سراج المزواج


20120426-003936.jpg

في احدى الأيام قررتُ زيارة عمي في مزرعته، وحين وصولي رحَّب بي وعرَّفني بعامله الجديد (سراج)، تجولنا في ربوع المزرعة بينما كان يخبرني بما استجد واستحدث، لفت انتباهي عندما نادى سراج ضاحكاً: تعال يا (مزواج)، فقلت له: ما حكاية (سراج المزواج) يا عمي، قال: إنها قصة طويلة أُفضِّل أن تجالسه ليحكي لك أسرارها وتفاصيلها، طلبَ منه تحضير الشاي، ثم انشغل عنا، جلست معه، بادرته: ما قصة لقب (المزواج)؟!!،ضحك، بل اجهش بالضحك، قلت: ما الذي يضحكك يا(سراج) ؟!! قال : إنها قصتي التي اضحكت عمك وكل من عرفها، قلت: احكي لي القصة، فكلي شوق لسماعها.

قال: كنت مُراهقاً عندما راج في القرية حديث التعدد، فقد تزوج ثلاثة من رجالها في شهر واحد، وهي أخبار مفزعة لأمي الحنون، ومسلية لأبي وأقرانه، سمعتُ ضحكاته تعلو مع الضيوف وهو يدعي البطولة، وما هي إلا أيام، حتى يكون بصحبة زوجته الجديدة، وكذلك حال الأعمام، يدَّعون ما يدعيه، وفي المقابل فوضع الأم مختلف، قلقٌ دائم من ما سيقدم عليه بعد هذه العشرة، من خدمةٍ ومراعةٍ للبيت في حضوره وغيابه، وحبٍ صادقٍ لم تكل بسببه ولم تمل، بل لم تشكو يوماً لأحد، حباً وكرامةً لمن هو زوجها، وتمسكاً بمبادئها وتربيتها.

أصبح شغل سراج الشاغل وتفكيره الحاضر هو التعدد، سأل إمام الحي، أجابه على الفور: (فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ) الآية، ولكن بشرط العدل، والعدل هنا عدل الإنفاق والمبيت، سأل أقرانه ممن يدَّعون الثقافة، قال أحدهم: إن التعدد مطلوب في هذا الزمن الصعب، فالصحابة والتابعين بل وتابعي التابعين كانوا مُعددين، ولاتنسى ما كانوا يملكون من جواري ومن هن بحكمهن، ولم تكن الفتن كالآن، فكيف لرجلٍ أن يكتفي بواحدة؟!! دون الوقوع فيما حرمه الله، اقتنع سراج بما قاله صديقه، وبدأ معركته بلا هوادة، أعلن للجميع وجوب التعدد، فإنه شرع الله، ولا تلاعب فيه، صرخ في وجه أمه قائلاً: ويحكِ من عذاب ربكِ، كيف تمنعين أبي من الزواج؟!!، بينما مازح أباه : توكل على الله، ولا تؤجل عمل اليوم الى الغد، على مرأى ومسمع منها، تزوج أبو سراج من بنت تصغره بعشرين سنة، وانجبت له، خمسة ابناء وبنات، واستسلمت الأم لأمر ربها، ووهبت جل وقتها لأبناءها وبيتها.

بلغ سراج سن الزواج، فاتحته الأم لاختيار العروس، جاوبها: ولكن بشرط أن توافق من اتزوجها، بتعددي متى شئت، فهي الأولى وسأُتبعها بالثانية والثالثة والرابعة، لها الكرامة، ولها مني العدل حسب شرع ربي، شرط رضاها وعلمها بنيتي قبل الزواج، حاولت اقناعه بالعدول، لكنه اصر واشترط، بدأت بحثها بلا حولٍ ولا قوةٍ، فنشرت خبر ابنها المعدد قبل الزواج، جابت القرية بيتاً بيتاً بحثاً عن زوجةٍ صالحةٍ راضيةٍ بشروطه، لم تجد ضالتها، يئست وكفت عن البحث.

