إليكما مع التحية !


٢٠١٢٠٩٢٧-٠٠٤٩١٢.jpg

الليل الكالح فرض علينا سواده، فلا يمكن رؤية شيء غير ذلك الظلام الدامس، والسكون لف المكان فكل من معي في السيارة هم في سباتٍ عميق، وكأني أقود سيارة الحياة إلى حيث لا أدري.

تلك الحياة التي ولجتها باكياً وكل من حولي في سرور وفرح، حتى بدأتُ أتلمس الطريق حبواً، فما لبثتُ حتى تلقفتني تلك الأيدي الحانية، محاولةً تثبيتي واقفاً، وكأن وقوفي حفلتهما المنتظرة، ولأني وكباقي الأطفال تأسرني ضحكاتهما وطريقة تحفيزهما، فقد حاولت الثبات مدة تصفيقهما وتهليلهما لي.

وها أنا أصل إلى المدرسة بسرعة تفوق استيعابي، وها هي تلك الأيدي ممسكة بيديَّ وترافقني إلى أول يوم دراسي، وها هي أعينهما تراقبني بينما أجلس في فصلي الأول، بينما تظل نظراتهما ممسكة بي ولا تريد الفكاك أو الفراق، حتى يطمئنا على اندماجي الكامل وتقبلي المكان ومن فيه.

وبعد سنوات أستيقظ بنشاط غير معتاد، فاليوم هو يوم ماراثون الجري وقد قررتُ المشاركة، سوف أعدو ورفاقي بدءاً من الكورنيش ومروراً أمام منزلنا حتى نصل إلى المدرسة، وها هي تلك الأيدي تتلقفني منذ الصباح الباكر، وقد جهزوا لي ما سأرتديه، وفي أثناء ذلك أمطروني بنصائحٍ رياضيةٍ وطبيةٍ ونفسيةٍ، يراد بها تمكيني من إكمال المسافة دون أدنى أذى قد يصيبني.

بدأنا الجري بسرعاتنا القصوى، ولأنها روح المنافسة وشقاوة الأطفال لم ندرك بُعد المسافة، إلا وقد اقتربنا من منزلنا، وإذا بتلك الأعين تترقب وصولي وقد طال انتظارها، لا لتأخيري، بل لقلقهما الدائم والمستمر، فكانت تلك لحظة تطمين مؤقتة، يعودان بعدها إلى حالة القلق والانتظار حتى أعود إلى المنزل.

كان ذلك دأبهما، اهتمام بي وقلقٌ علي، وحبٌ تنوعت أشكاله، فهما من غمرتهما فرحةٌ تفوق فرحتي عندما حصلت على الشهادة الثانوية، وفي الوقت ذاته هما من سهلا لي طريق النجاح، فهما من زرعا فيني حب العلم وتقدير المعلم، وهما من أزاحا عني الهموم والمصاعب، وهما من ألبساني طمأنينةً وراحةً كنت في أمس الحاجة إليهما، وهما شحنة الحنان التي أتزود بها قبل أن أحتاجها.

وهما الآن رفيقي دربي الغائبين لحالتهما الصحية، لذا أستوحش قيادة الحياة دون نورهما، ولكني في المقابل أعيش معهما أحلى الذكريات، كُلما هربت من واقعي وألتحقتُ بهما في الماضي الجميل.

أتلمس ذلك من تلك الأيدي التي تبدو أكثر وهناً من أي وقتٍ مضى، ولكن دفئها باقٍ كما في الأيام الخوالي، فرُغم فقدها العنفوان والقوة إلا أنها تظل متشبثة بقوة الحب والحنان، وأتلمسه من تلك الأعين المليئة حباً وسحراً، فلا أكاد أبادلهما النظر، حتى يبدأ حديث الأعين، حديث العتاب بسبب الاشتياق، وحديثُ القلق والاهتمام، حديثُ نكران الذات في هذا الوضع الصعب، حديثٌ أنا محوره على الدوام، ذلك الحديث الذي لم ألتفت إليه إلا بعد فوات القطار.

