مهرجان الغضب وفنونه !!


٢٠١٢١٢١٣-٠٠٣٤٤٨.jpg

إن كان الغضب جنوناً مؤقتاً، فإن قمة الغضب جنونٌ حقيقيٌ، نفقد خلاله منطق العقل، فتصدر أفعالنا كردة فعلٍ لأمرٍ سبب غضبنا، لذا كثيرةٌ هي قراراتنا الخاطئة في تلك اللحظة، وطويلةٌ هي لحظات الندم التي تعقبها، ومستمرةٌ هي حالة الملازمة بين الغضب والندم.

فحين الغضب تمحى كل الاعتبارات التي قيدتنا من قولٍ أو فعل، تلك الاعتبارات التي جعلتنا أكثر روية في هدوء ما قبل العاصفة، فتوهمنا بأننا لا نملك القوة الكافية للمواجهة أو المخاطرة، وتخوفنا من ردة فعل الآخر، وضخمنا المخاطر المترتبة عن شجاعة المواجهة.

وفي جنون الغضب تُعمى الأبصار عن المبادئ والقيم التي حُفظناها عن ظهر قلب، لتصبح هشيمةً تذروها الرياح، فيصبح الغضب سيد الموقف، ونصبح أسراه المطيعين، فلا نتذكر الصبر ومحاسنه كوننا همشنا العقل ودخلنا دوامة الجنون، ولكوننا تربينا بأسلوبٍ معتمدٍ على الأمر والنهي وسرد المثاليات، بلا إقناعٍ واقعي ولا قدوةٍ حقيقية تترجم تلك القيم إلى أفعال نشاهدها ونتعلم منها.

لذا لن تسعفنا قيمٌ لم نُمارسها، أو لم تُمارس أمامنا كي نؤمن بها، فهي أقرب للنظريات التي تحتاج للإثبات، وإثباتها الوحيد هو تطبيقها، وبالتالي التأكد من جدواها ونفعها على شخصياتنا ايجاباً، عندما نختبرها لكبح جماح هياجاننا في لحظة ثورةٍ جنونية، ولاسترجاع منطق العقل سريعاً قبل وقوع الفأس في الرأس.

والغضب من جملة الانفعالات الانسانية التي لا مفر منها وان تباينت من شخص لآخر، فهي اللحظة التي تتولد فيها قدرات لم نكن نعلمها وقوة لم نكن ندركها، كوننا خرجنا عن ضبط النفس وتحكمها إلى حالة التعبير الحر لا إرادياً أو لا شعورياً، فحين الغضب نكون أكثر انطلاقاً في حديثنا وأشجع في اتخاذ قراراتنا.

لذلك يُعتقد أن الغضب انفعال صحي شرط السيطرة عليه والتمكن منه، بل أكدت بعض الدراسات “أن الغضب من المشاعر الإيجابية ذات الحافز القوي، القادر على منح قوة الدفع للإنسان حتى يحقق ما يرغب فيه”، واتفقت دراسة من جامعة فلنسيا الأسبانية مع نظرية علم النفس “أن تفريغ المشاعر أفضل للصحة العقلية من تركها منغلقة أو مدفونة”.

لا أدعو من خلال السطور السابقة لإحياء مهرجانٍ نمارس فيه فنون الغضب وجنونه، ولكني أتمنى إن كانت لحظة الغضب حتمية وخارجة عن سيطرتنا أن ندرك الفرصة بطريقة إيجابية، فلنجعل من الغضب شحنة إصرارٍ وعزيمة، ولندرب أنفسنا على ترويض الغضب وتحويله إلى طاقةٍ نستمدها في سبيل النجاح أولاً، وفي سبيل تحدي الآخر والتفوق عليه.

أجزم بأن تلك الطاقة المستمدة من المواقف والمواجهات الغاضبة، كانت سبباً في تغيير مسار حياة الكثيرين، كيف لا ؟!، وهي لحظة استكشاف لقدراتنا المجهولة، وهي لحظة اعلان التحدي وقبوله، وهي اللحظة التي تشرق فيها أهدافنا التالية، وبشروقها ووضوحها تعلوا هممٌ قد خفقت وتصحوا نفوسٌ قد استكانت، فيدفع بنا عناد التحدي إلى حيث النور والنجاح.