فإذا بخبر عجيب يتسلل الى مسامعها، ثلاث أخوات من قريةٍ بعيدة، لديهن ثلاث بنات في سن الزواج، ويشترطن الزواج برجل واحد، راضياتٍ قنوعاتٍ بمهرٍ قليل، إستشارت ابنها، راق له ما سمعه، وأبدى رغبةً جامحةً، فتلك هي أمنيته وحلمه الكبير، بالجمع بينهن، ليصبح معدد الزوجات، فسبحان مقدر الأقدار، وواهب الأرزاق.

سافر أبوسراج مع زوجته وابنه الهُمام الى تلك القرية، سألوا عن الأخوات أم البنات، دلوهم على بيتٍ متواضعٍ، استقبلهم بالباب شابٌ صغير، استأذنهم لمناداةِ أمه، جاءت وسلمت، طلبت منها أم سراج الدخول فقد جاءوا لأمرٍ هام، ولا يصح الحديث عند الباب، اعتذرت وقالت: لا استطيع، فلا يوجد رجل في البيت، مات زوجي منذ سنين، وكذلك أزواج أخواتي الأخريات، ولا يوجد من يعيلنا، إلا هذا الشاب اليافع، أم سراج: لقد جئنا لطلب بناتكن للزواج، فرحت أم الشاب، ورحبت، طلبت منهم الدخول، وأمرت ابنها باخبار أختيها على الفور، حضرتا مسرعتين، بعد سماعهما البشرى، ولم تسعهما الفرحة، استغرب الضيوف من بهجتهم المُبالغة، الأب: أصبح التعدد دارجاً في المجتمع ولا غرابة في ذلك، ولكن أن تكن أخوات وتردن تزويج بناتكن لرجل واحد، هنا الحيرةُ وهنا سرٌ أريد معرفته، أجابت إحداهن: ابتلانا الله بموت أزواجنا على التوالي، وابتُلينا كذلك بثلاثة من البنات هن في سن الزواج، فاتفقنا أن لا نزوج إحداهن دون الأُخريين، حتى لا يتشتت شملنا، ونبقى كما كنا، مجتمعات في كل حين، وكذلك بناتنا، نريدهن في بيت واحد، وعلى الزوج أن يتعهد أمام الجميع قبل الدخول بالأولى، فإن نقض العهد كان عليه دفع مبلغ كبير، ولتعلموا أننا قوم لا نسمح برؤية بناتنا إلا عند الدخول بهن فعاداتنا لا نحيد عنها، رمق الأب سراجاً بنظرةٍ مخاطباً: ما رأيك في ماسمعت؟، قال:جئت الى قريتكم قاصداً التعدد، وها انتم تريدون ما أريد، وتتمنون ما أتمنى، فليكن الزواج في أقرب فرصة.

