في محراب السكون: فلسفة الانكفاء نحو الذات

Published on

بوصة


عندما أُغلق باب غرفتي، لا أفعل ذلك رغبةً في بتر العالم، بل رغبةً في وصلِ ما انقطع بيني وبين نفسي. لستُ هاربًا من الحياة، بل مُقبِلٌ على جوهرها؛ ففي زحام الأجساد وضجيج العبارات العابرة، يشعر المرء أحيانًا بأنه يتبدّد، يتناثر كغبارٍ في فضاءات الآخرين، فلا بدّ له من ركن يجمع فيه شتاته. هنا، في هذا السكون، أستعيد صوتي بعد أن كنتُ صدىً لأصوات لا تُحصى. وكثيرًا ما أتذكّر ما يُنسب إلى نيتشه من أن العزلة الحقّة ليست غيابًا للبشر بقدر ما هي حضورٌ كاملٌ للذات أمام نفسها.

غير أنني أعترفُ ابتداءً بأن للعزلة وجهين؛ فثمّة خلوةٌ يختارها صاحبها ليُصغي إلى داخله، وثمّة عزلةٌ تُفرض على الإنسان فتثقله وتُمرضه. الأولى ينبوع، والثانية بئرٌ مظلم. وما أكتبه هنا إنما هو في مديح الأولى، لا في تبرير الثانية أو التهوين من آثارها النفسية على من يُعانيها قسرًا.

الحياة المعاصرة تُدير عجلتها بسرعةٍ مُرهقة، وتدفع الناس دفعًا نحو حلبات ركضٍ متواصلة، حيث يُقاس النجاح بمدى قدرتك على الظهور والاندماج. لكن هذا الاندماج القسري أفرز مجتمعاتٍ قلقة، تتغذى على التشتت وتخشى الفراغ. ولعلّ باسكال أصاب حين لاحظ في “خواطره” أن جُلّ مشكلات البشرية تنبع من عجز الإنسان عن البقاء وحيدًا وهادئًا في غرفته. فالخوف من مواجهة الذات هو ما يدفعنا إلى افتعال النزاعات، والانغماس في التوافه، والهروب الدائم نحو الخارج، خشية العثور على ملامحنا العارية خلف الأبواب المُغلقة.

والاعتزال بهذا المعنى ليس انطواءً مرضيًا، بل رحلةٌ تطهيرية. فالخارج يفرض شروطه، ويُقايض قبولنا بامتثالنا. وفي غمرة محاولاتنا لإرضاء الآخرين، قد نفقد ملامحنا الأصيلة. وهنا تبرز الخلوة كحبل نجاة، أو كما يُلمّح كيركغور في تحليله لليأس: إنّ أسوأ ما يصيب المرء هو أن يُخفق في أن يكون نفسه؛ والخلوة هي الفضاء الذي يتعلّم فيه كيف يستردّ هذه الذات. في هذا الفضاء، تسقط الأقنعة، وتكفّ الروح عن تلبية ما لا تريد، لتُنصت أخيرًا إلى ما تريد.

هذا الانكفاء نحو الداخل لا تُحرّكه مرارةٌ تجاه العالم، بل وعيٌ بحدود الطاقة الروحية. ولطالما أُسيء فهم المعتزلين ووُصموا بالجفاء، بينما تروي الكواليس قصةً مختلفة؛ قصةً عبّر عنها روسو في “أحلام جوّال منفرد” حين أقرّ بأنه لم يجد رفيقًا يُريحه كما تُريحه الوحدة، وأن انسحابه من الناس لم يكن كرهًا لهم، بل ضِيقًا بضرورة تزييف ملامحه أمامهم. إنها تهمة “المجاملة” التي نخلعها عن كاهلنا في الخلوة؛ فهي المكان الوحيد الذي لا نضطرّ فيه إلى ترتيب ابتساماتنا، أو تطويع نبرات أصواتنا، أو طمس آرائنا لنبدو مألوفين.

على أن للأمر حدًّا ينبغي ألّا يُتجاوز؛ فالخلوة الموزونة تُعيدنا إلى الناس أصفى وأقدر على العطاء، أما الانعزال المُطبق فيُذبل الروح ويُضيّق أفقها. الحكمة إذن في الجرعة، لا في المبدأ وحده.

وفي نهاية المطاف، حين تهدأ العواصف، يُدرك السائر في طريق الخلوة أن الضوء الحقيقي ينبعث من الداخل، لا من تصفيق الأيادي. وهي الطمأنينة ذاتها التي بشر بها سبينوزا حين رأى أن السعادة الكبرى تكمن في اتصال العقل بالنظام الكلّي للوجود، لا في ثناء الجموع. ثمّ تنكشف للمعتزل المفارقة الكبرى: أنه كلما ابتعد عن ضجيج “الجزء”، اقترب من سكينة “الكل”. فالعزلة ليست جدارًا يفصلنا عن العالم، بل نافذةٌ نُطلّ منها على ما هو أوسع منه.

أتشرف بتعليقاتكم ومقترحاتكم