ليلة القبض على تويتر !!!

٢٠١٤١٠٠١-١٩٠٠١٨-٦٨٤١٨٩٢١.jpg

قيل أفضل عادة ألا تكون لديك عادة، فالعادات تقيدنا بفعل معين نكرره بشكل مستمر، ولتختبر مستوى إدمانك على عادة ما، فعليك التوقف عن ممارستها، حتى تظهر لك أعراض الحاجة لها، وهي حاجاتٌ نفسية مزاجية تمثل الترمومتر الحقيقي لمستوى إدماننا عليها، أو تكون حاجات وهمية اعتقدنا ضرورتها، وبمجرد التوقف عنها تنقشع عن سماء ممارساتنا اليومية.

ففي تلك الليلة، كنت على موعد حقيقي مع اختبار مفاجئ عن مدى إدماني على استخدام “تويتر”، فبعد تواصل على مدار الساعة باستثناء ساعات النوم والراحة، إذا به يتوقف لبعض الوقت بسبب عطل فني، سبب لي حالة من الترقب وانتظار عودته، صاحب ذلك حالةٌ مزاجيةٌ سيئة لازمتني طول فترة الانتظار.

فقد أوقف هذا العطل جولتي المعتادة بين حسابات الصحف والكُتاب، فما عدتُ أقرأ الصحف الورقية في ظل وجود هذا الكم من الصحف بين يدي، وما عدت أطالع المجلات بمختلف توجهاتها، وحتى برامج التلفزيون كانت تصلني على شكل رابط أشاهدها متى شئت وأينما شئت، وكأنه ابتلع كل الوسائل الإعلامية المقروءة والمرئية.

وأوقف معه أيضاً لحظة أنسٍ مع أصدقائي “التويترين”، والذين اعتدتُ على قراءة عباراتهم المبدعة أو اقتباساتهم المفيدة، أو حواراتهم الدائمة والتي قد تأخذ منحاً جدلياً مشوقاً ومفيداً في بعض الأحيان، وإما منحاً أكثر شراسة في سبيل التغلب على الرأي الآخر.

هل قلتُ أصدقائي “التويترين” ؟!، ومن أعطاني هذا الحق في اعتبارهم أصدقاء ؟!، الحقيقة أني لم انتظر تفويضاً من أحد، كي يقرر لي نوعية العلاقة التي تربطني بالأشخاص الذين ألتقيهم في مناحي الحياة، فمن ارتضيتُ متابعتهم من “التويترين” إما أصدقاء نتشارك ونتحاور وإن لم نلتقي، وإما أصدقاء خاصين استشيرهم في كثير من أموري الحياتية.

فأصدقاؤنا الخاصين هم أولئك الأشخاص الذين اعتدنا على التواصل معهم أو الالتقاء بهم بصفة دائمة، فثمة هموم مشتركة وأراء متوافقة، أو تشابهٍ في أسلوب الحوار رغم الاختلاف في بعض الآراء، والمحصلة أننا مجموعة متجانسة ومنسجمة لا يعكر صفوها اختلافات وجهات النظر، ولا يشتت شملها الأحداث المتتالية.

أما دائرة الصداقة الأوسع فهي الوعاء لكل الأقارب وزملاء العمل والمعارف، وهنا تكون اللقاءات أكثر مللاً رغم قصرها، فثمة آراء متباينة ومعارك كلامية لا نهاية لها، نعم يتحول الحوار إلى معركة يبحث فيها كل طرف عن الانتصار، لا عن استيعاب الطرف الآخر، في حالةٍ غوغائية قلما سلم منها أحد المتحاورين، إلا أولئك الساكتين إما لجهلهم عن الموضوع، أو حكمةٍ تجعلهم بمنأى عن مهاترات الحديث.

وقد جاءت وسائل التواصل الاجتماعي لتشكل الوعاء الأكبر للمتحاورين، من حيث العدد الهائل للمتفاعلين أو من حيث اتساع الرقعة الجغرافية للمنتمين إليها، إذاً فمن الطبيعي ارتفاع سقف التباين والاختلاف، وبالتالي استمرار المعارك بلا هوادة، في حالة من الإدمان السلبي على القذف والسب وتشويه الأشخاص والدول، فضلاً عن الاستماتة على الرأي الأوحد وغير القابل للنقاش والتحليل.