تزوج احدى البنات أولاً، على أن يلحق بها الأخريين، كانت شديدة الحسن والجمال، بليغة المقال، تأسر الألباب، وهو العاشق الولهان، لا يقوى فراقها إلا وقت العمل والبحث عن الرزق، مر شهر على ذلك الحال حتى تحركت غرائزه المكنونة، فاشتاق للتي لم يراها، فهو معدد قبل الزواج، صراحها بقرب زواجه من ابنت خالتها، ضحكت باستهزاء، وغيرةٍ أخفتها بدهاء، وثقةٍ بانت على محياها، هنا تسلل الشك إليه، قال: وما بها ابنت خالتكِ؟، أهي أقبح منكِ أم أكبر سناً، قالت: لا، ولكنك لن تتحملها ساعة، قال غاضباً: وما بها يا امرأة، قالت مبتسمة: إنها وابنت خالتي الاخرى مصروعتان، أصابهما مرض عضال في الصغر، تنتابهما حالات لا يقوى أحد عليهما، لذا أردن تزوجينا معاً لرجل واحد، هنا أدرك سراج مقلب العجائز، لقد كانت الأولى طُعماً لتزويجهما، جن جنونه، غضب، همَّ بمصارحتهن، ولكنه تذكر المبلغ الذي وجب عليه، فكيف سيدفعه؟!!، وقد أعطى الوعود، ووثق العقود بلا فكر ولا استيعاب، قال: كيف لي أن أصبر على مجنونة تجالسني؟!! فما بالكِ إن كن اثنتين؟!! كيف سأقضي يومي مع مصروعةٍ؟!! تنطحني حيناً وترفسني تارةً، وكيف تقر لي عينٌ وتسكن لي جارحة وهي بقربي؟!! ظل في قلق دائم وكأنه سيُقاد للإعدام، ناجى نفسه: ما بالي أصر على التعدد، وما حاجتي له، أنعم الله علي بزوجةٍ يسرني حسنها، ويعجبني قولها، وأنا معها في ود دائم، فدعا الله دعاء المخلص بأن يكشف عنه همه، لاحظت عليه حاله، التي لا تُسر، قالت له: إليك الحل يا سراج ولكن بشرط؟!!!، أن تُقسم لي إن خلَّصتُك منهما بأن لا تُقدم على الزواج علي ما دمتُ حياً، أقسم بأغلظ الأيمان أن تظل زوجته الوحيدة، بشرط أن تُخلصه مما هو فيه، قالت: سنبحث لهن عن زوجين بأسرع وقت ممكن، فذلك غاية مرادهن، ذهب سراج يبحث عن عريسين، حتى وجدهما في قريته، وهما صديقيه، فضل التضحية بهما، قال لهما:تزوجت ابنت خالتيهما ويا لها من عروس وُهبت لي، حسنٌ وجمالٌ وود، كم أنا محظوظ بها، لذا انصحكما بابنتي خالتيها، لم يترددا واعلانا الزواج، وتكفل بدفع المهر تشجيعاً لهما، تزوجا وسكنا في نفس القرية، وأكد هو قسمه لزوجته بقناعة تامة، فرحت الزوجة، وعاشا معاً سنين طويلة وانجبت له عدداً من البنين والبنات، وقد تبخرت فكرة التعدد من رأسه، ظل طوال هذه السنين يرأف لحال صديقيه الذين أورطهما، والغريب أنهما لم يلوماه على فعلته، معتقداً أنه وفاء الأصدقاء، والقناعةٌ بالواقع، حتى تفاجأ بهما ذات مرة يلمزانه بالقول ويضحكان، نعتاه بالمخدوع، قال: أنا المخدوع أم أنتما؟!! أنا من تزوج المجنونتين، أم أنتما؟!! عندها … اشتد ضحكهما … وقال أحدهما: لقد خدعتك زوجتك، وادعت مرضهما، وعرفت تخليص نفسها من الضرتين، إنهما صحيحتان سليمتان، وقد أفشتا السر لنا، أردتَ تخليص نفسك بتوريطنا، ولكنك في الحقيقة كافأتنا بزوجتين لو جبنا المعمورة ما وجدنا مثليهما.

سراج: هكذا فعلت بي زوجتي يا اسحاق … ضحكتُ وقلت: إن كيدهن عظيم، ويا لك من مغفل، فهل تريد الزواج بأخرى؟!! قال: لا، لقد مُسحت الفكرة من رأسي تماماً، عندها(أجهشنا بالضحك معاً).

انتظر تعليقاتكم في تويتر على الهاشتاق :
#سراج_المزواج

نُشرت بواسطة

اسحاق البلوشي

مدونة اسحاق البلوشي 

8 رأي حول “سراج المزواج”

  1. المبدع دوم مبدع وانت ما شاء عليك وانا من الحين اتريه مقال اسبوع الياي. وموفق ان شاء الله يا بو محمد

  2. شكرا على هذه العبرة وفعلا الحياة تختلف من شخص لاخر وما كان مقنعا في فترة من فترات حياتنا يصبح عبئاً نريد الخلاص منه في فترة غيرها
    يسلم قلمك الجميل والواعد ولديك سعة افق وإدراك متميزين في حبك القصة
    اتمنى لك التوفيق وتقبل تحياتي اخي العزيز

  3. ههه راااائعه

    بس والله عفارم عليها

    يعطيك الف عافيه

    استاذ اسحاق

  4. قصة جميلة .. فلو كانت حقيقية فهي تدل على أن المرأة تمتلك قدرا كبيرا من الذكاء الذي يحميه من تسلط الرجل في بعض الأحيان ، فبعض الدهاء يفيد أحيانا

أتشرف بتعليقاتكم ومقترحاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s