نُشرت بواسطة

اسحاق البلوشي

مدونة اسحاق البلوشي 

9 رأي حول “مهرجان الغضب وفنونه !!”

  1. مقال جميل جداً ورائع بما يحتويه من معلومات ثريه ومفيده ..مميز دائماً في طرحك أخ اسحاق وننتظر المزيد

  2. أرى في الغضب حل لمشكلة ما ، وتخليص للنفس من تراكمات عديدة كونتها الظروف، ، وبما أن الغضب رد فعل انفعالي لا إرادي سريع لا نستطيع هنا الحديث عن طريقة مثالية للغضب..
    فقط علينا محاولة الالتزام بتعاليم السنة النبوية الشريفة وديننا السمح في مثل هذه الظروف..
    ودمت متألقا أخ اسحاق…

  3. ولنا في قرآننا الكريم وسنتناالنبوية خير قدوة
    فقد نهايانا عن الغضب بعد أن عرفنا مضاره وآثاره السلبية على الفرد والمجتمع
    وما أجمل وماأسلم الهدؤ والتأني في الأمور مهما كانت وفي كافة المجالاات
    فكما قيل في العجلة الندامة وفي التأني السلامة
    الفاضل الأستاذ إسحق البلوشي
    مقال رائع جدا وفكر جدير باالمتابعة
    شكرا لك وتحية كبيرة تليق بك

    (نورالعيون)

  4. أنا وعائلتي تاريخ في هذا الغضب وتتفاوت درجاته بين الإيجابية والسلبية ،، أقول وأؤكد على كلامك فعلا إن الغضب فنون وأقرب للجنون // أشكرك على هذا المقال الرائع ,,

  5. الغضب هي طاقة إنفعاليه لاشعورية تصيب التفكير بالشلل (الشلل هنا هو عدم القدرة على التفكير بعقلانيه وليس الشلل المرضي) وقد تودي بحياة البعض في حال تم كتمانها او التعبير عنها بشكل خاطئ وكما انها عاده سيئة تجعل كل من حولك ينفر منك وتُولِد معاني الكره والبغضاء والشحناء بينك وبين الآخرين وقد تخسر أصدقاءك أو أقرب الناس إليك لأنه ربما تتفوّه بكلمة تندم عليها طوال حياتك ويظن البعض انه قد يصلح ما افسدته يداه او لسانه بالاعتذار وإنا ارى ان الاعتذار وسيلة لنكمل مشوار الحياة ولكن لن تعود المياه لمجاريها وخاصة إن كانت مرحلة الغضب قد وصلت لـ الجنون فأكيد ان عواقبها وخيمة وأضرارها فادحه
    فإذا شعر الشخص ان الغضب لا محال منه فيجب ان يصمت ويغير المكان فالغضب من علامات الضعف وقلة الحجه لأن من يستطع ان يتمالك نفسه عند الغضب هو الذي يملك الاراده والعزيمة والبعض يغضب لا لشيء يُذكر وإنما لأنها عاده مع علمه بأنه يوجد خيارات اخرى غير الغضب
    يجب تفادي هذا الغضب الكبير والتعبير عنه بطريقه أخف بإتباع تعاليم ديننا الحنيف والسنة النبوية أو بطرق حضارية لاتسبب خسائر مادية او معنوية كأن تكتب مايغضبك في ورقة ثم تمزق الورقة قطعا صغيره او أن تلجأ للبكاء او الصراخ ولكن بدون أن يرى من حولك نقاط ضعفك كي لاتُصاب بالغضب
    لو كان الغضب مفخره كما يدعي البعض او شكل من أشكال القوة لكان الخالق عزوجل أطبق علينا الأرض حين نعصيه وهو ينعم علينا ويغفر لنا ويرزقنا من حيث لانحتسب ..!!

    أستاذي إسحاق دائما ماتحمل لنا مدونتك كل ماهو مميز و ذو قيمة

أتشرف بتعليقاتكم ومقترحاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s