آلة الزمن في زمن الآلة !!


٢٠١٢١٢٢٧-٠٠٠٩١٣.jpg

قبل عدة سنوات وفي طريق العودة من الروضة إلى المنزل، مازحت ابني “عمر“: ماذا تريد أن تصبح عندما تكبر؟!، قابلني: أريد أن أصبح مخترعاً، قلت: وماذا ستخترع؟!، قال: سأخترع آلة الزمن، قلت: ولما؟!، أجابني مبتسماً: حتى أُدخلكَ في الآلة، فتعود شاباً كما كنت في صور الألبوم التي طالعناها سوياً بالأمس.

لا أكتمكم سراً فقد أسعدني رده بقدر ما أزعجني، أما مصدر السعادة فكونه استشعر إحساسي عند مطالعة الصور، فقد كانت أمنيتي الخفية في تلك اللحظة، بأن ترجع عقارب العمر عشرات السنين إلى تلك الأوقات الماتعة حيث عنفوان الشباب وصفاء البال.

وأما سبب انزعاجي فهو سذاجة التفكير المكتسبة من وسائل الإعلام، والتي باتت تبث صور مبهرة وبهرجة مفتعلة بلا قيمة حقيقية أو فائدة ملموسة، ومن ذلك إغراق الطفل في خيال مبالغ لا يمس الواقع أو الحقيقة العلمية في شيء، فتغدو أفكاره كرتونية خيالية وأحلامه منسوخة من سيناريوهات لقصص شاهدها وصدقها بسبب براءته وفطرته.

والجدير بالذكر أن تلك الحالة استمرت عند أطفالنا سنوات ليست بالقليلة، إلى أن أُمطرنا بالأجهزة الالكترونية والهواتف الذكية، فلا يكاد يخلو بيت منها، بل لا تكاد تخلو يد من اقتناء إحداها، فكلٌ يعيش في عالمه الافتراضي الخاص مبتعداً عن الواقع، فيما هو مقصرٌ لواجبات التواصل، ومفتقدٌ لأُلفة العائلة.

وذلك ما حدث في أُسرتي تماماً، حين حصل كلٌ على جهازه الخاص أو لِنقُل “عالمه الخاص”، باستثناء “عواش” ذات السنتين، والتي فضلتُ عدم إقحامها في هذا العالم المجهول، ولكنها في الحقيقة دخلت بطريقتها الخاصة، من خلال إلحاحها تارةً أو استغلالها الفترة الصباحية حين يكون مستخدمو الأجهزة في مدارسهم.

ففي الوهلة الأولى اعتقدت بأن علاقتها بتلك الآلات لا تتعدى إشباع فضولها في لمس الشاشة وتغيير الصور، إلا أنني ذُهلت عند مراقبتها وهي تنتقل من لعبة إلى أخرى، بل ومعرفتها التامة بالمداخل والمخارج، عندها أدركت عمق ارتباطها وسبب شغفها، تماماً كارتباطي بهاتفي وشغفي ببرامج التواصل الاجتماعي.

هنا علمت علم اليقين بأننا دخلنا آلة الزمن، عندما توحدت أعمارنا حباً وشغفاً وانجذاباً إلى تلك الشاشات الساحرة، وحين تساوينا في استيعاب هذا الجديد والتعرف على أسراره، وحين تبادلنا الآراء حول أنسب البرامج وأحدثها، وحين تعلم الكبير من مهارة الصغير، فانمحت بذلك فروق السنين والأعوام أمام متعة الإبحار ودوامة الاسترسال.

وفي المقابل أيقنت بأننا نعيش في زمنٍ طغت عليه الآلات والأجهزة الالكترونية، فبات من الضروري ايجاد الحلول المناسبة لادماننا الشامل والواضح، فكلنا نتعاطى متعة الجلوس أمام جاذبية تلك الآلات دون أي اكتراث لأهمية الوقت الضائع، ونتيجةً لذلك لم يكن بدٌ من كبح جماح هذا الشغف الطاغي، والرجوع إلى الواقع والحياة الحقيقية.

فكان أخشى ما كنت أخشاه أن تستمر دوامة الشغف مدة طويلة، مستنزفةً طاقاتنا الإنتاجية عن العمل، ومهلكةً لوضعنا الصحي، ومفككةً لعلاقاتنا الاجتماعية، ومدمرةً شخصية التواصل عند أطفالنا، وباعثةً على حب الراحة وتجميل خنوع الإرادة.

