الليل الكالح فرض علينا سواده، فلا يمكن رؤية شيء غير ذلك الظلام الدامس، والسكون لف المكان فكل من معي في السيارة هم في سباتٍ عميق، وكأني أقود سيارة الحياة إلى حيث لا أدري.

تلك الحياة التي ولجتها باكياً وكل من حولي في سرور وفرح، حتى بدأتُ أتلمس الطريق حبواً، فما لبثتُ حتى تلقفتني تلك الأيدي الحانية، محاولةً تثبيتي واقفاً، وكأن وقوفي حفلتهما المنتظرة، ولأني وكباقي الأطفال تأسرني ضحكاتهما وطريقة تحفيزهما، فقد حاولت الثبات مدة تصفيقهما وتهليلهما لي.

وها أنا أصل إلى المدرسة بسرعة تفوق استيعابي، وها هي تلك الأيدي ممسكة بيديَّ وترافقني إلى أول يوم دراسي، وها هي أعينهما تراقبني بينما أجلس في فصلي الأول، بينما تظل نظراتهما ممسكة بي ولا تريد الفكاك أو الفراق، حتى يطمئنا على اندماجي الكامل وتقبلي المكان ومن فيه.

وبعد سنوات أستيقظ بنشاط غير معتاد، فاليوم هو يوم ماراثون الجري وقد قررتُ المشاركة، سوف أعدو ورفاقي بدءاً من الكورنيش ومروراً أمام منزلنا حتى نصل إلى المدرسة، وها هي تلك الأيدي تتلقفني منذ الصباح الباكر، وقد جهزوا لي ما سأرتديه، وفي أثناء ذلك أمطروني بنصائحٍ رياضيةٍ وطبيةٍ ونفسيةٍ، يراد بها تمكيني من إكمال المسافة دون أدنى أذى قد يصيبني.

بدأنا الجري بسرعاتنا القصوى، ولأنها روح المنافسة وشقاوة الأطفال لم ندرك بُعد المسافة، إلا وقد اقتربنا من منزلنا، وإذا بتلك الأعين تترقب وصولي وقد طال انتظارها، لا لتأخيري، بل لقلقهما الدائم والمستمر، فكانت تلك لحظة تطمين مؤقتة، يعودان بعدها إلى حالة القلق والانتظار حتى أعود إلى المنزل.

كان ذلك دأبهما، اهتمام بي وقلقٌ علي، وحبٌ تنوعت أشكاله، فهما من غمرتهما فرحةٌ تفوق فرحتي عندما حصلت على الشهادة الثانوية، وفي الوقت ذاته هما من سهلا لي طريق النجاح، فهما من زرعا فيني حب العلم وتقدير المعلم، وهما من أزاحا عني الهموم والمصاعب، وهما من ألبساني طمأنينةً وراحةً كنت في أمس الحاجة إليهما، وهما شحنة الحنان التي أتزود بها قبل أن أحتاجها.

وهما الآن رفيقي دربي الغائبين عن دنياي، لذا أستوحش قيادة الحياة دون نورهما، ولكني في المقابل أعيش معهما أحلى الذكريات، كُلما هربت من واقعي وألتحقتُ بهما في الماضي الجميل.

تلمست ذلك من تلك الأيدي التي بدت أكثر وهناً في فترة مرضهما، ولكن دفئها باقٍ كما في الأيام الخوالي، فرُغم فقدها العنفوان والقوة إلا أنها تظل متشبثة بقوة الحب والحنان، وتلمسته من تلك الأعين المليئة حباً وسحراً، فلا أكاد أبادلهما النظر، حتى يبدأ حديث الأعين، حديث العتاب بسبب الاشتياق، وحديثُ القلق والاهتمام، حديثُ نكران الذات في هذا الوضع الصعب، حديثٌ أنا محوره على الدوام، ذلك الحديث الذي لم ألتفت إليه إلا بعد فوات القطار.

لم أدرك وضعي معهما إلا بعدما هدأت دوامة الاهتمام والحب رغماً عنهما، عندها أدركتُ منبع الحب الحقيقي وسر الاهتمام الزائد، عندما جاء دوري في رد الجميل لهما، ذلك الجميل الثقيل ثقل الجبال الرواسي، لم ولن أستطيع رده، إلا ببعض الأفعال التي قد أوهم نفسي بأنها جزء من رد الجميل.

فيا ويح نفسي ويا ويلي إن لم أُدرك برهما، وهو أقل القليل في بحر تضحياتهما من أجلي، فكم من ألمٍ كنت سبباً فيه، وكم من قلقٍ انتابهما بسببي، وكم من شيء حرما نفسيهما منه لأجل حصولي عليه، وكم من عينٍ ذرفت أو سهرت لأجلي، وكم مرةً كنت سبب حزنهما، وكم من المرات أغضبتهما، وكم هي الأيام التي غفلتُ عنهما.

أسأل الله أولاً الرحمة والغفران، والعفو عن كل تقصيرٍ في حقهما، وأسأله الفردوس الأعلى لهما.

(ربِ ارحمهما كما ربياني صغيرا)