تتطاير الأغبرة في المكان، فثمة أطفال لازالوا يلهون خلف الكرة، ورغم حرارة الجو وخشونة الأرضية إلا أنهم حفاة، ومع ذلك الوضع القاسي إلا أنهم في قمة الفرح والبهجة، ولو سألتَ أحدهم حينها عن ما يتمناه في تلك اللحظة، لأجابك بكل ثقة أتمنى أن لا تشغلني عن ممارسة هوايتي المفضلة، لذا كنا نقضي الساعات في اللعب غير مكترثين لما سوى ذلك.

ولازلتُ أحتفظ بتفاصيل تلك الحقبة، وكأنها شريط مصور أسترجعه في أوقات الخلوات والحنين إلى الماضي، من صورة الملعب المجاور لمستشفى التوليد، إلى أدق التفاصيل التي واكبتنا في أوقات المرح والشقاوة.

ففي مرةٍ من المرات وبينما نحن في وطيس اللعب بالكرة، وقد تتطاير الغبار بسبب نشوة الحماس، إذا بطبيبة من المستشفى واقفة عند المدخل تتابع لعبنا ولهونا بكل اهتمام، تبين لنا ذلك من ابتساماتها المتواصلة، ومن تركيزها الواضح، وهي وكباقي الطبيبات في المستشفى أوروبية خمسينية العمر.

فما لبثتْ حتى نادتنا بتلويحاتٍ يدوية، وما لبثنا حتى لبينا نداءها مهرولين، فإذا بها تحمل “كرتوناً”، وقد مُلئ بأحذيةٍ رياضيةٍ لا قِبل لنا بها، عندها قامت بتجربة الأحذية على الأرجل المتسخة بتراب الملعب، حتى أوجدت لكل واحدٍ منا حذاءه المناسب، عندها أمسك كلٌ بحذائه منطلقاً إلى منزله، بفرحةٍ غامرة وغنيمةٍ وافرة.

زاد اهتمام الطبيبات بنا، فبعد الأحذية الرياضية، جاءت الهدايا والهبات كالشوكولا والألعاب، فلا يمر أسبوع إلا وقد غنمنا شيئاً مميزاً، حتى ما إن بلغنا رأس السنة الميلادية، إذا بهن يقمن بدعوتنا لحفلةٍ مخصصةٍ للأطفال، مع توصيةٍ وتذكيرٍ بوفرة الهدايا التي لا تفوت، وفعلاً نجحن في إغرائنا، فقد أصبحت الحفلة شغلنا الشاغل وهداياها حُلمنا الآتي.

جاء اليوم الموعود، ولازلنا نحمل لهفة الأطفال للهدايا الموعودة، تَجمَّعنا في الملعب، وانطلقنا على بساط الأمنيات إلى حيث ملائكة الرحمة وواهبات السعادة، عند البوابة كُن في انتظارنا بهدايا استفتاحية، كانت عبارة عن ألعاب متنوعة لم توجد في أسواقنا المحلية حينها، لذا كان وقعها علينا كبيراً، وبسبب ذلك غمرتنا فرحةٌ عارمة قبل البدء بطقوس الحفلة.

واكب الهدايا الاستفتاحية التقاط عدة صور فورية، كان صداها عميقاً في النفس، فعندما تهبك إحداهن هديةً نادرة، وتقوم الأخرى بتدوين تلك اللحظة في ذاكرتك من خلال الصورة، فإنها بذلك تحفر اللحظة وتوابعها في مخيلتك، وكأن الواقع حلمٌ جميلٌ تتمنى الاستمرار فيه، وفيما بعد يكون الحلم واقعاً تتلمس أحداثه الماضية.

فخامة الحفلة وبهرجاتها جعلتنا نعيش في عالم خيالي، يفوق تصورنا ويتجاوز استيعابنا بل ويُسحر جوارحنا، تخلل ذلك غناء إحداهن بالعربية، بعبارات لم نستوعبها للوهلة الأولى: “كل شيءٍ جميل في بيت أبي”، وكأنهن يُردن تثبيت العبارة في مخيلاتنا، قبل الانتقال إلى الفقرة التالية، والحقيقة أن الشطرالأول “كل شيءٍ جميل”، كان مطبوعاً مع أول هدية تلقيناها منهن.

