مشاغبٌ ذلك الطفل الذي يسكنني … حين يدغدغ مشاعري بحلو الذكريات … فيحضر الماضي الجميل ليمتثل أمامي ويبدأ عرضه المثير … فتستسلم كل جوارحي … وتسترجع شبابها … متناسيةً عداد العمر الذي قطع شوطًا طويلاً … فتنشأ تلك الرغبة في الانطلاق من جديد … إلى حيث الاستمتاع بالحياة … ومواكبة كل ما من شأنه خلق ذلك الانسجام بين طبيعة عمري والتعايش بشغفٍ وحب … كممارسة ما أحب من الهوايات … أو السفر ِبعيداً عن الروتين المعتاد … والتعرفِ على ثقافات ومجتمعات تثريني معرفياً وتشبعني نفسياً … تماماً مثلما كنت أمارسه في شبابي … ذلكما الشغف والرغبة اللذان نستمد منهما الكثير من أسباب السعادة كلما تقدم بنا العمر … واللذان يحولان دون ركوننا واستسلامنا ……
أَيَا طِفْلًا سَكَنَ الروحَ *** وَيَعْبَثُ بالقلب وَأَمَانِيهْ
بِخَمْسِينيٍ هَجَرَ الهَوَى *** وَتَجَرَّعَ آهاتٍ وَمَا يُعَانِيهْ
فَمَا حَنِينُ قَلْبِهِ إِلَّا *** لِذِكْرَيَاتِ عُمْرٍ وَأَنِينِهْ
فِي مَرَاعِي الحُبِّ كَانَ *** يَرْتَوِي دَوْمًا كَسَاكِنِيهْ
فَصَارَ كَجَوْعَى الرُّوحِ *** لَا حُبٌّ صَادِقٌ يُؤَاخِيهْ
وَهَا قَدْ جِئْتَ لَا تَرْعَى *** فِيهِ حُكْمَ الزَّمَانِ وَغَيِّهْ
فِي عَيْنَيْهِ ضَعْفٌ تُبْصِرُهُ *** وَلَهْفَةُ شَوْقٍ فِي شَرَايِينِهْ
وَهُوَ الْمُتَيَّمُ بِالْخَوَالِي *** الْمَاضِيَاتِ رَغْمَ التِّيهْ
جِئْتَ دَاعِيًا لِلْأُنْسِ *** وَتَعْلَمُ بِالْقَلْبِ وَمَا فِيهْ
جِئْتَ مُنْعِشًا لِلرُّوحِ *** وَالرُّوحُ تَعْشَقُ مَنْ يُجَازِيهْ
خُذْ بِيَدِهِ وَأَنْهَضْ إِحْسَاسًا *** غَابَ فَمَا عَادَ يُوَافِيهْ
خُذْهُ إِلَى حُلْمٍ بِخَيَالِهِ *** وَرَعْشَةِ فَرَحٍ تَسْرِي فِيهْ
خُذْهُ إِلَيْكَ طِفْلًا أَتَى *** لَعَلَّكَ فِي مَهْدِهِ تَرْوِيهْ
فتُدْرِكُ شَيْئًا مِنْ *** مَا بَقِيَ مِنْهُ فَتُحْيِيهْ
لِتُرْجِعُ ذَاكَ الَّذِي *** هَجَرَ نَفْسَهُ وَكُلَّ مُحِبِّيهْ
فَتُبْهِجَ قُلُوبًا هَامَتْ *** شَوْقًا وَتُنِيرَ دَرْبًا لِسَالِكِيهْ
إسحاق بن مختار البلوشي

