استراتيجية الانطلاقة واستمرارية التحدي


٢٠١٣٠٦١٢-١٥٥٠٤٨.jpg

أهداني صديق عزيز كتاب ومضات من فكر الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، ولم تمضي أيام حتى بادرني الشخص ذاته بالاتصال والسؤال: هل قرأت الكتاب؟، وكأني فاجأته حين قلت: لم تسنح لي الفرصة الكافية للجلوس والقراءة، فاستشفت من نبرة صوته وبرود أسلوبه، ندمه على إهدائه لشخص لا يأبه بالكتاب وفحواه.

إن كان تقديري لإحساسه صحيحاً، فإن ظنه بي لم يكن في محله تماماً، فأنا ومنذ سنين ليست بالقريبة، متابعٌ بل ومثابرٌ على متابعة فكر وأسلوب وإنجازات دبي والشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، خطوةً بخطوة، ولا أبالغ حين أقول: أني لم أفوت فرصةً للاستماع والاستمتاع بمقابلةٍ أو ندوةٍ أو أمسيةٍ لسموه، حباً وتقديراً وإعجاباً، لمن استطاع أن يخلق من دبي نموذجاً يحتذى في التنمية والتطور والازدهار.

ولهذا الاهتمام قصتين، قصة إنبهاري بدبي منذ أوائل الثمانينات، وقصة متابعتي لنشاطات الشيخ محمد منذ منتصف التسعينيات، أما علاقتي بدبي، فتحكيها كلمات الإعجاب التي لم تنقطع عن مسامعي، حتى زرتها، فأيقنتْ عيني ما ورد إلى أذني، المطار والخور ودوار الساعة ونفق الشندغة وبرج راشد والملا بلازا ومركز الغرير، كلها صور إعجاب التقطها سمعي قبل أن تعتمدها عيني.

وقد ارتبط كل معلم من تلك المعالم بقصة تحدٍ حقيقية، تمخض عنها إبداعٌ وابتكارٌ فاق كل التوقعات، وتجاوز كل المقاييس المتوفرة في تلك الحقبة، فلم تكف الألسن عن الوصف والإعجاب لما اعتبر مستحيلاً في الماضي، ولما اعتبر فيما بعد معجزة محققة على أرض الواقع.

وإن كان لتلك الحقبة عنوانٌ رئيس، فعنوانها البارز الواضح هو الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم رحمه الله، فالإنجازات المحققة، كانت ضرباً من المغامرة والمخاطرة بالنسبة للكثيرين، لكن إصراره وعزيمته وإيمانه بقدرة رجاله، حولت الحلم إلى حقيقة، وجعلت دبي مميزة منذ بداية السبعينيات.

بصمة الشيخ راشد ورؤيته واضحة وكامنة في كل أرجاء دبي، ففي مقابل انخفاض إنتاج النفط تدريجياً، لم يكف البحث عن مصادر بديلة ومستحدثة، فأنشأ ميناء راشد وزاد على ذلك بناء ميناء عملاق وهو ميناء جبل علي، وأهدى دبي والأجيال القادمة مركز دبي التجاري العالمي، وأكمل عِقد سلسلة المشاريع الاستراتيجية بمصهر دوبال للألومنيوم والذي يعتبر ركيزة من ركائز اقتصاد دبي قديماً وحديثاً، وقد أنجز كل ذلك رغم التحديات الإقليمية، ورغم الركود العالمي، لأنه نظر للمستقبل بنظرة المتفائل الواثق.

وقد استمر إعجابي بنموذج دبي وزاد في كل سانحةٍ لزيارتها، فكانت تبهرني بجديدها وتأسرني بجمالها، وكأنها تعمدت التزين والتجمل لعشاقها المتيمين وروادها المترددين، وكان ذلك هو منهجها اللا منهجي في جذب السواح والترحيب بالزوار، لذا كانت شعلة نورٍ وسط الصحراء، يقصدها الباحثون عن العمل والاستثمار والسياحة.

وحلت التسعينيات بحلوها ومرها، ولازالت دبي تلك المتلئلئة والمبتهجة، وكنتُ أعبرها كغيري من العابرين، فأستظل فيها ساعات عن متاعب الحياة وروتينها، فكم كريمة هي ومبتسمة لزوارها، لذا لم تترك لي الخيار إلا الولوج في ربوعها، واستنشاق عبق نهضتها، وملامسة حصاد أبنائها، والابتهاج برؤية اللا متوقع حقيقةً ماثلة أمامي.

