بعد جولتها حول شهور السنة، ها هي طائرة الأيام تهبط مجدداً حيث أريد، وها أنا ككل مرة، أتلهف شوقاً لدخول ذلك السوق العامر، حيث الخير حاضر والربح وافر، وحيث تزداد الطاعات وتكثر النفحات، وحيث الأجر مضاعف والشياطين أضعف، وحيث الدمعة أقرب للعين من ذي قبل، وحيث موائد الرحمان تفرش في كل الأنحاء، ذلك هو سوق “شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن”.

السوق الذي تجارته مع الله مباشرةً، وسلعه كثيرة، منها الصلاةُ والصومُ والصدقةُ، وسائر العبادات التي تقربنا من الخالق، ويكفيك أن تعلم بأن قيمة الصوم مجزية جداً، فالمكافئ هو الله، مصداقاً لقوله تعالى في الحديث القدسي: “كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به”، وسنستلم قيمة الصوم كاملة يوم القيامة، بلا نقصان أو تنقيص.

ولمن يبحث عن العروض، ففي رمضان عرض لا يُفوت، انه عرض “ليلة القدر” وما أدراك ما ليلة القدر، تصور عبادة ليلة تكون خير من ألف شهر، وألف شهر تعادل ثلاث وثمانين سنة، وبما أننا أيقنا بأن متوسط أعمارنا بين الستين والسبعين، فإن تلك الليلة كفيلة بحصولنا على أجر عباداتٍ يعادل أجر عبادات سنين أعمارنا، بل وقد يزيد.

إن كانت تلك مكافآتنا المؤجلة إلى يوم الحساب، فهناك أخرى حاضرة وفورية، تستلمها النفس والروح نقداً وعداً، فاسأل العُباد عن سر حبهم للعبادة، واسألهم عن سر شغفهم الواضح لصيام نهاره وقيام ليله، وعن سر بذخ الاطعام وإدامة الصدقة، وعن سر توهج الوجوه نوراً وسكينة.

واسأل المشائين في الظلم إلى المساجد، ما بالهم تركوا الفراش؟!، ولما هجروا الراحة؟!، بما يحسون وما يستشعرون؟!، تبدو دوافعهم عظيمة، ومحفزاتهم جديرة، ولأني أدرك بأن راحة الأنفس وطمأنينتها تنسينا مشقة الأجسام ومتاعبها، من ذلك استنتجت أن السر في راحة النفس وفرحها بعد الخشوع، وبالتالي لذة الطاعة وحلاوة الإيمان، فهما كالشهيق والزفير لعباداتنا، ودونهما تكون عباداتنا بلا روح، وهما جنة المؤمن في الدنيا وربحه العاجل الوافر.

“وكان ابن تيمية يقول: إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة، وقال ثابت البناني: كابدت الصلاة عشرين سنة وتنعمت بها عشرين سنة، وقال بعضهم: سقت نفسي إلى الله وهي تبكي، فمازلت أسوقها حتى انساقت إليه وهي تضحك.”

(اللهم بلغنا رمضان، وانعم علينا بلذة الطاعة وحلاوة الإيمان)