لذا قررتُ تحديد ساعات دخولي لمواقع التواصل الاجتماعي والتي كُنت قد أدمنتها فعلياً، حيث خصصتُ وقتاً معيناً لا يتعارض مع انتاج العمل، ولا يهضم واجباتي الأسرية، ولا يبعدني عن محيطي الاجتماعي، فلا تكون تلك المواقع إلا محطة من محطات اليوم للتزود بالعبارات المفيدة، والتفاعل معها إن أمكن.

أما أبنائي فلازلت معهم في شد وجذب، إذ أحاول جاهداً إخراجهم من العالم الافتراضي، بالأمر المباشر حيناً، وبالحيلة حيناً آخر، مستعيناً بخروجهم معي إلى رحلات البر أو زيارات الأقارب أو جولاتٍ إلى مدن الدولة، تاركين أجهزتهم في المنزل، ورغم ذلك إلا أنني لم أنجح في فك ارتباطهم بها، فما أن نعود إلى المنزل في كل مرة، حتى يهرع كلٌ إلى جهازه.

ولازلتُ في حالةِ بحثٍ مستمرة، لعلي أجد ما يسرق ألبابهم ويبهر تفكيرهم إلى واقعهم الحقيقي، ولعلي بذلك أسهم في تكوين شخصياتهم للمستقبل القادم، والتي أتمناها شخصياتٍ قوية في مواجهة مصاعب الحياة ومطباتها، لا شخصياتٍ كرتونية تسرح في الخيال، ولا شخصياتٍ الكترونية أبعد ما تكون عن متطلبات الحياة والتعايش معها.

نُشرت بواسطة

اسحاق البلوشي

مدونة اسحاق البلوشي 

8 رأي حول “آلة الزمن في زمن الآلة !!”

  1. كلام جميل من واقع نعيشه وحقيقه مره حينما ننشغل بتلك الاجهزه ونشعر بلذتها ونبقى طويلا عليها دون وضع اي حد لها.فأحيي فيك فكرة اقتناعك بأن تجعل من تلك الاجهزه محطه فقط لتتزود بها في وقت معين …….. مبدع يا أستاد إسحاق.

  2. إبداع يا إستاذي العزيز .. وكنت أبحث خلال قرائتي عن حل مثالي لهذه المشكلة .. وأرى من وجهة نظري بأن تثقيف الأبناء وإقناعهم بكيفية الإستفادة من هذه الأجهزة قد يحل المشكله .. واعذرني

  3. هي الحقيقة الموجعة والله .. أدخلنا هذه الأجهزة منازلنا فقل تواصلنا مع بعضناالبعض
    فلكل شخص جهاز وأفراد يتواصل معهم ..!
    وماأجمل أن نستيقظ من هذه الغفلة وهذاالفخ الذي أوقعنا به الغرب
    يخترعون ويخترعون ونحن نشجع ونقتني
    لنكتشف في النهاية أنها أخذت مناالكثير . فاالوسطية في هذه المسألة مطلوبة
    فلا إفراط ولا تفريط . لكل شئ وقته . ولكل فرد حقه .
    ويجب أن يكون العقل حاضرا وقت التعامل مع هذه الوسائل وطرق الإتصال المختلفة
    لكي لايطغي جانب على آخر .
    أستاذي إسحق البلوشي : سررت بقرائتي لهذاالمقال الذي تحدث عنا جميعا ومن خلاله لمسنا المأساة الحقيقية
    فهل سنستيقظ قبل فوات الأوان .؟ حقيقة أتمنى ذلك .
    ( نورالعيون )

  4. فعلا أستاذ اسحاق لامست في مقالك واقعا نعيشه .. لا شك أنه واقع مرير .. لا ننكر بأن هذه الآلات لها ايجابيات كثيرة لكنها في مجتمعنا العربي وعلى وجه الخصوص الخليجي طغت سلبياتها على الإيجابيات ربما لأننا مجتمع يستهلك ولاينتج فاأفسدت هذه الالات والإنشغال بها علاقاتنا الإجتماعيةبل لم نعد نهتم باأهمية الوقت رائعة هذه العبارة”هنا علمت علم اليقين بأننا دخلنا آلة الزمن، عندما توحدت أعمارنا حباً وشغفاً وانجذاباً إلى تلك الشاشات الساحرة،” فمتى نفيق من غفلتنا؟؟؟