ومن وجهة نظرٍ خاصة وعن تجربةٍ شخصيةٍ متواضعة كمتابع لوسائل التواصل، أعتبر “تويتر” الأكثر جذباً للمتحاورين على مستوى الخليج العربي، فالعبارات المختصرة والردود السريعة تجعل من الحوار أكثر حماساً واستثارةً لدخول المزيد، وبما أن غالبية المتواجدين جاؤوا من بيئةٍ تفتقد للحوار الرزين، فمن الطبيعي أن ينعكس ذلك على أسلوبهم في التعاطي مع هذا الوافد الجديد.

وفي حالة استقطابٍ واحتشادٍ لأصحاب الرأي ضد الرأي المواجه، أو دعاية مزينة لفكرٍ هدام، لذا كان وكراً للتنظيمات والجماعات المتطرفة من أجل التجنيد أو الدعم الإعلامي، وفي سبيل تعزيز تلك الكيانات وزرع أفكارها في عقول الشباب المتحمس، ليكونوا وقوداً يتم حرقها لتحقيق مآربهم الشيطانية، ما أدى لدخول الدول في هذا الصراع، إما لحماية تماسك جبهتها الداخلية من توغل تلك السموم الفكرية، أو لمواجهة الداعمين والموجهين لها، عن طريق تبيان الحقائق وفضح الدسائس.

وفي الضفة الأخرى من المسيئين لتلك الوسيلة، تقف فئة ذوي الاحتياجات الجنسية، والذين لا هم لهم إلا تلك الغريزة الحيوانية، لأسباب تتعلق بالتنشئة الخاطئة، أو المحيط الأسري والاجتماعي، والسبب الأهم في رأيي هو غياب دور الأسرة وتفكك كيانها لمشاكل لا تخفى على الجميع، فترى حساباتهم عبارة عن دعوة صريحة للرذيلة، فلم يرشدهم مرشد تربوي، أو يمنعهم مانع أخلاقي، ولم يردعهم رادع قانوني، أو يوعظهم واعظ ديني.

وهي ممارسات تجذب الكثير من المراهقين والشباب ومن يكبرهم سناً، في مراتع الوحل والنجاسة، وفي زوايا تُسوق لبيع المروءة والكرامة، وتجعل الجسد عبداً للشهوة، في طريقٍ مظلمٍ تتساقط فيه القيم والمبادئ، ولا يعلم منتهاه ومآلاته إلا الله .

ولا أقصد بكل ما وردته سابقاً كيل الاتهامات لوسيلة تواصل اجتماعي، أسأنا استخدامها بسبب خلفياتنا وجهلنا المتراكم، وانما المقصود محاكمة ذواتنا على هذا المستوى المتدني من الذوق والأخلاق، والذي دفع بالكثير منا إلى الخوض في أمورٍ معيبةٍ عرفاً وديناً، وعلينا بالمقابل وقف هذا النزيف الأخلاقي من رصيدٍ لم يبقى منه غير القشور، ومن علاقاتٍ هشةٍ بين الإخوة الذين يربطهم مصير واحد، ومصالح مشتركة.

وما “تويتر” وغيره من وسائل التواصل الاجتماعي إلا أدوات سخرت لنا، وقد انتجها المنتجون من أجل غاية نبيلة جداً، ولا يمكن هنا اتهام أداة الجريمة، وانما علينا توجيه أصابع الإرشاد والتوجيه والنصيحة إلى أولئك المستخدمين لتلك الأداة بشكلٍ سلبي ومسيء، وعلينا جمعياً التكاتف صفاً واحداً في مواجهة تلك السهام المتساقطة على وحدة دولنا وتماسكها، بل وسد أي ثغرة يمكن لتلك السهام المسمومة اختراق جسد الأمة وكيانها.

“ودمتم أصدقائي كما عهدتكم”

حارة الطيبين !

٢٠١٤٠٨١٤-٠٠١٩١٢-١١٥٢٧٤١.jpg

قليلة هي الحواري العتيقة، والتي يسري فيها نبض الحياة الحقيقي، من تواصل وتعايش وتعارف بين الساكنين، كذلك الحي الذي ترعرعت فيه، والذي ارتويت من ينابيعه التلاحم الصادق، فسكنتُ في قلوب ساكنيه، واحتميت في عيونٍ ظلت حارسة لي، ولعبت في ساحات مطلة على الصفاء والنقاء والأُلفة، لذا استنشقتُ الحب أينما توجهت.

