍ ناهض، مع يقينهن واستيعابهن لعقيدة هذا المجتمع، وكأني بهن وقد رسمن خطاً أحمر لأنفسهن لا يمكن تجاوزه، وفي المقابل كانت الأمهات يعاملن الطبيبات كصديقات لهن، دون خوفهن من اختراقٍ مفاجيء لجدار عقيدتهن المحصن بفطرة الإسلام.

كانت تلك القصة بداية فهمي لمروجي الأفكار والعقائد، فعقيدتنا لم تحتج لمقدمات وهدايا كي تتبلور فينا، فهي موافقة لمنطق العقل السليم، عكس الأفكار الهدامة التي تحتاج الكثير من المراوغة والتلون، فغايتهم تبرر وسيلتهم، وظواهرهم لا تطابق دواخلهم، ونواياهم مناقضة لصورهم الظاهرية، فما سياسة الأبواب المقفلة وجلسات الخلسة إلا تصديقاً لما ذكرت.

تعلمت من تلك القصة أن الذي لا يعلن فكره في النور وفي وضح النهار، إنما يحاول إخفاء العيوب والتشوهات التي تعتري منطقه، ومن يحاول رسم استراتيجيةٍ للاستدراج هو ذلك الذي فشل فكره في استدراج العقول بالحجة والمنطق، وهو يعلم علم اليقين بأنه لقمة فاسدة في جوف مجتمعٍ يحسن النوايا ويقابل الإحسان بالإحسان، وأعلم علم اليقين بأن مجتمعنا عصيٌ على كل فكرٍ شاذ وشديدٌ في وجه كلِ هادم.

(فهل وصلت الرسالة ؟!!)

نُشرت بواسطة

اسحاق البلوشي

مدونة اسحاق البلوشي 

8 رأي حول “بين أغبرة الماضي وأقنعة الحاضر !!”

  1. جميل أن أطفالنا رغم صغر سنهم استطاعوا الإدراك والتميز
    ورفضهم للهدايا رغم الأجواء الخياليه من الترف والاغراء ..

    مهما حاولوا وخسروا من أموال ووقت وجهد لن يستطيعوا تغيير عقادنا ، رغم أننا ف آخر الزمان ، ومن حديث الرسول ( آتى الإسلام غريب ، وسيعود غريبا )
    إلا أني متفائلة بقوله تعالى (أفلا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها أفهم الغالبون )
    معناه ..أي : ننقص أرض الكفر ودار الحرب ، ونحذف أطرافها بتسليط المسلمين عليها وإظهارهم على أهلها ، وردها دار إسلام . والقرينة الدالة على هذا المعنى هي قوله بعده : أفهم الغالبون

    نسأل الله سبحانه الثبات حتى الممات ، وان يتقبل من صالح الأعمال ..
    أرجو من أجيالنا إلا ينغمسوا ف التقليد للغرب ، والاكتفاء ب أخذ كل ماهو مفيد يخدم مجتمعنا .
    كل الشكر والتقدير لقلمك الرائع ، أبدعت في الطرح .. تحياتي

  2. الطفوله تعني سجيتك فطرتك ،التي لم يُخالطها شـے مـن أمور الحياه سواء عادات وتقاليد وأديان وطقوس ومفاهيم تفوق المستوى،هي فطره صافيه فطرها اللـّﮧ تعالى واثبت نقائها فيـے كتابه وسنته قبل وجودنا فيـے هذه الحياه،فالحمدالله عـلـّــے نعمة الإسلام وان رزقنا هذا الدين القويم، فالخوض فيـے ذكريات الماضي تعطي العقل فرصه لاسترجاع أيام آلطفوله، بمواقفها وقصصها وضحكاتها وبرائه نفتقدها وطيبه ممزوجه بنوع مـن الشغب وحب الفضول فكان لايتعدى حد أللامعقول كجيلنا هذا، فالمكان وزمان وذكريات الماضي تجدد روح المتعه فيـے نفسك وتجد الفرق الكبير مع مرور السنين ومع قدوم كل جيل. مدونه قيمه ورائعه جمعت موضوعين بطريقه تشد القارئ للوصول للمعنى والمغزى فيـے بعض فقراتها

  3. مدونه رائعه وتلامس  واقع أطفالنا اليوم لمحاصرتهم بالأجهزه الأكترونيه التي أغلبها يحاول. أن يحبب أطفالنا في الأشياءالمحرمة والأبتعاد عن ديننا الإسلامي وهنا يأتي دور الوالدين بغرس مبادئ ديننا الحنيف في نفوس أطفالنا والثبات عليه مهما كانت المغريات  وتذكيرهم بأن الله يعطينا أشياء أجمل من التي  نرفضها من أجله وأيضاًتذكيرهم بأن الجنه مبتغى الجميع ..الله يثبت علينا الدين والعقل …شكراًلك إستاذي على هذه المونه الجميله وننتظر المزيد

  4. أستمتعت كثيرا بقراءة المقال الذي نقل لنا صورة جميلة عن تلك الفطرة البريئة التي لم ولن تلوثهاالمادة أو المعتقدات الخاطئة من أي جهة
    فلطالما تربى الطفل تربية جيدة وفي بيئة إسلامية طاهرة رسخت الدين بصورة جميلة وراقية في النفس البشرية لن تزعزعه بقوة الله كل المؤثرات المحيطة به
    نحن نزرع قيم ومبادئ كاالنخيل في قلوب أبنائنا لاتتأثر بمجرد إغراءات لاتسمن ولا تغني من جوع
    تربية من ترك شئ لله عوضه الله خيرا منه في نفوس النشئ تربية تعطي ثمارها على الأمد البعيد .
    مدونة راقت لي كثيرافشكرا لك أستاذي ومن تألق إلى آخر .
    (نورالعيون )

  5. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    تحية طيبة و بعد أخي الفاضل اسحق البلوشي

    سطور رائعة . . استمعت بقرائتها . . في وقتنا الحالي نحن في أمس الحاجه الى مثل تلك العقول النيره في أطفالنا . . تلك العقول التي تميز الخطأ من الصواب و الجيد من السئ . .

    بارك الله فيك و دمت كما عهدناك مبدعا . . متميزا . .

    تقديري و احترامي
    مجرد ذكرى

  6. الاخ اسحاق المبدع الساحر
    بمقالتك هذه التى اتمنى ان تنال نصيبا اكبر من النشر والانتشار وان تصل الى اكبر شريحه من المجتمع العربي بصوره عامه لكى تحقق الفائده المرجوه منها لما تحوى على حل لمعضلات كثيره كالتبشير او التشدد الدينى فالكل سواء…فيجب ان لاننجرف نحو مانجده فى بدايه الامر نوايا حسنه ودائما لنبحث عما وراء تلك النوايا…فليس كل مايلمع ذهبا…
    وللاسف قد يجر قله الادراك والوعى والحاجه بعض الناس الى مسالك تهوى بهم فى الدنيا او الاخره..
    الرساله واضحه وبليغه ومؤثره ..وباسلوب جميل يدفعك للاقتناع بها وهى خاليه من التهديد والسب والشتم والانتقاص كما اعتاد البعض ان يوجهوا رسائلهم حتى ان البعض اوشك ان يتعاطف مع الطرف الاخر بسبب طرقهم فى الرد وقد نسوا ان الله سبحانه وتعالى قال ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾
    كل عام وانت قلم بارز فى الميدان…وكل عام والامارات بالف خير…

أتشرف بتعليقاتكم ومقترحاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s