لم أدرك وضعي معهما إلا بعدما هدأت دوامة الاهتمام والحب رغماً عنهما، عندها أدركتُ منبع الحب الحقيقي وسر الاهتمام الزائد، عندما جاء دوري في رد الجميل لهما، ذلك الجميل الثقيل ثقل الجبال الرواسي، لم ولن أستطيع رده، إلا ببعض الأفعال التي قد أوهم نفسي بأنها جزء من رد الجميل.

فيا ويح نفسي ويا ويلي إن لم أُدرك برهما، وهو أقل القليل في بحر تضحياتهما من أجلي، فكم من ألمٍ كنت سبباً فيه، وكم من قلقٍ انتابهما بسببي، وكم من شيء حرما نفسيهما منه لأجل حصولي عليه، وكم من عينٍ ذرفت أو سهرت لأجلي، وكم مرةً كنت سبب حزنهما، وكم من المرات أغضبتهما، وكم هي الأيام التي غفلتُ عنهما.

أسأل الله أولاً الرحمة والغفران، والعفو عن كل تقصيرٍ في حقهما، وأسأله العون والتوفيق لبرهما، وأرجو منهما العفو عن ما كان مني، فأنا المقصر المعترف بذنبي الراجي لرحمة ربي ومغفرته.

(ربِ ارحمهما كما ربياني صغيرا)

نُشرت بواسطة

اسحاق البلوشي

مدونة اسحاق البلوشي 

9 رأي حول “إليكما مع التحية !”

  1. اامين يارب منشور رائع وكلمات اروع سلمت اناملك شيخنا ويعطيك الف عافية تقبل مروري ^^

  2. صدقت يابومحمد. مقال معبر نابع من القلب يصل سريعا إلى قلب كل شخص محب لوالديه ولديه ذرة من الاحساس بارك الله لك في والديك وإعانك الله عل برهما.

  3. مقاله قمه فى الروعه والرقى والمشاعر الفياضه…الكاتب المتمكن هو من يتحدث عنى وكانه لسان حالى…عبرت عن مشاعرنا كما اردنا ان نعبر…دمت…نصيحتى لك ان تبدا بكتابه القصه ..فانت كاتب متمكن وتمتلك قدره كبيره على التعبير والغور فى مشاعر الناس والاقناع..تحياتى وامنياتى بالاستمرار والتقدم..

  4. قال الله – عز وجل -:بسم الله الرحمن الرحيم
    قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [ الأنعام: 151 ].
    وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [ النساء: 36 ]
    .وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ [ لقمان: 14 ].
    عن رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم ( الوالد أوسط أبواب الجنه فإن شئت فأضع هذا الباب أو إحفظه ) رواه الترمذي وصححه الالباني.

    الاخ الكريم ابو محمد ..عامة اهل الخليج يقولون ” المدح بالوجه مذمه ” وانا ما اذمك لكن عقلي وبكل قناعه اجبرني ان امدحك حاضرا كنت ام غائب..فأسلوبك في مقالاتك التي قرأتها ,إسلوب نادر جدا ومفتقد فسبحان من حباك بهذه الخصله.
    ادعو الله تعالى ان يجزاك خير الجزاء على كل حرف كتبته وخاصة هذا المقال والذي لاتتعدى مدة قرائته الزمنيه دقائق,ولكن الطريقه العجيبه في ترابط الاحداث في المقال اعادت فتح ملف في الذاكره مدته الزمنيه 21 سنه , أي نصف العمر..!!
    هذا المقال ” اوله ” تهيئة لذاكرة القارئ ” واوسطه ” دخولنا تلقائيا بالذاكره في حلم كان واقع وملموس من ذكرياتنا الماضيه الجميله مع امهاتنا وآبائنا ..وقد كان ختامها مسك ,احسنت في إختيارك ” الختام ” في هذا المقال ففي خارجه تتحدث عن نفسك ولكن داخله تنبيه وتحذير للمقصر عن والديه كما انه يشجع من عق والديه ان يتوب الى ربه ويعجل بإرضائهما ورضاهما عنه لكي يرضي عنه الله تعالى,جعلني الله وإياك وجميع المسلمين ممن ارضوا ويرضون والديهم وربهم.
    إقتباس من المقال معبر:
    أني أقود سيارة الحياة إلى حيث لا أدري.
    لذا أستوحش قيادة الحياة دون نورهما .

