20120502-115325.jpg

حياتنا مليئة بصورٍ مختلفة، منها الجميلة والأنيقة، ومنها القبيحة والبشعة، قد نحكم على جمالياتها متسرعين، فتبدي لنا الأيام العكس، ومردها زاوية نظرتنا، وأقصد هنا نظرتنا لشؤون الناس، فهل هم سعداء، أوفياء، وطيبون كما نظن؟!!، أم أنها زاويتنا الخاطئة التي تجعلنا نعتقد ذلك، إما لحسن ظننا المفرط، أو خٍبث المُنْظَّر، أم انبهارنا بألوانٍ معينة وتركيزنا عليها دون الصورةِ الكُلية، ومما لا شك فيه فإن تغير تلك الصور من الحسنة الجميلة الى القبيحة البشعة أو العكس، تولد لدينا ردات فعل متفاوتة، قد تؤثر بالتالي على نظرتنا المستقبلية للأمور أو حكمنا على الناس، فالبعض يفقد الثقة، والبعض يشك في أقرب الناس، والبعض يفضل الانطواء، بينما الأصح أن نعتبر تلك التجارب بأنواعها وأنماطها وتصرفات أصحابها، هي خبرات نكتسبها كلما تقدمت بنا السنين، فهي تنير لنا دروبنا المقبلة، بل تجعلنا أكثر وعياً للحياة والتعامل مع الناس، وتكمن مشكلتنا الأزلية في الأحكام المتسرعة على من حولنا ايجاباً أو سلباً، بينما الحقيقة لا يعلمها إلا الله سبحانه وتعالى، فمتى نكون أكثر روِّيةً وتأنياً في اصدار أحكامنا؟!!.

اهدتني عدسة الحياة عدة صور، ناظرتها بزوايا معكوسة، كما حدث ذلك مع غيري، ممن حدثوني عن صورهم المعكوسة، أو التي قرأتها، أو سمعتها من مصادر مختلفة، وسأذكر لكم بعضها:

20120502-115359.jpg

كان ناظر مدرستي الذي أجله وأقدره، وصيته الحسن على كل لسان، أصبح قدوتي في الحياة، فهو الرجل الصالح، الوفي، الصادق، المخلص لعمله ووطنه، يحترمه التلاميذ وآباءهم، وله مكانة اجتماعية مرموقة فهو المعلم والأب والقدوة، كبرتُ ونظرتي لم تتغير، حتى شاء الله أن يكشف سره، تعاملت معه في مسألة تجارية، فهو تاجر أيضاً، اكتشفت غشه لي ولكل من تعامل معه، بما لا يدع مجالاً للشك، صُدمت عندما تيقنت بأنه من عباد المال، واجهته بحقي الذي سُلب، وبكل البراهين التي لو قيلت لصاحب ضمير حي لاسترد لك حقك مع الاعتذار عن ما بدر، فأخذ الحقوق ظلم، وكما تعلمون فالظلم ظلمات يوم القيامة، وكان الأولى أن يستحضر ذلك، لكنه أنكر، واستكبر، وانكشف على صورته الحقيقية عكس الصورة المقلوبة التي كنت أراها.

20120502-115527.jpg

يجر عربته، وانظر إليه بنظرة المشفق، فهو معاق، رجلاه لا تقويان على المشي، انه تعيس في حياته، نحس بالتعاسة عندما تتعطل سياراتنا، فما بالكم ان تعطلت أرجلنا، اقتربت منه لتقديم المساعدة، فاذا بي اجد لوحة علقها خلف كرسيه المتحرك مكتوب عليها:(لا تشفق علي فأنا أسعد منك بكثير)، هنا اكتشفت صورة اخرى كانت معكوسة بالنسبة لي، فهو رغم الإعاقة إلا أن همته عالية، لدرجة ثقته في نفسه، فمجرد قدرته على جر كرسيه، كافية لتمكنه من الانتقال والوصول إلى حيث يريد، وعدم الاتكال وطلب المساعدة مادامت ذراعيه تعملان، بعكس كثير من الأصحاء ممن يأملون في تحقيق أحلامهم ولكنهم يفقدون الأمل والثقة لمجرد عثرة بسيطة في حياتهم، والمقام هنا يجبرني على استحضار بعض الأبيات:
بَصُرتُ بالراحة الكبرى فلم أرها
* * * * * * * * تُنال إلا على جسر من التعب
ويقول آخر :
ذريني أنـل ما لا يُنـال من العُـلا
* * * * فصعب العلا في الصعب والسهل في السهل

تريدين إدراك المعالي رخيصة
* * * * * * * * ولا بُدَّ دون الشَّهْدِ من إبر النحْلِ