تسارع الرتم في منتصف التسعينيات، فبعدما بسطت جناحيهاعالميا من خلال طيران الإمارات، وأصبحت مركزا عالميا للسياحة والجذب الاستثماري، ومحطة مهمة لأكبر الأحداث الدولية من مؤتمرات ومعارض وسباقات خيل وجولات سباقات الزوارق، بدأت تزف لنا المفاجأة تلو الأخرى.

فقد أعلنت عن مهرجانِ تسوقٍ شامل، يجمع الشمل ويقرب الأسرة ويأسرها بفعالياتها المتنوعة والمختلفة، وفي الوهلة الأولى اعترض المعترضون على هذا الغريب القادم، ولم تمضي سنين حتى قلد المقلدون نسخة مهرجان دبي للتسوق، وبين الاعتراض والتقليد كانت دبي تمضي في سباقها نحو المستقبل، فها هي تعلن عن تأسيس مولودها الجديد “إعمار العقارية”.

وعلى مقاعد الجامعة، بادرني زميلٌ عربي: هل شاهدت المؤتمر الصحفي الأخير للشيخ محمد بن راشد؟، قلت: نعم شاهدت جزءاً منه، ولكن ما المغزى من سؤالك؟، قال: ألم يُبالغ حين توقع أن تتبوأ دبي مكانة كهونج كونج وسنغافورة؟، قلت: أتمنى أن تصل دبي لأبعد من ذلك، والحقيقة أن سؤاله استفزني واستثارني، بل وجعلني أمعن في كل صغيرة وكبيرة تطرأ، وكأني قبلت الرهان على دبي في سباق السنين القادمة، لذا ومن يومها لم أترك تصريحاً للشيخ محمد أو لقاءا أو مقابلة، فكانت تلك علاقة نفسية ربطتني بدبي وفارسها.

أعلن “إعمار” عن مشروع المرسى في منطقة صحراوية قاحلة، سخر البعض من الفكرة، فكيف يمكن أن تُحول تلك المنطقة الصحراوية إلى واحة سكنية ومرافق سياحية؟، ولم يتخطى عداد السنين كثيراً حتى أوفت دبي بالوعد وتم افتتاح المرسى وأصبحت من أجمل المناطق السياحية، وتوالت إعلانات “إعمار” عن مشاريع جديدة، مثل أكبر برج في العالم “برج خليفة” وأكبر مول “دبي مول”، فيما أعلن “نخيل” عن مشروعه الخيالي جزيرة النخلة، وعن المدينة العالمية والسوق الصيني “دراجون”.

كنت في حالة ترقب مع أي إعلان عن مشروع، وفي حالة متابعة في السنين التالية، حتى ما أن أنجز المشروع وافتتح، عندها فقط أصاب بحالة انتشاء المنتصر، وكأني ربحت رهاني مع الزميل، والحقيقة أنها كانت جولة من جولات الرهان الكبير، ولكن المشاريع المتتالية تجاوزت سقف الرهان بكثير، فلم أتوقع حينها أن آزور أطول برج في العالم وفي بلدي بكل فخر واعتزاز، ولم أدرك سرعة الأعوام إلا ودبي مول يستقبل الزوار، ولم تشأ دبي إلا أن تكمل مشاريعها الاستراتيجة مثل المترو والميدان رغم الأزمة العالمية التي عصفت بالعالم، حين كانت دبي في نطاقها، ولكنها لم تركن لظروف الأزمة، بل أنها وثبت للمستقبل بعزيمة قائدها الفذ.

ورغم ما ذكرته سابقاً، إلا أني لم أعرف فكر وأسلوب ونمط العمل لدى دبي وقادتها، إلا بعد قراءتي لكتاب “رؤيتي” للشيخ محمد بن راشد، الذي بلور سر النجاح وسر الترابط، والذي سرد الصعاب والتحديات التي واجهها الأجداد، ومنها أزمة ايقاف تصدير اللؤلؤ والذي أُعتبر مصدر الدخل الوحيد حينها، وكيف فكرت دبي واستحدثت البدائل للخروج من تلك الأزمة، وقصة توسعة الخور، ومراحل بناء ميناء راشد، وسر تمسك الشيخ راشد بمشروع ميناء جبل علي العملاق، فأيقنت أنهم قادة آمنوا بالله وقدرته على كل شيء، ووثقوا بالشعب وقدراته، وجبلوا على مقارعة التحديات والصعاب، فهذا ديدن من يحكم دبي قديماً وحديثاً، ومن هنا علمت سر ركوبهم لأمواجٍ يخاف غيرهم مجرد الاقتراب منها، كونهم تعلموا وترعرعوا على السباحة في بحر التحديات المستمر.