ولذا أشتاق لتلك الأزقة الغارقة في وسط بحر الذكريات، عندما تقذف أمواجه مشهداً قد تلاشى بسبب مشاغل الحياة، لتلهث النفس فرحاً وهي تجري في جنباتها المليئة بالبساطة والتواضع، وتسعد بلقاء من بَعدوا، أولئك الذين تذوقنا طعم الماضي معهم، ومضغنا لذة الصداقة سوياً، فهضمنا علاقةً صحيةً بامتياز.

أزقةٌ ضيقةٌ، وبلا تصميمٍ يبهر، أو نظافةٍ تأسر، ومع ذلك فعفوية مرتاديها تجعل منها مكاناً للأُلفة، ومركزاً لنثر الود فيما بينهم، وكأنها حدائق غناء تمرح النفس فيها وتسرح، فقد زُرعت بالود والعطف والصدق، فانبتت أرواحاً تتآلف وتتعاطف، وتتشارك قسوة الحياة ككتلة واحدة، وإن اختلفت الأسماء والألقاب.

وأما أطفال تلك الأزقة، فلعبهم مستمر مع استمرار يقضتهم، فهم من يخترعون أدوات لهوهم، ويستخرجون من محيطهم ما يصلح أن يُتخذ للهو والمرح، فيصنعون من بقايا دراجةٍ قديمة أخرى بعجلة واحدة، يقودونها بكل فخر وفرح، فخراً كونهم صانعيها وفرحاً كونهم أوجدوا لعبةً يصعب إيجادها.

أطفالٌ تسطع حركتهم مع سطوع الشمس وتغرب مع غروبها، لا يكلون ولا يتعبون، وعلى الرغم من قلة أدوات اللعب واللهو المتاحة، إلا أنهم يُوجدون لأنفسهم مناسبات ولحظات للعب واللهو، مقروناً بالرضا النفسي والقناعة بما توفر، فلا تسمعهم يتذمرون من قلة مصادر التسلية، ولا تراهم قد ملوا من لعبة مارسوها.

فمع تجرعهم قسوة الحرمان في أحيان كثيرة، تجدهم في المقابل متفاعلين مع حركة الحياة اليومية، بل ومؤثرين بارزين في أحداثٍ كثيرة، ففي الأفراح تجدهم يبهجون الحاضرين بلباقتهم وروحهم المرحة، وفي الاتراح تجدهم يبهرون الناظرين بفزعتهم وتحملهم صعوبة الموقف مع من يكبرهم، وفي كل الأحوال لن تجدهم متخاذلين أو منطوين عن الواقع والمحيط الذي احتواهم، بل كانوا جزءاً حقيقياً ومؤثراً في حيّهم.

أتساءل!، أيُ ترفٍ نفسي كنا نعيشه في طفولتنا؟، فرغم البساطة وقلة الموارد المبهجة، إلا أننا حصلنا على حاجاتنا النفسية، في مجتمع متكاتف ومتماسك ومحب، بالاضافة إلى ما كنا نجده في بيوتنا، حيث الأمهات وهن النبع الحقيقي للعطف والحنان والتضحية من أجل الأسرة، والآباء وهم مركز القوة والسيطرة والحماية وتحمل المشاق لتوفير الأرزاق، وقد كانوا جميعاً مدرسةً للتربية ومراقبة السلوكيات، ونبراساً يحتذى في دروب الحياة وتحمل المسؤولية.

وبما أن ربابين تلك الأسر اتصفوا بتلك الصفات، فمن الطبيعي أن يبحروا بأمان في عجاج الحياة، ومن المنطقي أن تلتف الأسرة حول بعضها البعض، وتتعايش بروحٍ ملؤها الترابط الوثيق، ولهذا كنا نراهم دائم التواجد على مائدة واحدة، فالوجبات الثلاث مواعيد يومية للالتقاء والتقارب، وطقوسها مقدسة لدرجة لا يسمح فيها بالاعتذار، ولا مكان للانفراد بوجبات شخصية.

ولذلك نجدهم مجموعة واحدة في زياراتهم للأقارب، أو حين ذهابهم إلى السوق، تلاحمٌ يوحي بتقارب حقيقي فيما بينهم، فالأخ صديقٌ مُعِين لأخته، والأخت رفيقةٌ رقيقةٌ لأخيها، ولا يمكن لأي فرد الانعزال عن الدائرة الوجدانية وهي الأسرة، ولا يمكن للأسرة ترك أحد أفرادها بعيداً عن نظرها، وبالتالي لم تُمكن لأي مؤثر خارجي افتراس تلاحم وقيم وروح الأسرة.