  5. في السابق كان التلفاز هو سيد الموقف بلا منازع، ورغم الجدل  الذي كان يدور حوله إلى أنني أجد   أن له فضل كبير في تجميع كل أفراد الأسرة في صالة البيت أو المجلس..
    أما الآن وبظهور أجهزة التكنلوجيا الذكية ووسائل التواصل الإجتماعي    كل أصبح يعيش في عالمه الخاص مع أشخاص افتراضيين، كما أشرت أستاذي الفاضل… 
     هنا يجب على الاسرة وضع استراتيجيات خاصة تتناسب مع وضعها وظروفها لمواجهة هذه التحديات.. مثل ما فعلت أستاذ اسحاق …
    والأساس يبدأ من التنشئة الأسرية، فعلى الأسرة تنشئة الطفل  على الترابط الاجتماعي وأهمية الحوار داخل الأسرة  ، وأن أفراد الأسرة والشؤون الأسرية هي الأهم فعلى الشخص أن يكون بمعزل تام عن الهواتف وتلك الأجهزة في أوقات اجتماع الأسرة..
    كما أننا يجب أن لانغفل أهمية الوقت وضرورة تربية الأبناء على تنظيم أوقاتهم…
    شكرًا أخ اسحاق ، ( للموضوع لفتة توعوية في غاية الأهمي

  6. إستمتعت كثيرا بقراءة مقالتك لأنني مثل شخصك الكريم أفتقد لغة ماعادت موجودة في معظم مجتمعاتنا ،لغة التواصل والحوار تتسم بالحميمية والترابط الإنساني ،مع الأسف أصبحت التكنولوجيا الحديثة هي عصب الحياة إن لم تكن الحياة بأكملها وعلى الرغم من فوائدها العديدة إلا أن ما زلت مصرة على وسائل التواصل الإجتماعي التقليدية والأسرة هي أساس كل شي ويقع عليها دور الرقابة المباشرة وخاصة على أبنائها ،فالطفل هو أساس أي مجتمع متحضر لذا تكون تلك الوسائل متاحة وذات فائدة عندما يكون إستخدامها بوقت معين وعند وقت الضرورة وتحت رقابة الأهل كما ذكرت سابقا،شكرًا مقالتك كمصباح ينور على بقعة ظلماء .ندى الهاجري

  7. عزيزي أ. إسحاق البلوشي
    لكل شي حدين سلبي وإيجابي والألعاب الالكترونيه تنمي الخيال وتوسع مدارك احلامهم لكن يجب ان تكون وسيلة للتسليه وليس وسيلة تتحكم بنا وترسم شخصيتنا وطبائعنا
    وبإمكان الوالدين أن يسنوا القوانين لإستخدام تلك الوسائل بأن يتم تحدد وقت لها و وقت للعائله و وقت للدراسه ..إلخ ولو بالحزم أوان تكون وسيلة مكافأه عوضا عن العقاب الجسدي فقد يكون لها تأثير اكبر من تأثير الضرب أو الإهانه
    تعلقهم بهذي الأجهزة ربما يدل على فقدان الحنان و الإهتمام أو الإنسجام لدى الكبار او الصغار مع الوالدين فقبل ان نواجههم بترك هذه الأشياء يجب ان نعوضهم بالحب
    جميل هو طرحك فهو يحمل بين طياته مشكله معاصره و شائكه

  8. بالفعل حياتنا اصبحت بحاجة الى مجدافين .الاول للعالم الافتراض الذي اصبح الاهم .والثاني لواقعنا وحياتنا اليومية ايجابية سلبية تدمير ضياع انجراف هدر وقت جميعها مفردات بتنا نعرفها .من الذي يستخدم النت ؟سؤال بسيط وجوابه ابسط .انا .انت . جميعنا يستخدمه .تبقى المشكلة عن الاستخدام السيء والاستخدام الجيد .وهذه الامور تبقى متزامنة مع الشخص نفسه .إن الالتزام بقيمنا بشكل مستمر والذي يحدد معنى هذه القيم هي حروفنا وكلماتنا وتصرفاتنا في هذا العالم الافتراضي إذا كان تصرفنا له التأثير الأكبرعلى حياتنا، فأننا نمضي قدما لتعزيز قيمنا في هذا العالم والا فالعكس صحيح .فما علينا الا ان نصبح مثل الفصول المتحركة تتحرك وفق ما هو ايجابي ومفيد .شكرا جزيلا .اخي الكريم ولا تنسى لولا هذا العالم الافتراضي لما تعرفنا على كاتب مميز بطرحه .دمت بود .اختك ازهار الانصاري

أتشرف بتعليقاتكم ومقترحاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s