منذ نعومة أظفاره، واقتتال وجهات النظر لم يبرح تفكيره، من البدء حيث مشاهدة المشاحنات في طفولته، ثم حماس النقاش، فالتعصب والانحياز في زهرة عمره وعنفوان شبابه.

لذا لم يسلم وأقرانه من خصومة الجدال، واستماتة العناد، فكانت شرارة الخلاف رأيٌ عاكس رأي، وناره نقاش عقيم، ورماده خصام مبين.

ولذلك ظل يناظر كل ضد معاكس، فكان يرى رأيه حقيقة، بلا شك ولا خلط، ورأيهم باطل أكيد، وفساد مقيت، ونتيجةً لهذا، فقد جادلهم بلا رحمة، حتى أصبح أشوسهم، فلم يقبل غير رأيه، ولم يسمع غير صوته، بل كان يلجم الأفواه، بلسانه الجارح، وعباراته الحادة.

حتى بنى سوره العظيم، ليحميه من كل ذي رأي معاكس، دعائمه التسفيه والإسفاف، وحراسه كل قول بذيء بسلاح الشتم والقذف.

وبذلك تقوقع على رأيه الوحيد، حتى ذلك اليوم العظيم، حينما انفجر عقله، طارحاً أسئلته المدوية، فأحدثت شظاياه شرخاً في سوره المحصن: “إن كان رأيك صحيحاً، ودلائله واضحة، وركائزه قوية، فلما الخوف من رأيٍ مخالف؟!، وما الداعي لسورك المحصن؟!.

فهل هو خوفٌ من آرائهم؟!، أم خوفٌ على رأيك؟!، أم هي رهبة الحقيقة إن خالفت ما تعتقد؟!، أم تربيةٌ لازالت آثارها تتحكم؟!، وهل لتسلط والدك دور؟!، وهل لجبروتِ مُدرسكَ بصمة؟!.

وفي المقابل، لماذا خُلقنا مختلفين، شكلاً ولوناً وتفكيراً؟!، وكيف ستكون الحياة إن كنا متشابهين؟!، وجملة القول: هل الاختلاف فطرة؟!.

فكيف بك، إن دخلت بستاناً زهوره بلون واحد، مقابل بستانٍ اختلفت ألوانه وتنوعت؟!، كذلك هي الآراء والأفكار، فما هي إلا بساتين يانعة الثمار والأزهار، كثيرة الأشكال والألوان.

فإن لم ترغب في ثمارها وأزهارها، فلا تحرم عقلك من روعتها، ولا تمنعهم من زيارة بستانك الصغير، فقد يعجبهم شيءٌ منها، فيقطفوا أجملها ويحصدوا أطعمها.

والحياةُ أخذٌ وعطاء، فخذ أجود ما عندهم، واترك ما دون ذلك، واعطهم أجمل ما تراه، ولكن على طبقٍ من الاحترام والود، مزينةً بكثير من اللين والطيب، مذاقها قناعتك ولُبها دلائلك”.

عندها هوى ذلك السور العظيم، ليَسمع ويُسمع، ويأخذ ويعطي، دون مسٍ أو لمسٍ لثوابت الدين، وبعيداً عند كل همزٍ ولمز، ليكون محباً لكل مخالفٍ معاكس، متمنياً الوصول إلى الحقيقة وإن خالفت رأيه.

(دمتم متحابين وإن اختلفتم)