ومع الانتقال إلى بيوتٍ أكثر أناقةٍ وحداثة، وأزقة نظيفة ومعبدة، تنازل الكثير عن الكثير من الروابط، ففُقدت صلة الجار بالجار، بل لا يكاد الجار يعرف اسم جاره، فضلاً عن التزاور والتواصل، وفقدت الحارة روحها وتعايشها، وباتت كيانات معزولة عن محيطها، رغم تقارب والتزاق البيوت، إلا أن قلوب ساكنيها بعدت وغفلت عن بعضها.

وأصل المشكلة في التحول السريع إلى الترف المادي، وما ترتب عليه من راحةٍ للجسد، وانعزالٍ وجدانيٍ عن المحيط الاجتماعي، وكذلك استقلالية أفراد البيت الواحد في غُرفٍ منفردة، مبتعدين عن روح الأسرة، وغارقين في ممارساتٍ يومية بلا قيمةٍ حقيقية، سوا أنها تسرق الوقت فالعمر، وتشغل عن التواصل الحقيقي.

وأصبحت مناسبات التواصل بين الجيران أو الأقارب أشبه بالبروتوكولات الرسمية، يُغالبها إظهار المظهر الخارجي على نحوٍ استعراضي يراد به إبهار الضيف ولفت انتباهه، مع غياب روح التواصل الحقيقية، بسبب رسمية اللقاء وطقوس الضيافة المبالغة، وكأنها أعدت ضمن جدول زمني مبرمج من الاستقبال إلى التوديع.

وقد نتج عن هذا الانغماس في الشكليات والمظاهر تحول العلاقات إلى زائفة، والأشخاص إلى أقنعة خادعة تُرتدى حسب المناسبة، وهذا يفسر كثرة الابتسامات رغم شُح الود أو انعدامه، تصنُعٌ في الود والحب والترحيب، لذا أعتقد أن كذبتنا الكبرى حين ندعي بأن تلك الزيارات والمناسبات التنكرية هي من باب التواصل والتراحم وتوطيد الألفة المفقودة.

وكما نحرنا روح التواصل بزيف المظاهر، فإننا دفنا طموح الطفل بالهدايا المبالغة، فلا يكاد يخطر في حلمه لعبة ما حتى يجدها قبل أن يستيقظ، محققين عنه حلمه بسرعة البرق، والذي يفترض أن يلازمه فترةً ليست بالقصيرة، ليستلذ بطعم الحصول عليه بعد الانتظار والترقب، وليتدرب على مصارعة الأحلام والطموحات وتحقيقها.

ولم نعلم بأننا بصدد صناعة إنسانٍ هلامي، نتوقع تواجده بيننا قلباً وقالباً، والمؤسف أن جسده حاضر أمامنا، أما عقله وتفكيره ووجدانه فهم يحلقون في عوالم افتراضية قد لا نعرف عنها الكثير، تلك العوالم التي شرعنا أمامها أبوابنا، لتستقر في النفوس وتحتل الإرادة الحقيقية، من أجل جولة انتصار وهمي يتصارع فيها أطفالنا مع الخيال.

لستُ بصدد مقارنة ظالمة بين حارة الطيبين وحاراتنا اليوم، وإنما أردت توضيح سلبياتٍ قد نغفل عنها بسبب تسارع وتيرة الحياة، وانشغالنا بكماليات الحياة عن أساسياتها، وتقديمنا الرتوش على الجوهر، والجوهر هنا يا سادة هو الانسان وما استطعنا أن نغرس فيه من قيم ومعانيٍ نبيلة، وأولها روح الترابط والإخاء، والحب الحقيقي الخالص من الزيف.

ومدى نجاحنا في توفير المتطلبات النفسية لأطفالنا، فهم في أمس الحاجة للأحضان الدافئة والتي تستوعبهم وتعرفهم دروب الصواب في الحياة، ومدى استعدادنا لتدريبهم على مقارعة مصاعب الحياة وتعويدهم على تحمل بعض المسؤوليات والتي من شأنها تشكيل شخصياتهم المستقبلية.

وإذ أحمد الله حمداً كثيراً على رغد العيش، وتوفر سبل الحياة الكريمة، فإني أدعوه جل علاه أن يلهمنا سُبل الرشاد في المحافظة على القيم المتأصلة لدينا، ويوفقنا لتربية أبنائنا تربيةً صحيحة، ويُألف بين قلوبنا وقلوب أحبابناً، وأن ينعم علينا بحبٍ يجمعنا، فتتقارب أرواحنا كما تقاربت بيوتنا.

