حجة بحضرة المهدي !


  
بينما تطير بِنَا الطائرة إلى ربوع الإيمان والروحانيات، يهمس لي من جلس بجانبي: هل تفقه مناسك الحج جميعها؟!، وحتى لا أقع في فخٍ من الأسئلة الطويلة جاوبته بالنفي، وبعثت شيئاً من الطمأنينة إلى قلبه حين قلت: لا تقلق فحملة الحج تتكفل بالواعظ الذي سيلازمنا حتى انتهائنا من المناسك. 

فحال غالب مؤدي الحج للمرة الأولى كحال السائل، درسنا المناسك في حصص التربية الاسلامية بل وحفظناها، ولكن وبمجرد تسليمنا ورقة الاختبار في نهاية العام الدراسي، يكون مصيرها كمصير المعلومات الغزيرة التي هطلت علينا خلال الموسم، ولأنها موسمية فإنها لن تؤتي أوكلها كل حين.

وفي المدينة المنورة، جاورني جارُ مقعد الطائرة في طابق السكن المخصص لنا، فكنا نجتمع عند الوجبات ونتبادل الحديث والنقاش، وما لفت انتباهي سكوته واصغاؤه للحوارات الجدلية، دون أن ينطق ببنت شفةٍ، اعتقدت غير جازم أن سبب سكوته عن الخوض وإبداء الرأي هو ضحالة ثقافته وقلة إطلاعه، وكأني أصغي إلى لسان حاله وهو يقول: ما لي ولهذا البحر الذي لا أجيد ركوب أمواجه المتلاطمة.

والمؤسف أن محاور النقاش في غالب الحوارات لم تكن مفيدةً لنا في مناسكنا، ولم تقدم لأحدنا ما يثري معلوماته، أو يصحح اعتقاداته الخاطئة، بل كانت جدلية في أحيان وتحريضية على المخالفين لنا في أكثر الأحيان، لدرجةٍ انبرى فيها أحد المحاورين ليعطينا دروساً عفويةً عن منهج المخالفين وما يعتقدونه، كاعتقادهم وتصورهم الخاص عن المهدي المنتظر.

وفي إحدى المرات افتقدتُ ذلك الساكت المنصت، فلم يشاركنا الفطور أو الغداء، وبسؤال زميله في الغرفة أفاد بأنه لم يرجع منذ ذهابه لصلاة الفجر، فحسبته فضل المكوث في مسجد رسول الله، في ذلك الجو الروحاني الذي يحلق بك في سيرته عليه أفضل الصلاة والتسليم، حين تحكي لك المعالم ما قد كان من رسولنا الكريم من مآثر لأجل نشر هذا الدين على العالمين. 

خاب ظني بالساكت حين جاءنا خبر القبض عليه في مقبرة البقيع، لإحداثه فوضى بين طائفة من المسلمين، فقد نادى بهم أنه المهدي المنتظر وعليهم السمع والطاعة، ذهلني ما سمعت وكدت لا أصدق ما يقولون عنه، حتى لحظة إحضاره إلينا بعدما تبين للسلطات بأنه مختلٌ عقلياً، أكدته تصرفاته التالية حين كفرنا تارة وفسقنا تارة أخرى.

لا ألومه بما قام به فقد استراح عقله، ولكني ألوم حواراتنا العقيمة التي غذت عقله الفارغ بما لا يُحمد عقباه، وجعلت منه قنبلة انفجرت على طائفة من المسلمين، وكادت أن تسبب في فتنة لا يُحمد عقباها، وبسيناريو نُسج في عقله الباطن، لتتحكم الفكرة بتصرفاته الجنونية واللا منطقية. 

ومشهد صاحبنا شافاه الله يحدث ويتكرر كثيراً في مجتمعاتنا، ولكن على مستوى أكبر وردة فعل أعنف، فكم من مغفل انقاد من حيث لا يدري إلى حروبٍ طائفية مفتعلة، فأصبح وقوداً بيد أمراء الخراب، يشعلونه متى شاءوا، ويرمونه متى أرادوا، وفي كل الحالات هو أداة لتنفيذ أجنداتهم الشيطانية، وفي اعتقاده الخاص هو جنديٌ من جنود الحق، وكل ما يسعى له هو من أجل تحقيق هذا الحق في وجه الباطل.

وفي الطرف المقابل يتكرر نفس السيناريو، بأمرائهم وضحاياهم، وبأهدافهم واستغلالهم، وبكل الأحقاد التي تُزرع من أجل تحقيق محرقةٍ في نسيج الأوطان، وفي كل الأحوال لا مستفيد ولا فائز، ولا منتصر ولا غالب، فالكل فقد قوة الوطن وتماسكه، والكل افتقد التعايش الذي استمر لقرون من الزمان، وكلٌ له عزيز أو قريب أو صديق قضى غريقاً في وحل الطائفية.

ولكي نحمي مجتمعاتنا من أتون هذه الصراعات الطائفية، علينا أولاً ملء الفراغ العقلي والفكري لدى أبنائنا، بعقيدةٍ إيمانيةٍ وطنية، نضع فيها النقاط الضائعة على الحروف، فالوطن نسيج واحد، لا يمكن تجزأته أو فصله عن بعضه، وعلى الجميع احترام الجميع، من حيث المعتقد والأصل والعرق، وليكن ذلك من أهم ركائز هويتنا الوطنية، ولنعمل جميعاً على تفويت الفرصة على المتربصين بِنَا وبتماسك أوطاننا وترابطها.

نُشرت بواسطة

اسحاق البلوشي

مدونة اسحاق البلوشي 

رأيان حول “حجة بحضرة المهدي !”

  1. تحقيق الألفة ، وقطع أسباب الشحناء :
    إن العلاقة بالمخالف من الأهمية بمكان ؛ لأن اختلال ميزانها يؤدي إلى الاختلاف المذموم المفضي إلى فساد الأحوال في الدين والدنيا .
    قال الله عز وجل : “وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (46)” آل عمران .
    ولم يشرع النبي صلى الله عليه وسلم في بناء المجتمع والدولة ـ بعد هجرته ودخوله المدينة ـ إلا بعد أن آخى بين المهاجرين والأنصار .
    وحين ضاع فقه الاختلاف نهاية القرن الثالث ظهرت آثار مدمرة من الشحناء والعداوات انقشعت أغبرتها على ضياع المصالح ، وتسلط الأعداء ، وكان من أبرز مظاهر هذه العصور الضعف السياسي والاقتصادي والعلمي والعسكري
    تحقيق المقاصد في شمول وإتقان :
    فإن تضييع فقه الاختلاف ينتج عزلاً لأهل المنهج الحق وتناقصاً في قوة نفوذهم وسلطانهم .

أتشرف بتعليقاتكم ومقترحاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s