أما الشطر الآخر “في بيت أبي” فقد أولناه على أنه بيت أبيهن الحقيقي، ولكن التأويل تلاشى مع الفقرة التالية، عندما بدأن في عرض فصول مسرحيةٍ تحكي قصة عيسى وأمه مريم عليهما السلام، ومحاولتهن من خلال المسرحية تثبيت عقيدة الثالوث أو التثليث في مخيلتنا “وهي أن الأب الموجود في السماء، قد تجسدت كلمته في الابن وهو المسيح، وكان وسيطا بينهما الروح القدس”.

فرغم غدق هداياهن وإسراف بهرجتهن في الحفلة، ورغم صغر سننا وطراوة فهمنا، إلا أن فكرة التثليث لم ترقَ لأحدنا، وكأنها لقمة فاسدة دخلت جوف عقولنا، فما كان منها إلا أن استفرغتها على الفور، مع انسدادٍ في النفس لتقبل ما يردد، وإن كانت مكافأة الترديد مجزية للغاية، عندها تحركت فينا فطرتنا الأزلية، وتربية آبائنا البسطاء، فأخذنا نردد:”قل هو الله أحد، الله الصمد، لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد”.

مع تفهمي لموقف الطبيبات في سعيهن لنشر دينهن أو عقيدتهن، إلا أنهن اخترن المكان الخاطئ، والأشخاص غير المناسبين لهضم عقيدةٍ تخالف التوحيد والفطرة، تجسد ذلك بعد سنين مضنية من محاولات متكررة لزرع فتيل التثليث، مع الأمهات من خلال محاضرات تعريفية، أو الأطفال من خلال الهدايا والألعاب، والتي باءت كلها بالفشل الذريع، لأنها لم تستطع اختراق فطرة طفل صغير، فما بالكم بمن ترسخت لديهم العقيدة.

تلت تلك السنين سنيناً أكثر نضجاً بين الطرفين، إذ التزمت الطبيبات بدورهن الطبي والإنساني في خدمة مجتمعٍ ناهض، مع يقينهن واستيعابهن لعقيدة هذا المجتمع، وكأني بهن وقد رسمن خطاً أحمر لأنفسهن لا يمكن تجاوزه، وفي المقابل كانت الأمهات يعاملن الطبيبات كصديقات لهن، دون خوفهن من اختراقٍ مفاجيء لجدار عقيدتهن المحصن بفطرة الإسلام.

كانت تلك القصة بداية فهمي لمروجي الأفكار والعقائد، فعقيدتنا لم تحتج لمقدمات وهدايا كي تتبلور فينا، فهي موافقة لمنطق العقل السليم، عكس الأفكار الهدامة التي تحتاج الكثير من المراوغة والتلون، فغايتهم تبرر وسيلتهم، وظواهرهم لا تطابق دواخلهم، ونواياهم مناقضة لصورهم الظاهرية، فما سياسة الأبواب المقفلة وجلسات الخلسة إلا تصديقاً لما ذكرت.

تعلمت من تلك القصة أن الذي لا يعلن فكره في النور وفي وضح النهار، إنما يحاول إخفاء العيوب والتشوهات التي تعتري منطقه، ومن يحاول رسم استراتيجيةٍ للاستدراج هو ذلك الذي فشل فكره في استدراج العقول بالحجة والمنطق، وهو يعلم علم اليقين بأنه لقمة فاسدة في جوف مجتمعٍ يحسن النوايا ويقابل الإحسان بالإحسان، وأعلم علم اليقين بأن مجتمعنا عصيٌ على كل فكرٍ شاذ وشديدٌ في وجه كلِ هادم.

(فهل وصلت الرسالة ؟!!)