(ودمتم طيبين على الدوام)

دمعة ناي !!

٢٠١٤٠٥١٥-٠٢١٢٠٩.jpg

في ليلةٍ شتويةٍ عمياء، تواريت عن من كنت بصحبتهم في ظلامٍ مظلم، مبتعداً عن ضجة الحديث وتعالي الضحكات، ليتلقفني سحرُ صوت نايٍ آتٍ من بعيد، جاءني عذباً رقيقاً، لذا جذبني إلى حيث هو.

جئته متلهفاً وجعلته في مرمى بصري وسمعي، فإذا به أحد العمال وقد فرغ من عمله المعتاد، ليُفرغ أنينه وحنينه لصديقه الناي، فاستمعت مستمتعاً لانبعاثاته الحزينة، ودون أن انطق كي لا أوقف لحناً لامس لب القلب.

فقد سمعته ينادي ذكرياته السعيدة، ويشكو غربة الحال عن الأحباب، ويرسل أشواقه الصادقة، والتي التقطها استشعار أحاسيسي قبل مسمعي، لذا حلقتُ معه عالياً حين بوحه للناي.

وكأني هو، بكل ما يحمل من آلامٍ وأحلام، وكأني سكنت أنينه وآهاته، فعبق الصدق غطى المكان، لدرجةٍ أصبحت فيها المعطر بعطر أحاسيسه النقية، والمتألم بجروحٍ هي ليست لي.

فكانت لحظة أخوة لاحت بكل معانيها النبيلة، وقد ألبستني شجناً دامعاً نزفه ذلك الناي الحزين، والذي أبدع في رسم صورةٍ انسانيةٍ لإنسان مثلنا، أجبرته مرارة الحياة على تذوق البعد وتحمل قسوته، ودفعت به آلام الفقر إلى تجرع المشقة، في سبيل تخفيف الأوجاع عن كاهل الذين يعيلهم من الجياع.

ولم يعلم صاحب الناي بأنه يلقنني درساً في ترويض أحاسيس الحزن والاكتئاب، إذا ما هبت رياح الحياة العاتية فأجبرتني على امتطاء أهوال ومصاعب لم أعهدها، أو أنها هوت بي إلى مستنقع لم اعتد الغور فيه.

وأول فصول الدرس هو كيفية خلق طوق داخلي يحميني من نفسي أولاً، كي لا أنهار ولا تستسلم إرادتي، ذلك الطوق الإيماني الذي يطفو فوق تيارات الحياة العاتية، ليصل بي إلى بر الأمان والاطمئنان، وبذلك يصبح درعي وحصني الحصين في مجابهة الملمات حين تغزوني والتي قد تزعزع النفس عن مسارها المتزن والطبيعي في تقبل الحياة.

وهذا ما يفسر تلك الابتسامات النقية عند الطبقة الكادحة على الدوام، والتي تنبع عن قناعة داخلية بقليل ما تملك، ويقينٍ أكيد بما قد قسمه الله لهم، عكس حال بعض الأغنياء والمترفين حين يغوصون في أعماق الطمع للبحث عن المزيد، ولكنهم وللأسف يغرقون في همٍ ونكد، كونهم في صراع على الجمع وشراهة في اكتساب المزيد، فدون القنوع بما في ايديهم لن ينالوا سعادة قط.

وثانيها هو الاستفادة من الأدوات البسيطة المتوفرة لدي، لأبني بها باباً يطل على دروب البهجة في الحياة، فاعبر جسر الانفراج والأمل، وأستأنس بسطوع الفرح والسرور، أو أحدث كل ذلك في نفسي رغم قساوة الظروف ومعاناة الجسد، ففرحة الروح كفيلة بتناسي آلام البدن.

فقد يكون مصدر الفرح ابتسامة طفل، أو نجاح عزيز، أو حوار ودي مع قريب، وقد يكون منظر طبيعي أبهج ناظري فسبب انشراحاً في صدري، أو صوتاً عذباً تسرب الى أعماقي ليخرج الفرح الفطري الكامن، مُجرداً من زيف مظاهر الحياة، بل خالصاً نقياً من كل أنواع الزيف.

“ودمتم فرحين وأبعد الله عنكم الحزن”

لماذا تركت السيدة (ك) ؟!