  5. لم يدع لنا الاخ / ابو فهد … سلمت يداه
    مانقول من تعليق و ثناء علماً بأنك لا تحتاج للمدح ولو تطرقنا له من خلال مقالاتك الرائعة في هذا المقال تطرقت الى شيئ يلامس أفئدتنا التي فيها مسكنهم ابي وأمي هما ليس اب وام فقط
    فرضئ الرب مرتبط برضائهما
    وفيهما ثناء الله على من يبر بهما ..قال تعالى: ( وَحَنَاناً مِّن لَّدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيّاً (13) وَبَرّاً بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّاراً عَصِيّاً )
    وفيهما منسأة للأعمار مجلبة للرزق : قال صلى الله عليه وسلم: ( لا يرد القضاء إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر )
    وفيهما أفضل الطاعات وأجل القربات
    عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : ( سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم : أي الأعمال أحب إلى الله ؟ قال : الصلاة على وقتها، قلت ثم أي ؟ قال : بر الوالدين، قلت ثم أي ؟ قال : الجهاد )
    وفيهما دخول الجنة

    اللهم يا ذا الجلال و الإكرام يا حي يا قيوم ندعوك باسمك الأعظم الذي إذا دعيت به أجبت,أن تبسط على والداي من بركاتك ورحمتك ورزقك.
    اللهم ألبسهما العافية حتى يهنئا بالمعيشة , واختم لهما بالمغفرة حتى لا تضرهما الذنوب , اللهم اكفيهما كل هول دون الجنة حتى تُبَلِّغْهما إياها .. برحمتك يا ارحم الراحمين
    اللهم لا تجعل لهما ذنبا إلا غفرته , ولا هما إلا فرجته , ولا حاجة من حوائج الدنيا هي لك رضا ولهما فيها صلاح إلا قضيتها .
    اللهم ولا تجعل لهما حاجة عند أحد غيرك
    اللهم و أقر أعينهما بما يتمنياه لنا في الدنيا
    اللهم اجعل أوقاتهما بذكرك معمورة
    اللهم أسعدهما بتقواك
    اللهم اجعلهما في ضمانك وأمانك وإحسانك
    اللهم ارزقهما عيشا قارا , ورزقا دارا , وعملا بارا
    اللهم ارزقهما الجنة وما يقربهما إليها من قول أو عمل, وباعد بينهما وبين النار وما يقربهما إليها من قول أو عمل

    تسلم يداك يأستاذي الفاضل

  6. يعطيك العافيه يا بو محمد
    نعم للوالدين حق كبير علينا ولازم الواحد قد ما يقدريجالسهم ويونسهم حتى ولو يقعد معاهم خمس دقايق تدخل في قلوبهم السرور وتجيبلهم بين فترة وفترة هدية ولو بسيطه يشوفوها غاليه لإنها من ولدهم أو بنتهم

  7. رزقنا وياك برّ والدينا ومن قرأ لك ومن لم يقرأ … اتفكر في العاق لوالديه كيف يحيا بعقوقهما وتغمض عيناه لحزنهما … بروّا أباءكم تبرّكم أبناءكم .. الله سبحانه ينزل رزقه ورحمته لنا بسببهما فهما بركتنا في هالدنيا …. شكراً لك أخي على مقالك الرائع …

    تعليق بواسطة nawal alayyar …….

أتشرف بتعليقاتكم ومقترحاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s