20120523-232824.jpg

كلما استرجعت شريط ذكرياتي، وقفت تجربة سفري الأولى وأحداثها المضحكة المبكية، تفرض نفسها على غيرها من الذكريات.

كان السفر في تلك المرة مع أحد الأقارب الأعزاء وإلى إحدى الدول المسلمة في جنوب شرق آسيا، زمن الرحلة سبع ساعات، كنا خلالها ننام ونستيقظ ونعود للنوم عدة مرات متتالية، حتى تحط بنا الطائرة في العاصمة.

تلك العاصمة المعروفة بتناقضاتها الغريبة، بين الغنى الفاحش والفقر المدقع، فالعمارات الشاهقة لم تكن بعيدة عن تلك البيوت الخشبية، والسيارات الفارهة كانت تجوب الشوارع.

فيما يقف أبناء المعدومين عند الإشارات إما لبيع أي شيء لجني ما يسد رمقهم، أو عزف الجيتار مع الغناء لأصحاب السيارات أثناء توقفهم عند الإشارة، كل ذلك مقابل قروش بسيطة يرميها أصحاب السيارات قبل التحرك.

ظلت تلك الصورة عالقة في ذهني حتى وصولنا إلى الفندق، بعدها أخذ كلٌ منا موقعه في غرفته.

فوقفت أمام النافذة، والوقت قارب على منتصف الليل، فإذا بقرية بعيدة، ابتلعها الظلام الحالك إلا من إنارات خافتة صادرة من عدة منازل.

تمالكني التعب وأصبحت أسيره، وغالبني النعاس، فأصبحت طريح الفراش.

وبعد ساعة من ذلك الوضع، إذا بطارقٍ كاد أن يكسر الباب، فزعتُ من نومي غاضباً، فتحت الباب، فإذا به صديق السفر، أمسك بيدي، ومضى يركض، ولم يعطني فرصة للكلام، قال: لم نسافر لننام، إنما السفر للمغامرة والاستكشاف.

خرجنا من الفندق وهو القائد، اتجه إلى القرية التي رأيتها، وعلامات الحماس واضحه على محياه، بينما سيطرت الغرابة على كل جوارحي.

دخلنا دهاليز القرية المظلمة، فإذا بالمشردين يفترشون الأرصفة، ويلتحفون السماء، منظر بائس لم أره سابقاً، فمن شدة الجوع والحاجة انشغل بعضهم بالبحث في القمامة، أُسر كاملة على تلك الحال.

صادف ذلك المنظر، منظرٌ آخر أشد حزناً وألماً، عندما مر أحد الأغنياء المترفين مع ابنه المتخم، وهو يأكل “المثلجات”، وينظر إلى المشردين وأبنائهم بنظرة ازدراء.

وما أن تجاوزنا المشردين حتى سمعنا صوتاً صاخباً، فتتبعنا مصدره، لعلنا نجد ما يؤنس غربتنا، مررنا بأشخاصٍ يجلسون على الأرصفة ويدخنون، كلٌ انشغل بحاله ودخانه، سألني: أتعرف ما يدخنون؟! قلت: لا، ولا أريد أن أعرف.

تعمقنا في غياهب القرية بحثاً عن مصدر الصوت، فاجأنا هذه المرة ثلاثة من الشبان وهم يترنحون يمنةً ويسرة، فقدوا عقولهم وقبل ذلك رجولتهم ومرؤتهم، ضحكاتهم تعلو بلا مبرر، بينما يزداد استغرابنا لما نشاهده في هذا البلد المسلم.

وما أن ابتعدنا عن المترنحين وضحكاتهم، حتى مر بجانبنا مجموعة من الأشخاص، لم نستطع تصنيفهم أهم ذكور أم إناث؟!، بدت ملامحهم ذكورية ولكن شوهها إفراط الميوعة، وإسراف الليونة.

وها نحن نصل إلى مصدر الصوت، وقد كانت الأضواء صاخبة كصخب الصوت، رقص وغناء وشرب وميوعة، كل ذلك من أجل إرضاء شرذمةٍ من الأغنياء، الذين يُفرغون شهواتهم وجيوبهم في هذا المكان، والكل في خدمتهم، فهم الأسياد وطلباتهم أوامر.