جلست في (الكوفي شوب) الذي يطل على الشارع العام، والذي أفضله عن غيره، كونه هادئ، والخدمة ممتازة، والأهم أنهم لا يقدمون الشيشة، والتي أكرهها، لدرجة أني لا أطيق مجرد شم رائحتها، فضلاً عن مضارها الصحية الأخري، طلبت كالعادة (كابتشينو).

جلست مواجهاً الزجاج المطل على الشارع، أشاهد المارة تارة، والتلفاز تارة أخرى، حتى مرت من أمامي السيدة(ك)، مرت بكل هدوء، فقد بدت عاجزة ومتعبة، لذا تركتُ النظر الى الشارع او التلفاز، واتجه نظري وتفكيري إليها.

بينما رجعتُ بذكرياتي معها، مع اول قصة حب، حين كانت شابة في عنفوانها، تسابق مثيلاتها، وذات قوام رشيق، وشكل يبهر الناظرين، فهي من سلبت فؤادي من أول نظرة، وأصبحت لي، نعم لي وحدي.

ذهبنا معاً أبعد مما تتخيلون، فلم تخذلني يوماً، وعاشت معي الحلوة قبل المرة، استهلكت شبابها من أجلي ومن أجل مشاويري التي لا تنتهي، فهل سمعتم عن صاحبة تلتزم صاحبها اربع وعشرين ساعة ؟!!.

لم تفارقني لحظة، إلا في لحظات كنت أنا من لا يريد لقاءها، وقد كانت تُسمعني ما أريد من الكلام، لا ما تريده هي، ولا أبالغ في هذا الوصف، لم أسمع منها ما لا اريد سماعه، إلا أنين مرضها قبل انفصالي عنها.

فبعد ثمان سنوات من هذه الصحبة، أصبحت لا تقوى على ما أطلبه منها من مشاوير، فكانت
تعاني كثيراً، وكثيراً ما كنت انسى جميلها علي خلال السنوات الماضية، أنانيةً، فلم أفكر إلا في نفسي، ويا ويل نفسي، من عذاب ربي.

زاد مرضها لدرجة أني لم اكن اسمع ما كنت اسمعه مما أحب، حتى وصل بها الحال لدرجة أنها لم تقوى على الكلام نهائياً، وزاد أنينها مرضاً وتقدماً بالعمر، فما كان مني إلا الانفصال دون إخبارها، أو مراعة ظروفها، أو انتظار علاجها.

فقد أغوتني من هي أصغر منها سناً، وأجمل منها حسناً، انها(م)، لمحتها و(ك) معي، عشقتها، وقررت ترك من صاحبتني طول هذه السنين فالعشق سم قاتل وما باليد حيلة، تركت (ك) ونسيت أفضالها علي، وصاحبت (م) لمدة سبع سنين.

تركتها لنفس الأسباب التي دفعتني لترك (ك)، صاحبت (ل) والتي توصف بالاناقة والجاذبية، وهي من سلالة اقوى من سابقاتها، وأتمنى أن لا تخذلني كسابقاتها، فانا لا اقوى مرضها او اعتذارها او تأخرها.

استغفر الله من سوء الظن، فالسيدة (ك) هي: سيارتي الاولى (كامري)، أما السيدة(م) فهي (مرسيدس)، وأما السيدة(ل) فهي (لكزس).

20120414-012707.jpg

يا حظك يا بومريم

20120413-011530.jpg

بومريم شاب اماراتي طموح، جريء، طيب، محب لوطنه، معجب جداً بالشيخ محمد بن زايد ال نهيان ( حفظه الله )، عندما علم بقدوم سموه لاستقبال المواطنين في دبا الفجيرة، شد الرحال اليها من الفجر، ظل ينتظر حتى حانت ساعة الصفر، ساعة لقاءه بشخصية إماراتية غير اعتيادية إنه بوخالد، ملك القلوب، كم يسعد الإماراتيون بمجرد رؤيته، أو سماع أخباره، هو ابن زايد، وشبيهه شكلاً وفعلاً، الفرحة لا تسع قلب بومريم، اقترب من بوخالد، سلم، وقال: طال عمرك حلم حياتي إني اتصور معاك

يا ترا كيف كانت ردة فعله ؟!!

ما أن سمع منه ذلك، حتى اوقفه بجانبه ممسكاً بيده ومخاطباً: تعال يا ولدي ولا تنسى تسلم على الشواب والأهل.
وأقول : سلامك واصل طال عمرك، ونعتز بهذه الصورة، ونقبل يد بومريم، التي لامست يدك، ونحسدك على هالصورة يا بومريم.