الرأي المعاكس


20120620-231603.jpg

منذ نعومة أظفاره، واقتتال وجهات النظر لم يبرح تفكيره، من البدء حيث مشاهدة المشاحنات في طفولته، ثم حماس النقاش، فالتعصب والانحياز في زهرة عمره وعنفوان شبابه.

لذا لم يسلم وأقرانه من خصومة الجدال، واستماتة العناد، فكانت شرارة الخلاف رأيٌ عاكس رأي، وناره نقاش عقيم، ورماده خصام مبين.

ولذلك ظل يناظر كل ضد معاكس، فكان يرى رأيه حقيقة، بلا شك ولا خلط، ورأيهم باطل أكيد، وفساد مقيت، ونتيجةً لهذا، فقد جادلهم بلا رحمة، حتى أصبح أشوسهم، فلم يقبل غير رأيه، ولم يسمع غير صوته، بل كان يلجم الأفواه، بلسانه الجارح، وعباراته الحادة.

حتى بنى سوره العظيم، ليحميه من كل ذي رأي معاكس، دعائمه التسفيه والإسفاف، وحراسه كل قول بذيء بسلاح الشتم والقذف.

وبذلك تقوقع على رأيه الوحيد، حتى ذلك اليوم العظيم، حينما انفجر عقله، طارحاً أسئلته المدوية، فأحدثت شظاياه شرخاً في سوره المحصن: “إن كان رأيك صحيحاً، ودلائله واضحة، وركائزه قوية، فلما الخوف من رأيٍ مخالف؟!، وما الداعي لسورك المحصن؟!.

فهل هو خوفٌ من آرائهم؟!، أم خوفٌ على رأيك؟!، أم هي رهبة الحقيقة إن خالفت ما تعتقد؟!، أم تربيةٌ لازالت آثارها تتحكم؟!، وهل لتسلط والدك دور؟!، وهل لجبروتِ مُدرسكَ بصمة؟!.

وفي المقابل، لماذا خُلقنا مختلفين، شكلاً ولوناً وتفكيراً؟!، وكيف ستكون الحياة إن كنا متشابهين؟!، وجملة القول: هل الاختلاف فطرة؟!.

فكيف بك، إن دخلت بستاناً زهوره بلون واحد، مقابل بستانٍ اختلفت ألوانه وتنوعت؟!، كذلك هي الآراء والأفكار، فما هي إلا بساتين يانعة الثمار والأزهار، كثيرة الأشكال والألوان.

فإن لم ترغب في ثمارها وأزهارها، فلا تحرم عقلك من روعتها، ولا تمنعهم من زيارة بستانك الصغير، فقد يعجبهم شيءٌ منها، فيقطفوا أجملها ويحصدوا أطعمها.

والحياةُ أخذٌ وعطاء، فخذ أجود ما عندهم، واترك ما دون ذلك، واعطهم أجمل ما تراه، ولكن على طبقٍ من الاحترام والود، مزينةً بكثير من اللين والطيب، مذاقها قناعتك ولُبها دلائلك”.

عندها هوى ذلك السور العظيم، ليَسمع ويُسمع، ويأخذ ويعطي، دون مسٍ أو لمسٍ لثوابت الدين، وبعيداً عند كل همزٍ ولمز، ليكون محباً لكل مخالفٍ معاكس، متمنياً الوصول إلى الحقيقة وإن خالفت رأيه.

(دمتم متحابين وإن اختلفتم)

نُشرت بواسطة

اسحاق البلوشي

مدونة اسحاق البلوشي 

11 رأي حول “الرأي المعاكس”

  1. فإن لم ترغب في ثمارها وأزهارها، فلا تحرم عقلك من روعتها، ولا تمنعهم من زيارة بستانك الصغير، فقد يعجبهم شيءٌ منها، فيقطفوا أجملها ويحصدوا أطعمها.
    رأي رائع !! اتفق معك الدنيا أخذ وعطاء

  2. الحقيقة أن المقال أكثر من رائع لأنه طرح موضوع احترام الرأي الآخر وعدم التعرض لصاحبه بما لا يرضى وهذا من خلق المسلم الصحيح وأستدل على ذلك بقوله تعالى: (وأمرهم شورى بينهم)

  3. صباحك ابداع وتميز، أنت كما عهدتك منذ قرأت لك أول مرة مبدع ومتميز لذا ليس لدي ما أضيفه اليوم سوى أطيب تمنياتي بالمزيد من التألق

  4. أستاذي إسحاق
    مسآؤك جنةُ أُقحوان .. فكمّ أصبحتُ أتلهفَ لِـ يومْ الخميسِ لِـ أتلّذذ بِـ روعة الفِكرة التي ستنثُرها لنآ بِـ إسلوبك الشّيقْ ..!!
    يقُولون ان الإختلآف لا يفسد لـ الود قضيه ولكنه شعار لآ يُطبق بِـ كثرة مانتداولهْ .. ولكني اتمنى بعد هذآ المقال المُترف بـ الدُرر أن يسقُط ذاك الجسر العظيم الذي يقفُ حاجزاً بيننا وبين تقبل الراي الآخر وتصحيح أفكارناْ والإسترسال في دمج الأفكآر لنخرج بفكره عظيمه و مختلفه /،
    ويقولونّ أيضاً الصمتْ فٍي حرم الجمآل جمآلْ [ 🙂 ]

  5. والحياةُ أخذٌ وعطاء، فخذ أجود ما عندهم، واترك ما دون ذلك، واعطهم أجمل ما تراه، ولكن على طبقٍ من الاحترام والود، مزينةً بكثير من اللين والطيب، مذاقها قناعتك ولُبها دلائلك”.

    اسلوب رائع وموضوع وفقت في اختياره نعاني منه في واقعنا كثيرا

    دمت متميزا ومتالقا

  6. ما أجمل أن نهدم ذاك السور المحصن بالآراء الشخصية ، وأن ننصت لأصدقائنا واحبائنا ، لعلهم يعطونا الرأي الأفضل والأمثل ,,

    أشكرك على الجواهر النفيسة ,,

  7. خآلف تعرف هذه نظرة بعض النآس وغآيتهم جزيت خيرا ودآم نبض قلمك

  8. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته . .

    رائعة هي كلماتك أخي الكريم اسحاق البلوشي . .

    مقال جدا جميل . . اسجل اعجابي به و يسحق النشر . .

    {الحياةُ أخذٌ وعطاء، فخذ أجود ما عندهم، واترك ما دون ذلك، واعطهم أجمل ما تراه، ولكن على طبقٍ من الاحترام والود، مزينةً بكثير من اللين والطيب، مذاقها قناعتك ولُبها دلائلك”.

    عبارة ذهبية و قمة في الروعة . .

    كل التوفيق و النجاح لك و بانتظار جديد قلمك المدون . .

    !مجرد ذكرى!

  9. السلام عليكم ورجمة الله وبركاته . .

    رائعة هي كلماتك أخي الكريم اسحاق البلوشي . .

    مقال جدا جميل . أسجل اعجابي به يسحق النشر . . كل التوفيق لك ودمت مميزا مبدعاً }

    !مجرد ذكرى!

أتشرف بتعليقاتكم ومقترحاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s