وعلمت سر شموخ الشيخ محمد في وجه الأزمات، فما بالنا بشخصٍ وُكل له وزارة الدفاع وهو في عشرينيات العمر، وعايش منعطفات التاريخ في مستهل نشأة الدولة، وهو قائد الرقم واحد، ورئيس الحكومة التي حصلت على الرقم واحد، ولا يخفى على عاقل مدى التغيير الجذري الذي طرأ على وزارات الدولة وأدائها تحت قيادته وإدارته.

لذا أقول لمن أهداني كتاب “ومضات من فكر الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم”: {لن أفوت الفرصة على نفسي للنهل من فكره الذي لا ينضب، ومن دروسه التي صقلت فيني سابقاً جوانب عديدة، فإن كانت الظروف حالت دون قراءته، فإن شغفي كفيلٌ بدفعي قريباً للقراءة والاستفادة}.

(ودامت إماراتنا وقادتنا في شموخٍ وعز)

نُشرت بواسطة

اسحاق البلوشي

مدونة اسحاق البلوشي 

6 رأي حول “استراتيجية الانطلاقة واستمرارية التحدي”

  1. كل ما كتبت أخي الفاضل وكل ما ذكرت من أحداث بهذا التسلسل الزمني يدل على ذهن متوقد، شخص مهتم فعلا ومتابع، وثقافة عالية..
    دمت أخي متألقا، ودامت ديارنا الإمارات في مقدمة الأمم..

  2. جميل جداً أن يكون المواطن الإنسان حاضرا عقلا وروحا متابعا لنهضة وتطور ونهضة بلاده مواكبا لفكر قادته منبهرا بما قدمه شيوخه وما زال من دعم مادي ومعنوي للوطن وأبناء الوطن و الأجمل أن يعمل هو بنفسه على إثراء وطنه بكل ما هو نافع من علم وثقافة وعمل دؤوب لرفع إسم الوطن عاليا ،مقالة رائعة لمواطن وكاتب محب لوطنه .

  3. لولا الآمال لا اندفنت أمجاد ولولا الأمل لتوقفت حياة أكثر الناس ولولا رجال كحكام الامارات لما تحققت الامجاد..كل يوم وفي نفس موعد علوم الدار انا ينتابني شعور بالفرح احساس غريب لكنه ناتج عن حب او عن غيرة بدافع الحب .تعددت القنوات والاخبار واحدة .واحدة مؤلمة لما تقارن بالفرق .في علوم الدار حكاية دولة تزهو بالرقي والبناء ونهضة اضافة الى ذلك تواضع الشيوخ الافاضل ولكن .لما استدرك كلامي ب(لكن)يأتي الالم والحزن لما اراه في عراقنا الحبيب تناقض بكل ما تحمله الكلمة وبدأت الأخبار من سوريا تقول :
    “قتل ٢٠ شيعياً” بدلاً من: ٢٠ لبنانياً أو ٢٠ سورياً أو ٢٠ عراقياً أو إيرانياً أو .. أو .. !! #طائفية.. سابقا لما تسأل شخص ما هي امنيتك بالحياة بدون مقدمات ان اصبح طبيب حتى وان كان لم يعرف اي شيء عن هذه المهنة .لكن وبصراحة اتفاجئت لما سألت طفلة عراقية صغيرة وهي تقرب لي ما هي امنيتك في الحياة قالت ان ارى العراق مثل الامارات او الاصح ان ارى بغداد مثل دبي .كلامها استوقفني كثيرا .وبعدها بدأ التساؤل.ياترى ما الذي جعل طفلة صغيرة وفي عمر السادسة ان تتمنى هذه الامنية .اكيد لن نستطيع القول بأن لها افكار كبيرة او غيرها لكن لما رأت الذين حولها يتكلمون عن الامارات ونهضتها وانجاراتها .كل مواطن عربي كان يتمنى لو كان اماراتيا وهو يرى الشعب يكرم رئيسه الذي كرم شعبه. دعوة صادقة دمتم بحب وود وامان وخير ورقي وازدهار و(ازهار)

    تحياتي _اخنكم ازهار الانصاري

  4. دامت دياركم ،، وأدام الله لكم هذه العقلية والفذة
    رب أسعد قلوبكم

    دام قلمك أ. إسحاق البلوشي مع خالص تقديري ،،

  5. جميل انك ترى هناك متابعين لنجاحات قيادتنا والاجمل اننا نرى من يحذو حذوهم …اسال الله التوفيق لنا ولكم وان يحفظ البلاد والعباد

  6. ماشاءالله تبارك الله محمد بن راشد آل مكتوم غني عن التعريف عقليه فذه وقلب يتسع للجميع .. اصلح الله لنا ولكم ولاة أمورنا . نوال العيـــــــــار

أتشرف بتعليقاتكم ومقترحاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s