ضاقت علي نفسي، من هول ما شاهدت، من فجور وعصيان واستعباد، فالفقراء مجبرون لعمل كل أنواع المحرمات، وبالتالي الحصول على قوتهم الذي يمكنهم من الاستمرار في الحياة، إنها مناظر لم أرها من قبل، أو لم تجبرني ظروف الحياة على رؤيتها والحمدلله.

طلبت من صديقي مغادرة المكان، مسكته وسحبته بقوة غير معهودة، نابعة من قوة داخلية كانت تجبرني على أن لا أقبل إلا محاسن الأمور.

خرجنا وكان الوقت فجراً، وابتعدنا عنهم وعن صخبهم المقيت، فإذا بصوت جميل يملأ المكان سكينة وروحانية، انه إمام القرية يقرأ الآية :{قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}الزمر53، دخلنا المسجد، فإذا به قد امتلئ بالمصلين، صفوف الرجال ثم الصبيان وأخيراً صفوف النساء، ابهجني المنظر، فدخلنا معهم في الصلاة.

خرجنا من المسجد، يرافقنا الإمام، مرحباً ومعرفاً، بالقرية وأحوالها، سألته عن تلك الجهة وما فيها من صخب وميوعة وفسق، ابتسم قائلاً: انها مقبرة القرية وغياهبها، فمن اختار زيارتها فلا يلومن إلا نفسه، وهي زاوية صغيرة لا تمثل شيئاً من هذه القرية الكبيرة.

وها هو نور الصباح ينبثق، بعد هذه الرحلة المتعبة في ظلمة الليل، كاشفاً لنا الوجه الحقيقي الجميل.

الخضرة والطبيعة تأسران الألباب، ونشاطٌ وهمةٌ تغمران المكان، فرحة الأطفال وهم يستعدون للذهاب إلى المدرسة، وترانيم الامهات الصباحية، وأفواج من الرجال متجهين الى أعمالهم ومصدر رزقهم، فبدت القرية وكأنها خلية نحل.

وفي تلك اللحظة انبثق في نفسي فرحها وبهجتها والأمل الذي كاد أن يخفت، فتذكرت فوائد السفر:

تَغَرَّبْ عَنِ الأَوْطَانِ فِيْ طَلَبِ العُلَى
########## وسافِرْ ففي الأَسْفَارِ خَمْسُ فَوَائِـدِ

تَفَرُّجُ هَـمٍّ، واكتِسَـابُ مَعِيْشَـةٍ
######## وَعِلْمٌ ، وآدابٌ، وصُحْبَـةُ مَاجِـدِ

فإن قيلَ في الأَسفـارِ ذُلٌّ ومِحْنَـةٌ
####### وَقَطْعُ الفيافي وارتكـاب الشَّدائِـدِ

فَمَوْتُ الفتـى خيْـرٌ له مِنْ قِيامِـهِ
####### بِدَارِ هَـوَانٍ بيـن واشٍ وَحَاسِـدِ

وبعد راحة البال وبهجته حصل ما لم يكن في الحسبان، عندما اعترض طريقنا، حفنة من أولئك المشردين والمترنحين، وقد حملوا أسلحة بيضاء، وهدفهم قتلنا وسرقة مالنا.

هنا طلب منا الإمام الهروب فوراً، ركضنا هاربين من موت يلاحقنا، وأهل القرية من شرفاتهم يكبرون ويهللون، ولكنهم لم يفعلوا شيئاً لمساعدتنا، تعبنا من الركض المستمر، وقررنا المواجهة، وقفتُ أمام أحدهم انتظر ما سيفعله، وقد أمسك بالسكين، فإذا بي أسمع صوتاً غريباً، لا يصلح في هذا المكان، صوت طرق الباب، وهاتفٍ يقول: “يكفيك نوم يا اسحاق، السائق ينتظرنا في الاستقبال”، أدركت حينها بأنها أضغاث أحلام.

فاستيقظت وأنا أحمد الله على السلامة، فتحت الباب وعانقت صديق الأسفار، وقلت: لا إلى غياهبها ولا إلى مقابرها، بل إلى طبيعتها، ومعالمها، ومبعث نورها.

(ودامت أحلامكم سعيدة)