20120502-115559.jpg

إنه من أغنى الأغنياء فهو تاجر من أصحاب المليارات، محسود على ذلك، لأنه يملك البنايات، ويسكن القصور، ويسافر متى يشاء، يملك ما لا يملكه غيره، يحلم الكثير من الناس مجرد الدخول الى قصره، والتشرف بالسلام عليه، يتمنون اكل ما يأكله من طيب الطعام، ولبس ما يلبسه من أرقى الماركات، والنوم على ما ينام من الفراش، وركوب ما يركبه من أفخر السيارات، كل ما يتمناه يحصل عليه بمجرد الورود إلى ذهنه، فريق من الخدم والحشم تحت امرته، ليجعلوا احلامه سهلة التحقق، أما الزاوية الأخرى لتلك الصورة، فهي أن هذا التاجر مصاب بمرض في جهازه الهضمي لا يستطيع اكل كل ما تشتهيه نفسه وانما ما يسمح له الطبيب، فمعدته لا تقوى الا على القليل من الزاد وهي عبارة عن بضع لقيمات، وإلا أغمى عليه وأدخل المستشفى، وهو كذلك مصاب بالأرق المزمن، فلا يقوى على النوم إلا بأخذ حبوب مساعدة على ذلك، خرج ذات نهار الى حديقة منزله، فرأى المزارع وقد استغرق في نومٍ عميقٍ تحت ظل شجرة، وقف بقربه مدةً طويلةً، بينما المزارع على حالته، فقال لمن حوله : “نملك المال، ونملك الجاه، نشتري افضل الفراش، وما طاب من الطعام، فما بالنا لا نستطيع شراء النوم او الصحة او راحة البال”، هذا التاجر مع ما يملكه، إلا أنه يحسد المزارع البسيط على نعمة من النعم وهي النوم، كما أنه يحسدني ويحسدك على نعمة التلذذ بالطعام، فما فائدة هذه الأموال المتكدسة … ؟!، نعم نحتاج المال وهو ضروري، ولكنه لا يمثل سر السعادة، السعادة هي إحساس داخلي يجعلك تقتنع بما لديك وإن كان قليلاً، وصحة بدنية تجعلك تتلذذ بما وهبك الله من نعم، وراحة نفسية تساعدك على النوم قرير العين.

20120502-115652.jpg

صديقك في العمل الذي يصارحك بكل شي، يريد مصلحتك، يُناصحك، ويرشدك لتطوير مهاراتك، يحرص على ترقيتك، إنه يحبك بصدق وإخلاص، يسأل عنك إذا تأخرت، وعلى تواصل دائم معك، أصبح جزءاً مهما في حياتك وأصبحت كذلك بالنسبة له، فيا له من صديق وفي، وكم يحلم الآخرون بصديقٍ مثله؟!!، لم تكن علاقتك بإخوانك بتلك المتانة والصدق، ورب أخٍ لم تلده أمك، وللأسف فإن الصورة الحقيقية قمة في القذارة، فهو يخطط للاستيلاء على منصبك، ويشوه صورتك عند المدير، وكل كلمة تقولها يوصلها تقرباً له، لم يحب ولم يخلص لأحد إلا لنفسه، وما تقربه إليك إلا لمعرفة خططك التي يخشاها، فتطورك وتفانيك في العمل يُرعبانه، وهو الذي اقترب من السيطرة على كرسيك، فيؤسفني أن أُبلغك بأن صديقك متسلق على حسابك فلا تحزن على أفعاله القذرة، ولتكن على يقين بأن الكرسي الذي يخطط للاستيلاء عليه، ما هو إلا ككرسي الحلاق، يثبت الكرسي ويتغير الجالسون، فلتكن أخلاقك ثابتة وإن تغير أخلاق من حولك.

20120502-115728.jpg

شاب مفتول العضلات طويل القامة، يمشي متبختراً، يسكن في عمارة سكنية مع والديه، الكل يهابه، فالشبان يتمنون جسماً متناسقاً كجسمه، ويتوددون له كي يكون عوناً في أي عراك أو صدام، فتدخله حاسم، ينهي أي معركة وإن كانت أسلحتها غير تقليدية، ودائماً ما يكون موضع ترحيب وإعجاب فهو بطل العمارة بلا منازع، انكشفت الصورة عندما انقطع التيار الكهربائي ليلاً، ظل يصرخ في شقته، ظن السكان أن خطباً ما حدث له، هرولوا اليه مسرعين، فإذا به يبكي ويصرخ خوفاً من الظلام، ويسأل عن والديه الذين خرجا ولم يعودا بعد، كان يرتجف خوفاً كالأطفال، فقد كان لا يطفئ الإنارة ليلاً او نهاراً، حالة نفسية تصيبه في الظلام منذ الصغر، ولم يستطع التغلب عليها، فما فائدة عضلاته المفتولة؟!!، فسبحان من وهبه العضلات، وزرع في قلبه خوف الظلام.

سأترك المجال لكم لتروا قصصكم التي شاهدتموها من زوايا معكوسة، كي نستفيد ونأخذ العظة والعبرة.

ودمتم بود